العرب الرّوس والبروباغندا

يعود تاريخ الهجرة الفعلية للعرب إلى روسيا وتكوّن جاليات عربية ضخمة في هذا البلد إلى سنوات الستينات والسبعينات، عندما تمّ ابتعاث أكثر من 45 ألف طالب عربي،  من أجلّ الدراسة واكتساب الخبرة التقنية والمهنية والعسكرية، واستمر الأمر إلى نهاية الثمانينات، حيث خفّت موجات الهجرة إلى روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار الوضع الاقتصادي في هذا البلد، وتفشي الجريمة والعنصرية وعصابات المافيا، مع هذا التغيّر ظهر على الساحة الروسية فئتان من العرب الروس، فئة عادت إلى العالم العربي، وفئة استقرّت في روسيا.

الجالية العربية في عهد بوتين:

ومع ارتفاع النّفط وتحسّن المعيشة في روسيا، وانتهاج فريق بوتين نهجا واضحا يستهدف استرجاع ما يقول الرّوس أنّه مجدهم الضّائع، عاد العرب الرّوس إلى دائرة الضوء والنّشاط الإعلامي، والتدوين عبر الانترنت، والمقصود بالعرب الرّوس تلك الفئة العربية المهاجرة التي تعمل ضمن القنوات والمواقع الإعلامية الروسية، والمعرّبة، أو التي تعمل على مستوى المراكز البحثية والأكاديمية، ولا نقصد بالحديث جميع العرب الذين يعيشون في روسيا، فكيف تم ترويس هذه الفئة؟ ولصالح أيّ مشروع تعمل؟

روسيا أوّلا وقبل كل شيء:

أمّا القسم الأوّل من العرب الروس، فهم  المبتعثون إلى روسيا في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العشرين، والذين رفضوا العودة إلى العالم العربي بعد انتهاء دراساتهم؛ لأسباب تتلخص في كون أغلبهم تزوّج من روسيات رافضات للعيش ضمن مجتمع مسلم أو تقاليد إسلامية، كما أنّ حصول الكثير منهم على الإقامة، والسكن الذي توفر لهم بفضل حصولهم على الحق في الإقامة الدائمة، وحصولهم على معونات هامّة من الدولة مثل منح الأطفال، وحصولهم على وظائف ضمن الدوائر الإعلامية والثقافية والاجتماعية الحكومية، واندماجهم شبه التّام في المجتمع الروسي وعاداته،  أسباب جعلتهم يقررون البقاء في حضن الفدرالية الروسية، والعيش فيها والعمل لأجلها، ورغم فشلهم في تكوين كيان عربي خاصّ بهم، وعدم نجاح أي تجربة لهم على مستوى الجاليات، إلّا أنّ أهمّ ما يلفت النّاظر في أحوالهم أنّهم يعشقون روسيا ويمجدونها، ويروجون لأيديولوجيتها، وينافحون عنها بشراسة في مجالسهم ومقالاتهم، وقد أثبتوا ولاءهم التّام لها في كل المواقف التي اتخذها الكرملين، خاصّة في حرب العراق والحرب ضد جورجيا واحتلال جزيرة القرم وشن الحرب على شرق أوكرانيا، ومع بداية  التدخل الروسي في الثورة السورية، رجعت أصواتهم النّشاز للظهور في القنوات وفي الصحف، تمجد رئيس روسيا الحالي فلاديمير بوتين، وتصفه بأفخم الألقاب والأوصاف، وتروج لمقولة : روسيا صديقة العرب وعدوّة الغرب، ورأس الحربة في محور الممانعة والمقاومة، والمطلّع على المقالات التي تنشرها عشرات المواقع الروسية المعرّبة مثل موقع سبوتنيك وروسيا اليوم، يجد مقالاتهم تنتصر لروسيا أكثر من الرّوس، وقد ظهر عداؤهم الشّديد للثورات العربية التي رفضها الكرملين من أوّل يوم، فهم على سبيل المثال عند تناولهم الوضع في سوريا، فإنّهم يقفون ضد الثورة باسم محاربة التطرّف والانتصار للشرعيّة، وفي اليمن يعملون بجد لتشويه ما يعرف إعلاميا بقوات الشرعية والتحالف العربي لنصرة الشرعية، ووصمه بأبشع الأوصاف، وينشرون ما يسمونها انتصارات الجيش اليمني الذي يقوده الحوثيون والمخلوع علي عبد الله صالح، ويحتفون بمقتل الجنود العرب هناك، كما دعموا بقوة الحراك الجنوبي الانفصالي قبل الثورة اليمنية، وكان السّفير الروسي من أكثر المسؤولين الأجانب تأييدا لهذا الحراك، هذه الفئة ترفع شعار: “مع روسيا ظالمة ومظلومة” فعلى سبيل المثال بعد الثورة الأوكرانية التي رأتها موسكو مهددة لوجودها، ركبت هذه الفئة موجة التشويه المكثف والموجّه ضد الأوكران؛ ووصفهم بالانقلابيين وعملاء للغرب، ولم يعترفوا حتى بالانتخابات التي خرج فيها ملايين الأوكران لاختيار رئيسهم، ويرددون أطروحات روسية ضدها، ويمارسون نفس الكذب والبروباغندا التي تروج لها السلطات الروسية.

الإعلام العربي الروسي وأهدافه:

هذه الفئة تعتبرها روسيا رأس الحرب في نشر الدعاية الروسية داخل العالم العربي، وقد سخّرت لها روسيا أموالا طائلة، وآلات إعلامية ضخمة، يتابعها الملايين من العرب بإعجاب وانبهار، وتعمل هذه الآلة الإعلامية على نشر مفاهيم معيّنة تخدم الأهداف الروسية الرامية إلى استرجاع “مجدها المفقود” على حساب المسلمين، كما تعمل على ضرب حقائق ثابتة، ورسم صورة نمطية مزيفة عن روسيا في الوعي الجمعي للجيل الحالي، فهي تسوّق لروسيا الصديقة، وروسيا المحبة للمسلمين، والتي تبني لهم المساجد وتساعدهم بالأسلحة ضد أمريكا، كما تعمل على التركيز على الإسلام السّني الصحيح، وقد وجدت في أحداث الربيع العربي مطيّة لتوجيه السّهام إلى ما تسميه الإسلام السياسي، ووصمه بالتطرف والإرهاب، ووجوب محاربته و تجفيف منابعه، ويزداد خطر هذه الأبواق بسبب تجاهل النخب العربية لهذه الآلة الدعائية الضخمة، خاصّة مع انشغال الداخل العربي والإسلامي بالمشاكل الداخلية والصدام مع المشروع الأمريكي والإيراني والصهيوني بالمنطقة، ما يجعل إمكانية ظهور كتلة مسلمة محتضنة للمشروع الرّوسي غير مستبعد، والذي يتصفح مواقعهم يفاجأ بحجم التفاعل العربي مع البروباغندا الروسية، خاصّة أنّ الكثير من المسلمين لا يملكون تصوّرا صحيحا عن حقيقة روسيا، بسبب جهلهم بتاريخها الدّموي مع المسلمين، بل إنّ أبرز ما يتصوره المواطن العربي عنها أنّها بلاد الحسناوات، وبلاد الفودكا والبلطجة؛ ولهذا ينبغي الالتفات إلى السّموم التي تطرحها هذه الفئة التي ترفع شعار روسيا قبل كل شيء، من ترويج لأطروحات المستشرقين و إعادة إحيائها، ونشر الإلحاد في العالم الإسلامي، وتسخير جهود جبّارة لنشره بين أبناء الأمّة الإسلامية.

المبتعثون من  العرب الرّوس يعودون:

أمّا القسم الثاني من العرب الرّوس فهي الفئة التي عادت إلى العالم العربي بعد أنّ أنهت دراساتها، وهم الذين أرسلوا للدراسة في الاتحاد السوفييتي في القرن الماضي،  وقد عاش هؤلاء سنوات طويلة في أرض الشيوعية والإلحاد، وتشبّعوا بمبادئها المصادمة للإسلام وحضارته، وقد أشرف على ملف المبتعثين العرب المخابرات الروسية بالتعاون مع المخابرات العربية، وساهم الجهازان في تخريج الكثير منهم ضمن دفعات خاصّة همّها الأوّل والأخير فصل الأمة عن ماضيها وهويّتها، غير أنّه وبانهيار الاتحاد السوفيتي قلّت الأضواء الموجهة إلى هذه الفئة، حتّى ظنّ الكثيرون أنّ فكرهم الذي عُجن في مخابر الرّوسنة قد زال.فهل هذا الظنّ في محله؟

هل اختفت الأقلام الشيوعية من العالم العربي؟

يعتقد الكثيرون أنّ زوال الاتحاد السوفياتي أدّى بالضرورة إلى تغيّر فكر الكثير من العرب المبتعثين إلى روسيا والذين يؤمنون بالفكر الشيوعي، وهو ما تكذبه الوقائع والحقائق، فالذي حدث هو أنّ المد الليبرالي اكتسح السّاحة، غير أنّه لم يلغي هذه الفئة من الوجود، وأكبر دليل على هذا الكلام عودة هؤلاء إلى مسرح الكتابة الصحفية والتدوين، مع ظهور الروس مرة أخرى على مسرح الأحداث العالمية، من جورجيا مرورا بأوكرانيا وصولا إلى سوريا،  وهو الظهور الذي بثّ الرّوح فيهم، وأعاد إليهم نشاطهم، غير أنّ كتاباتهم هذه المرّة تتسم بالمخاتلة، فهم يكتبون انطلاقا مما يدعونه مناكفة الشرّ الأمريكي، والوقوف مع روسيا الممانعة والأخلاق بوجه الإباحية الغربية- خاصّة مع تبني الغرب زواج المثليين- رغم أن روسيا وخاصّة مدنها الكبرى تعج بالفساد الأخلاقي والخيانات الزوجية أكثر من أي دولة أخرى، فهي الدّولة التي تضم أكبر عدد من الأغنياء في العالم، والأكثر تناولا للخمر بين سكّان الأرض، كما يتخذون من شعار محاربة الأحادية القطبية منطلقا لكتاباتهم وجذب الجيل الجديد من الشباب العربي نحو اعتناق مبادئ موسكو، إلّا أنّهم  قبل هذا التدخل الروسي في الأمّة الإسلامية، كانوا يتخذون التقية الصحفية عند الكتابة عن الإسلام وسيلة لتجنب غضب المسلمين، فهم كما يكتبون يحترمون  ” النبي المجيد” و لا يعترفون  بالإسلام كنظام حياة وحضارة، إلا أنّ المتابع لكتاباتهم منذ ظهور الثورة السّورية خاصة، وتسليط روسيا والغرب الضّوء على أفعال تنظيم الدولة في سوريا، عادوا إلى الطعن في الإسلام، ومهاجمة القرآن والسنّة، خاصّة أنّهم تشبّعوا بفكر المستشرقين الروس، ولذلك فإنّ  الاعتقاد بزوال أقلام أبناء روسيا الشيوعية والإلحاد من بني جلدتنا ما هو سوى ثغرة خطيرة ، وجب سدها وإعطاؤها حقها من الكتابة والمواجهة، حتى لا يتسلل منها الروس وأذنابهم إلى العالم العربي والإسلامي.

وتجدر الإشارة إلى نقطة هامّة وهي أنّ الأحزاب الشيوعية العربية الناشطة آنذاك، استغلّت فرص الابتعاث الرسمي إلى الاتحاد السوفياتي، وأرسلت خيرة كوادرها للدراسة والتكوين في روسيا، بالتنسيق مع الأجهزة الرسمية العربية والرّوسيّة، وحرص الروس على أن يندمج المبتعثون المصنفون ضمن دائرة “مبتعث خاص” في الحياة المنحلة، حتّى أصبح الكثير منهم أسوأ من الرّوس أخلاقيا، وبقي الكثير منهم على هذا الحال حتى بعد رجوعهم إلى الدول العربية وتبوئهم مناصب وزارية هامّة وتمكنهم من مراكز عسكرية سامية في الدّول العربية، وساهموا في إفساد الحياة ومحاربة الإسلام وتقتيل الشعوب، وهي النقطة التي يغفل الكثير من متتبعي الشأن المحلي عن التركيز عليها لفهم خلفية هؤلاء الواقفين خلف تلك الجيوش العربية التي تخرج ضباطها من الاتحاد السوفياتي، والتي ارتكبت مجازر مروّعة في حق شعوبها مثلما حدث في سوريا، دون التقليل من المجازر الثقافية والتربوية في حق أجيال من المسلمين.

العرب الروس ليسوا أقل خطرا من التغريبيين:

إنّ الحديث عن العرب الروس، الذين تمّ ترويسهم، لا يقلّ أهميّة عن التغريبيين العائدين من الغرب، فالهدف المشترك بينهما واحد، السيطرة على خيرات العالم العربي وإقصاء الإسلام، وضرب المسلمين في عقيدتهم ومسخ هويّتهم؛ لأجل ذلك حقّ على الغيورين من أبناء الأمة الإسلامية، الالتفات إلى روسيا ووكلائها؛ خاصة وأنها قد التفت إلى العالم العربي لكن بأنياب تقطر دما وقلب مليء حقدا وغلا، ولن تدخر جهدا في حربها على المسلمين والسيطرة على خيراتهم، بعد أن عبّرت الكنيسة الأرثوذكسية عن رأيها في الحرب على المسلمين السّنة من أنّها حربا دينية مقدسة، وها هي الآن بعد أن احتلت سوريا، تستعد لفعل ذلك في ليبيا.

د. محمد الأمين مقراوي الوغليسي

Advertisements