من قَلَبَ الربيع العربي إلى أزمة عربية؟

يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.

المخاطر المحتملة لفشل الدولة والحروب الاهلية في البلدان العربية، هي نتيجة للمسارات الإشكالية التي انتُهجت قبل 2011، وأيضاً للخيارات التي اتخذها من هم في السلطة، حول كيفية التعاطي مع التحديات السياسية والاجتماعية- الاقتصادية والمؤسسية الناشئة منذ ذلك الحين.

وهكذا، أصبح العنف الوسيلة الرئيس لممارسة السياسة، وحلّت مكان الاستتباع كوسيلة فُضلى للسيطرة، ولكن بأثمان أضخم بكثير سياسياً واجتماعياً في آن.

لا تقفوا عند سماع الصفارة ..

Kolumnisten Al-Aswani

في البداية بدا المشهد عاديا.. 

.. سيدة متوسطة العمر تذهب للكشف في عيادة العيون فتجدها مزدحمة، تنتظر دورها وسط المرضى وفجأة تدوي صفارة فاذا بالمرضى جميعا – ماعدا السيدة – يقفون ثم يجلسون .. تندهش السيدة ولا تعلق. بعد قليل تدوي الصفارة من جديد فينهض المرضى ويجلسون.. يتكرر الأمر ثلاث مرات وفي المرة الرابعة عندما تدوي الصفارة اذا بالسيدة تقف مع المرضى وتجلس معهم ويتكرر ذلك مع كل صفارة ثم ينصرف المرضى لكن السيدة تستمر في الوقوف عند سماع الصفارة وهي وحدها في صالة الانتظار..

كانت هذه تجربة أجراها علماء النفس في جامعة بنسلفانيا الأمريكية . فقد تظاهر متطوعون بأنهم مرضى وصاروا يقفون ثم يجلسون عند سماع الصفارة بهدف اختبار رد فعل السيدة التى هي مريضة  فعلا. بعد أن أخبر الباحثون السيدة بالحقيقة سألوها لماذا كانت تقف عند سماع الصفارة فأجابت: 

–  أحسست بأننى يجب أن أفعل مثل الآخرين والا فانني سأكون مستبعدة على نحو ما وعندما فعلت مثلهم أحسست بأنني مرتاحة أكثر بكثير.

هذه التجربة تفسر نوعا من السلوك الانساني اسمه “ضغط الأنداد”

Peer pressure

حيث يميل الأفراد إلى تقليد أي تصرف أو تفكير يتبناه معظم الناس فيحسون عندئذ بالراحة لأن تصرفهم بطريقة مختلفة يقلقهم. نظرية ضغط الأنداد يعتمد عليها النظام الاستبدادي في تشكيل الرأي العام حيث يتم التحكم الكامل في وسائل الاعلام فتحجب عن الناس الحقائق ولا تسمح لهم اطلاقا بالتفكير المستقل وانما تروج لأكاذيب وترددها باستمرار حتى يقتنع معظم الناس بأنها حقائق..عندئذ طبقا لنظرية “ضغط الأنداد” فان الأفراد القليلين الذين لازالوا يحتفظون بقدرتهم على التفكير المستقل سوف ينضمون إلى الرأي الغالب عند الجمهور وهكذا يتحول عقل الشعب كله إلى مادة لينة في يد الاعلام يشكلها كما يشاء.

عادة ما يمدح الديكتاتور الشعب ويتغنى بعظمته لكنه لايثق في قدرته على التمييز ويعتبره طفلا ساذجا عقله مثل الصندوق الفارغ يجب حشوه بالآراء السليمة بدلا من أن يحشوه خصوم النظام بالأفكار الهدامة. في أنظمة الاستبداد فقط توجه للمعارضين تهما مطاطة وهمية مثل  التحريض ضد الدولة واثارة البلبلة وتكدير السلم الاجتماعي.

منذ أن تولى الرئيس السيسي السلطة، تمت السيطرة الكاملة على وسائل الاعلام فتم  استبعاد كل الاعلاميين المستقلين وتعيين اعلاميين موالين وظيفتهم مدح الرئيس يعاونهم  من يسمون بالخبراء الاستراتيجيين الذين ينفذون تعليمات الأمن: لم يعد هدف الاعلام نقل الحقيقة وانما طمسها أو تحويرها لخدمة الدعاية التى يريد النظام ترسيخها بالالحاح المستمر حتى تتحول إلى حقيقة في أذهان  المشاهدين الذين صدقوها او تظاهروا بتصديقها لأنهم لا يتحملون التكلفة النفسية للتفكير المستقل.

فيما يلي بعض الأمثلة:

1 – الحقيقة: تلقى الرئيس السيسي دعما من دول الخليج يزيد عن 25 مليار دولار تم انفاقها بالكامل في عامين فقط مما دفع الحكومة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي مبلغ 12 مليار دولار بشروط قاسية يتحملها الفقراء وحدهم.

الدعاية: السيسي ينفذ مشروعات ستجعل من مصر بلدا عظيما في المستقبل وكل من يعترض على ذلك خائن كما ان الاقتراض من صندوق النقد يعتبر دليلا على قوة الاقتصاد المصري

 2- تم انفاق المليارات في مشروع توسيع قناة السويس لكنه لم يحقق أي دخل مما يؤكد ان دراسات الجدوى لهذا المشروع لم تكن صحيحة.

الدعاية: قناة السويس الجديدة مشروع تاريخي عملاق سيجنى ثماره أولادنا وأحفادنا وكل من يشكك في المشروع اما اخواني ارهابي أو عميل مأجور 

 3 – الحقيقة: القمع في عهد السيسي أسوأ من أي وقت مضى وهناك تقارير عديدة عن انتهاكات مروعة في السجون كما أن أعدادا متزايدة من المعتقلين يموتون من التعذيب 

الدعاية: رجال الشرطة يموتون دفاعا عنا في معركتهم ضد الارهاب وكل من يترصد أخطاءهم متآمر هدفه اسقاط الدولة حتى نكون مثل سوريا والعراق لكن مصر لن تسقط ولن تركع

4 – الحقيقة: المذبحة البشعة التى حدثت في الكنيسة البطرسية سببها تقصير أمني واضح

الدعاية : ليس من الوطنية الحديث عن أي تقصير أمنى حرصا على معنويات رجال الشرطة وهم يحاربون الارهاب.

عزيزي القاريء.. حاول ان تواجه زملاءك أو جيرانك بالحقائق السابقة سيرد عليك معظم الناس بالدعاية التي تم غرسها في اذهانهم لأنهم يصدقون الاعلام أو لأنهم  يشعرون بالراحة اذا فكروا مثل الآخرين . كل من يعيش في مصر الآن سيدهشه أن الناس أصبحوا جميعا، باستثناء أفراد نادرين، يتبنون نفس الآراء حول كل القضايا ولم يعودوا قادرين أو راغبين في رؤية حقائق واضحة كالشمس .. غسيل المخ هذا قد حدث  للناس في كل الأنظمة الاستبدادية وعادة ما يفيقون منه بواحدة من طريقتين: اما بنشر الوعي أو بكارثة تكشف لهم الحقيقة.

في عام 1967 صدق المصريون أننا سنلقي اسرائيل في البحر ونشرب الشاي في تل أبيب وفقا للدعاية التى رسخها في الأذهان الاعلام الناصري حتى أفقنا على الهزيمة.  لا نتمنى ابدا ان تحدث كارثة في مصر توقظنا على الحقيقة وبالتالي فان واجبنا أن نجتهد لكي ننشر الوعي بين الناس حتى يروا  كل شيء على حقيقته بعيدا عن دعاية النظام . واجبنا ان نرفض أكاذيب الاعلام وندافع عن الحقيقة حتى لو كان رأينا مخالفا للاغلبية .يجب أن نرفض الوقوف عندما تدوي الصفارة حتى لو وقف الآخرون جميعا.

الديمقراطية هي الحل

علاء الأسواني:..

في مقاله لـ DW عربية يحلل علاء الأسواني طريقة تفكير المصريين الآن.

مصادر: حفتر في زيارة إلى واشنطن

أهم الأخبار

ليبيا المستقبل | 2016/12/18 على الساعة 19:33

ليبيا المستقبل: وصل  “القائد العام للقوات المسلحة” التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر، اليوم السبت، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، في زيارة غير معلنة، تستغرق خمسة أيام تلبية لدعوة رسمية، وفق ما أفاد به “مصدر عسكري” ليبي وكالة سبوتنيك الروسية. ولم يفصح المصدر، الذي استندت إليه سبوتنيك، عن الملفات التي سيتم بحثها خلال الزيارة، غير أنه أشار إلى أن الزيارة تأتي بعد إشادة رسمية نادرة من الولايات المتحدة بـ”القوات المسلحة” التي يقودها حفتر، على لسان المبعوث الأمريكي إلى ليبيا، جوناثان وينر الذي أشاد في تغريدة على حسابه الشخصي بشبكة تويتر، بما وصفه بـ”التضحيات الصعبة من جنود الجيش الوطني الليبي، في القتال ضد الإرهاب”، على حد تعبيره.

 
مالك تامر | 18/12/2016 على الساعة 23:20
اي جيش ومن هم في الجيش الان؟
الإخوة في الشرق الليبي دائماً يقولون الجيش والجيش – وهم يعنون الليبين المنخرطون في الجيش الليبي من المنطقة الشرقية في ليبيا ولا يعيرون اي اهتمام او مبالاة لأعضاء الجيش الليبي في المنطقة الغربية من الذين نجوا من تحطيم الناتوا- هذا غلط وعجب وعدم أنصاف اي وطني يتكلم عن الجيش لازم ان يكون منصفا وحسب المسؤلية ولا يقصي احد
 
زيدان زايد | 18/12/2016 على الساعة 20:58
ادركت التغير في المواقف تجاه
ادركت التغير في المواقف تجاه ليبيا من يوم عدم دعوة الاسلاميين للقاء الآطراف الليبيه الآخير في مصر يبدو أن امريكا قد تخلت عن خطتها التي جاءت علي لسان هيلاري يوم قالت كانت الفكره ان ندعم الاسلاميين للوصول الي السلطه في بلدان الربيع العربي فيتحاربوا مع العلمانيين فنآتي نحن ونعدم أحدهم ضد الأخر ونعلن الوصايا علي من ينتصر فيبدو ان التسويه نحت منحي آخر غير الذي كان متوقع فقد توقعنا أن أمريكا ضد حفتر ولكن الذي اتضح أنه كان مجرد تظاهر أمريكا بتجميد التعامل مع حفتر للاستفاده من كتائب البنيان المرصوص بالقضاء داعش سرت وبعدها امريكا حره تستمر في البنيان او تتوقف عنه فالإشاده بتضحيات الجيش الذي يقوده حفتر هي أشاره لأن التعامل مستقبلاً في الشأن الليبي سيكون معه وليس مع ميليشيات البنيان التي تم التعامل معها لمقتضيات معينه وفي زمن محدود ومؤقت ربما لقرب معسكرات تلك الميليشيات من سرت
 
mustafa | 18/12/2016 على الساعة 20:52
الفرق كبير
الفرق كبير بين حفتر وعمر المختار عمر المختار جاهد مش يسافر من بلد الى بلد وبدون نفاق وتكبير الاشياء ليبيا ربي يستر عليها من الاخوان ومن يدعون الوطنية بالسفر متل عقيلة والسراج وحفتر وغيرهم
 
متابع | 18/12/2016 على الساعة 20:50
الجيش هو المظلة الواقية
قد يكون المسعى الأساسي لحفتر و الذي خاطر بحياته من أجله هو استعادة المؤسسة العسكرية الليبية الى أن تكون مؤسسة محترفة و قادرة على أن تسمى جيشاً وطنياً قوياً يحمي الوطن و المواطن. لكن أعداء حفتر في الداخل قبل الخارج هم من يقفون ضد هذا المشروع. المؤسف هو الآلة الاعلامية الضخمة و الأموال التي تقف وراء من يدعون الى هذا الموقف العدائي ضد حفتر و ضد الجيش الليبي. و المؤسف كذلك هو انقياد كثير من الليبيين الى هذه الدعاية الاعلامية المشبوهة ضد الجيش الليبي. الجيش هو الجيش و لا يمكن أبداً أن يكون في مستوى عصابات مليشياوية اجرامية فعلت الأفعاعيل خلال كل السنوات الماضية بعد فبراير 2011. التحرك الأخير لحفتر مع العملاق الروسي القوي هو الذي يدفع أطراف غربية منها بريطانيا و أمريكا الى متابعة هذا التواصل بين حفتر و الروس و ربما حتى الصينيين. ليس النفط فقط هو السبب الأساسي للاهتمام بالملف الليبي و إنما هناك ملفات عدة أخرى ليس هناك مجال لذكرها. الشيء الوحيد و المؤكد هو زيادة التفاف الشعب الليبي مع جيشه و شعوره العميق بأن هذا الجيش لا يمكن أبداً أن يجعل من ليبيا مساحة و قاعدة لأطماع و مصالح الدول الأخرى.
 
ابواحمد | 18/12/2016 على الساعة 20:40
مهازل الوطن
اصمختو اودانا بأن السراج حكومة وصاية والآن الأخ الكايد عافس علي رقبة البرلمان طبعا بطريقة قانونية وديمقراطية وحصل علي طبالة ضمنو لأنفسهم الاستمرار في المناصب علي حساب الوطن سواء كان القطراني وعقيلة وغيرهم وأيضا اصمختو اودانا بأن 17 فبراير تعامل مع النيتو وهاهم نفس العصابة يطبلون لحفتر انه شغل الكبار يا عليك نفاق لا مبدأ ولا طيح سعد ماهي الا مصالح شخصية حرام عليكم حلال علينا ومن رضع حليب الدكتاتورية من نشأته فلن يتخلى عنها.
 
البهلول | 18/12/2016 على الساعة 20:20
الم اقل لكم مهلا جاء ترامب
الان المشهد السياسي والعسكري في ليبيا اخاذا في التبلور بصورة اكثر وضوا وان هناك اتفاق بين الكبار على ضرورة سوية الازمة الليبية ونزع الاسلحة عن العصابات الاسلامية والارهابين بالقوة وان يم تسليح الجيش ومكينه من فرض سلطته بالقوة بعد ان فشلت كل المحاولات لراب الصدع بالطرق السلمية والدبلوماسية خاصة وان السيد ترامب يرى ان التطرف الاسلامي لابد من القضاء عليه ووفقا لمجلة التايم الامريكية ان العالم وصل الى قناة ان حل الازمة الليبية عسكري ان الجيش العربي الليبي بقيادة حفتر هو الاقدر على دحر الارهاب واعادة الامن والاستقرار الى ليبيا ومعظم الصحف الامريكية هذه الايام تتحدث عن شخصية حفترة القيادية خاصة وان حفتر تربطه علاقة صداقة قديمة مع السيد ترامب والذي صرح مؤخرا بان حفت هو الاجدر على قيادة المرحلة الانتقالية خاصة وان الاتحاد الاوروبي مستاء من ضعف السراج ومواقفه الضبابية من المليشيات المسلحة التى تحتل العاصمة نصيحتى على المليشيات المسلحة ان تسلم اسلحتها قبل ان تلاحقهم الطائرات بدون طيار الامريكية وتغتالهم حتى ولو دخلوا في جحر ضب وهذه الطائرات تتواجد الان وبكميات كبيرة في تونس .
 
زيدان زايد | 18/12/2016 على الساعة 20:05
أن يشهد لك عدو خير لك
أن يشهد لك عدو واحد خيراً لك من أن يشهد لك ألف صديق فأن تكللت شهادة الأمريكان لك ونجحت يا حفتر في القضاء علي الأرهاب وتوحيد ليبيا تحت رايه واحد يكون ذلك أنجار القرن وتكون قبائل برقه من حرابي وجبارنه ومرابطين قد كسبت الرهان يوم راهنت علي حفتر كرجل المرحله الذي يجب الاصطفاف وراءه كاصطفاف الأجداد وراء عمر المختار فمجد ليبيا كما أخبرنا التاريخ يولد دائماً كفكره في الشرق الليبي ومن ثم يجد صدي له وقبول به من كل الليبيين فيدعمه الغرب الليبي ويأزره الجنوب الليبي فيكتمل المجد الليبي بسواعد كل الليبيين أكتمال البدر في سماءه فلابد من ليبيا وان طال النضال هذه الكلمه تركها لنا الشهيد عبدالسلام المسماري كما ترك لنا الملك الصالح أدريس قوله بأن الحفاظ علي الأستقلال أصعب من نيله
 
تقّـــاز | 18/12/2016 على الساعة 20:04
لا ضَيْر
في حالة أن يكون السيد/ حفتر، حاملا لجواز سفر أو حاصلاً لجنسية الولايات المتحدة الأمريكية، كما يُتداول على نطاق واسع، فإِنَّ سفره إلى تلك البلاد، لا يوصف بأنه “زيارة الى” بل يمكن وصفه بأنه “ذاهبٌ ” اليها، أو حتى ربما عائد أو قادمٌ اليها ،حسب الأحوال، حيث أنه يعتبر مواطنا فيها ، شأنه شأن الكثيرين من الناس، مِمَّن أعرف وكذلك مِمَّن لا أعرف مِن غيرهم، مَنْ له اثنتين وثلاثة وكذلك أربعة جنسيات مختلفة، ويعامل بموجبها، على أساس كونه مواطناً في كل واحدة من تلك البلدان التي يحمل جنسياتها، فلا ضَيْرٌ ولعله خيرٌ، بمشيئة الله تعالى. والسلام

عن زمن الحسرة

فهمي هويدي Headshot
 

صحيح أننا فى زمن «الحسرة»؟ ــ السؤال لى والتشخيص لغيرى والخلفية تستحق أن تروى. ذلك أننا كنا مجموعة من الباحثين والأكاديميين قدموا من سبعة أقطار عربية استجابة لدعوة مركز دراسات الوحدة العربية لمؤتمر فى تونس. وما أن التأم جمعنا ذات مساء حتى انفتح الباب واسعا لمناقشة أوضاع العالم العربى وأخباره المثيرة التى باتت مخضبة بالدماء. فقال واحد إننا كنا نحلم قبل ثلاثة أو أربعة عقود بتحرير الأمة بعد تحرير الأوطان من المستعمرين والغزاة، إلا أنه لم يخطر على بال أحد أننا سوف نستدعى المستعمرين السابقين لنحتمى بهم.

ثم وجدنا أنظمة «وطنية» تحارب شعوبها، بل أصبحنا نقرأ فى الصحف أن ثمة معارك لتحرير أحياء المدن وبعض القرى والنواحى. وكما حدث فى اللوثة اللبنانية التى احتدم الصراع فيها بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية، فإننا وجدنا النموذج مكررا فى حلب والموصل وتعز وبغداد ذاتها. وهو ما نقل الحوار إلى مستوى آخر، حين قال أحد الجالسين إن الحالة الفلسطينية لا مثيل لها ذلك أنه بعد كارثة القطيعة بين الضفة الغربية والقطاع، فإن نشطاء الضفة أصبحوا يلاحقوق من جانب أجهزة السلطة الفلسطينية ومن الإسرائيليين فى الوقت نفسه، حتى أصبحت القيادة «الوطنية» تتباهى بقمع وإجهاض المقاومة التى تستهدف العدو الإسرائيلى.

قال آخر إن القمع صار عنوانا عريضا لما جرى فى العالم العربى من أقصاه إلى أقصاه، حتى أن البعض فى الجزائر صاروا يتحسرون على زمن الاحتلال الفرنسى. فعقب ثالث قائلا إن هؤلاء لهم أقران كثر فى ليبيا، إذ رغم بؤس الأوضاع التى فرضها معمر القذافى، فإن الناس حين عانوا مما هو أشد بؤسا بعد الثورة، فإنهم أصبحوا يتحسرون على أيامه، حينئذ انبرى رابع قائلا إن الحاصل فى العراق لا مثيل له. لأن حنين كثيرين إلى زمن صدام حسين مشهود فى قطاعات عريضة، خصوصا بين أهل السنة الذين عانوا من ظلمه لكنهم صاروا يتامى فى غيابه.

بعدما تكررت الملاحظات عن الأوضاع فى اليمن والسودان وعن حنين البعض فى مصر إلى عصر مبارك سألنى أحد الجالسين: هل حدث فى التاريخ المصرى أن صدر حكم بحبس نقيب الصحفيين أو تم اقتحام الشرطة للنقابة، وحين أجبت بالنفى انبرى الأكاديمى الجزائرى المخضرم قائلا إننا فيما يبدو نعيش زمن الحسرة على ما فات، لأن ظاهرة الحنين إلى الماضى على سوئه باتت ظاهرة يتعذر تجاهلها فى أغلب الأقطار العربية، وربما كانت تونس استثناء فى المشهد العربى.

كان لدى تحفظ أساسى على هذه المقولة، يتلخص فى أن ذلك حكم متعجل لأنه لم تمض على هبوب رياح التغيير فى العالم العربى سوى خمس سنوات فقط، وتلك فترة قصيرة للغاية فى أعمار الشعوب خصوصا حين يتعلق الأمر بمراحل التحول التاريخى. فضلا عن أن تلك السوءات التى يشار إليها ظهرت فى الأقطار التى تعثر فيها الربيع العربى، ونجحت قوى الثورة المضادة فى صد موجاته. وهو ما فجر صراعات شرسة لاتزال مستمرة فى تلك الأقطار، ولابد أن نلاحظ فى هذا الصدد أن استنفار قوى الثورة المضادة لم يكن على المستوى القطرى فقط، لأن احتشادها كان على مستوى الإقليم، حيث عبأت أطراف عدة كل ما تملك من عناصر القوة والبطش لكى تجهض عملية التغيير، ليس دفاعا عن الأنظمة الاستبدادية «الشقيقة» فحسب وإنما دفاعا عن نفسها أيضا.

لم اختلف حول وجود الحسرة المذكورة بدرجات متفاوتة، ولكننى اعتبرت أنها تعبير عن اختيارين ما هو تعيس وما هو أتعس، فى حين أن حلمنا كان ولايزال يتطلع إلى الأفضل وليس إلى أى من الخيارين البائسين.

كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى

13 04/12/2016