خيانة «السيسي» الظاهرة.. ودعوة الاستيقاظ الأخيرة للسعودية

أبرز ما أنتجته الثورات المضادّة للسعودية هو قائد الانقلاب المصري «عبد الفتاح السيسي»

 

أعطت السيناريوهات المتغيّرة بسرعة في الشرق الأوسط منعطفًا جديدًا للجيوسياسية الإقليمية، حيث أصبحت التباديل والتوافيق القديمة بالفعل قد عفا عليها الزمن وتنشأ الآن عوامل جديدة على رقعة الشطرنج الإقليمية.

وفي السيناريو الحالي، تعلق المملكة العربية السعودية في الغالب في ورطة كبيرة نتيجة سياساتها البالية وقصيرة النظر برعايتها للثورات المضادّة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأبرز ما أنتجته الثورات المضادّة للسعودية، هو قائد الانقلاب المصري «عبد الفتاح السيسي»، الذي ساعدته المملكة برحابة صدر في الوصول إلى السلطة، والذي لم يطبّع العلاقات فقط مع القوّات المعادية للسعودية، لكنّه الآن أيضًا يتحدّى علنًا السياسات الإقليمية للمملكة. وآخر ذلك ما تمّ من اعتراض مصر على قاعدة عسكرية مقترحة للسعودية في دولة جيبوتي الصغيرة الواقعة على البحر الأحمر.

انقلاب الديكتاتور

وقد بدأ الديكتاتور الوحشي الذي رعته السعودية في القاهرة يصبح مؤرّقًا لها. فـ«السيسي» لا يدعم فقط صراحةً السفاح السوري «بشار الأسد»، بل إنّه يغازل الآن إيران، عدو السعودية الإقليمي. وصوّتت مصر في 8 أكتوبر/تشرين الأول لدعم القرار الروسي بمجلس الأمن بشأن حلب، الأمر الذي كان بمثابة الجرح غير المسبوق بين مصر وماكينة النقود السعودية.

وجدير بالذكر أن نقول بأنّ مصر لم تقم علاقات دبلوماسية مع إيران على مدى ثلاثة عقود ماضية. بل إنّ السعودية وعصبتها قد عبّرت عن عدم ارتياحها لزيارة الرئيس المصري المنتخب «محمد مرسي» إلى طهران في قمّة دول عدم الانحياز عام 2013.

وتحت أعين الحكام السعوديين الضعفاء، عدّلت الولايات المتّحدة سياستها سريعًا تجاه إيران، وتحوّل التفاهم غير العلني بينهما في غزو أفغانستان والعراق، إلى تفاهمٍ علني الآن. وفي ظل إدارة «أوباما» في الولايات المتّحدة ونظام آية الله في طهران، كانت البلدان على نفس الجانب بشأن الخطط الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط، والآن ألقت السعودية بكل آمالها على إدارة «ترامب» لمعالجة ذلك دون استباق ذلك بأي خطواتٍ من تلقاء نفسها.

واعتمد الروس على الشيعة في المنطقة كشركاء جدد لتحقيق عمق استراتيجي. وأصبحت مخطّطات الهيمنة الإمبريالية الإيرانية أكثر طموحًا. وجعل السياسيون ورجال الدين في إيران الأمور أسوأ بتفاخرهم بالسيطرة على 4 عواصم عربية. وفي إطار خيانة «السيسي» الظاهرة لدعم السعودية المالي والدبلوماسي السخي، زار مؤخّرًا وزير البترول المصري «طارق الملا» طهران من أجل التباحث حول استيراد النفط، بعد أن علّقت السعودية شحنات من النفط كانت تحصل عليها مصر بتسهيلات في الدفع. وفي سبتمبر/أيلول، تقابل وزير الخارجية المصري «سامح شكري»، للمرة الأولى، مع نظيره الإيراني «جواد ظريف»، على هامش زيارتهما إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتّحدة.

ومن المثير للاهتمام، أنّ نفس المسؤولين بدءًا من «آية الله خامنئي» إلى إدارته قد ذهبوا إلى حدّ وصف انتصار جماعة الإخوان المسلمين بـ «الصحوة الإسلامية» في مصر وأماكن أخرى. وبتحوّلٍ سريع، انتهزت إيران الفرصة واستغلّت الانقلاب المدعوم من السعودية في القاهرة بشكلٍ كامل في تعزيز مصالحها. واستغلّت ذلك في تعزيز موقعها في العالم العربي، وتغازل الآن نفس الديكتاتور الذي أطاح بزعيم «الصحوة الإسلامية» في مصر.

ولم يكتف «السيسي» برفض الجهود المدعومة من السعودية للإطاحة بنظام «بشّار الأسد»، في حين تواصل مع الرئيس اليمني السابق «علي عبد الله صالح» وحلفائه الحوثين، الذين استولوا على صنعاء في انقلاب عسكري على الحكومة الدعومة من السعودية في اليمن. لكنّ «السيسي» أيضًا قد فتح قنوات تواصل دبلوماسية مع حزب الله اللبناني، المسؤول عن العديد من المجازر في سوريا.

لم تتوقّع العقول السعودية أنّ الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي والإسرائيليين راغبين في ديكتاتور لا يرحم في مصر، والذي أخرج مصر خارج إطار دورها الإقليمي الريادي، لاسيما في القضية الفلسطينية واللغز السوري، حيث اتّبع «السيسي» تعليمات واشنطن وبروكسل وتل أبيب بإخلاص.

الرؤية القاصرة

ولم تتسبب الرؤية القاصرة للسعودية في تراجع مصر فقط، بل تسبّبت أيضًا في تصاعد الفوضى والمجازر في سوريا. وبعد وقت قصير من تدبير الانقلاب، حوّل السيسي سياسة مرسي في دعم الثورة الروسية تمامًا، وقدم دعمًا كاملًا للنظام السوري وزميل الاستبداد بشّار الأسد. وإذا كانت السعودية تتحمّل بشكلٍ مباشر المجازر في رابعة والنهضة، فإنّها مسؤولة بشكلٍ غير مباشر عن المذابح التي طال أمدها في سوريا.

وبوضع كل ذلك في الاعتبار، على السعودية أن تتحرك سريعًا لمعالجة أخطائها لتتمكّن من البقاء على الخريطة الجيوسياسية الإقليمية. فالسعودية لم تعد في موقف قوي للعب دور كبير في العديد من الأزمات الإقليمية في سوريا والعراق وليبيا ولبنان، وعملياتها في اليمن تتجه فعليًا نحو طريقٍ مسدود. ووصلت اليمن الآن إلى وضع الجمود بسبب سوء التخطيط والتنفيذ السعودي.

ولا يملك السعوديون خيارات واسعة غير المسارعة في تقويم سياستهم الإقليمية، والتخلّي عن وجهة النظر المضادّة للثورات في سياستهم الخارجية. وسيقود تصحيح المسار السعودي دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى لتحويل سياستها الخارجية، والتي مثّلت كارثة منذ بدأ الربيع العربي عام 2011.

اعتادت السعودية في وقتٍ ما لعب دور الوسيط في الأزمات الإقليمية. لكن لا أحد يسأل حتّى عن الوساطة في المنطقة الآن. ويتعيّن على حكّام السعودية حاليًا تفهّم حدود القوى الناعمة. فعليكم في نهاية المطاف استخدام كل بطاقاتكم الذكية، بما في ذلك القوّة العسكرية الصارمة.

ولم يؤثّر دعمهم المالي الهائل للنظام القاتل في مصر سلبًا على الحياة الاجتماعية والسياسية فقط، بل كان له بالغ الأثر السلبي على سوريا وليبيا. وأصبحت مصر دولة متهالكة منذ انقلاب «السيسي». وإذا لم ينجح انقلاب يوليو/تموز عام 2013 في مصر، لم يكن الوضع في سوريا وليبيا ليكون على ما هو عليه الآن. وعلى السعودية أن تدرك أنّها بتدبيرها للانقلاب في مصر، فإنّها لم تعق فقط أكبر دولة عربية في العالم، بل أعاقت الملايين من العرب حول العالم.

وقد تجاهلت السعودية كثيرًا النداءات التركية بعدم دعم الانقلاب في مصر، وأصرّت بدعمها هذا على القضاء على الديمقراطية الوليدة في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان. وعلى السعودية الآن الخروج من هذا النفق وتصحيح المسار الذي أفسدته بسياستها تجاه مصر.

لكن من الصعب على السعودية أن تعود أدراجها إلى ما قبل 2013، عندما نصّبت «السيسي» في السلطة في القاهرة. ويمكن للسعودية تجميد مساعداتها للنظام العسكري الفاسد للسيسي، ويمكنها أيضًا دعم الجنرالات المناهضين للسيسي داخل المجلس العسكري، لكن استبدال جنرال وحشي بجنرال آخر لن يجلب الاستقرار إلى مصر، وكذلك لن يعيد المياه الراكدة للعلاقة بين السعودية ومصر.

والحل الوحيد للتخلّص من لعنة الديكتاتور «السيسي»، هو أن يعيدوا منح المصريين الديمقراطية والكرامة التي قاتلوا من أجلها وبذلوا لأجلها الدماء. وفقط عندما تحلّ مشكلة مصر، فإنّ معظم المشاكل الإقليمية الأخرى ستحلّ تباعًا على المدى القصير والمتوسط.

المصدر | ديلي صباح
Advertisements