لن ننسى

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يقفون‏‏‏

 

في كل مرة يقترب الليبيين من محطة للتفاهم ، يأتي الرد الامارتي بقلب الموازين . فشلت كل الوفاقات والحوارات . لا لشيء إلا ان العباءة لم تفصل كما ينبغي على هوى دولة الامارات . ولعل اخر ما فاض به الكيل ، ما ان استشعرت تحقيق المبادرة الجزائرية التونسية لنوعا من القبول ولملمة الشتات ، ومساع لاستقطاب مصر نحو تأييدها . سارعت الامارات لعرض مبادرة عاجلة بمباركة روسية تهدف لإجهاض المبادرة الجزائرية ، وان كانت لا تحوي سوى نقطة الانطلاق ، المتمثلة في عقد اجتماع بين كل من رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح ، ورئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ، واللواء المتقاعد خليفة حفتر ، وعلى الفور اعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مباركته للمبادرة ، من على منبر ( منتدى التعاون الروسي العربي ) المنعقد في أبوظبي . واصفا ” السراج وحفتر وصالح ، بالـشخصيات المحورية على ساحة الأحداث الليبية”. . وكأنها تستعير قصة البقرة في محادثات السلام بين المسلمين والهندوس ، فقد درجت بريطانيا على قتل بقرة ورميها على قارعة الطريق لاغاضة الهندوس كلما استشعرت ان المحادثات بينهما تحقق تقدما .

لماذا تسعى الامارات الى عرقلة اية جهود تصب في حلحلة الازمة الليبية ؟ ولماذا انقلب الموقف الاماراتي نحو مناهضة ربيع الحريات بعدما كانت اول الدول الراعية للاجتماعات الدولية الاولية لدعم الثورة الليبية ؟

سبق للامارات ان انزعجت من تقدم التيار الاسلامي عبر صناديق الانتخابات في مصر ، وصارت تخشى تمدد موجات الربيع شرقا ، واقنعت السعودية للانضمام اليها في الركب ، وانهالت الاموال على المؤسسة العسكرية المصرية بعدما تمكنت مخابرات الدول من استقطابها ، والدفع بها الى اغتصاب السلطة في مصر على نهج انقلاب العسكر 1952 . الذي عد الخنجر الدامي في ظهر الامة ، وقد تبنى تصدير فكرة خروج العسكر من ثكناتهم واغتصاب السلطة ، حتى صار الامر اشبه بالمشروع اخلاقيا وسياسيا . ولم يقتصر الامر على دول عربية ، كالعراق ، واليمن ، وليبيا ، وتونس ، وسوريا ، بل وشمل النهج دول افريقية عرفت استقرار سياسي لزمن . وهي ذات الدول في مجموعها التي تعاني اليوم ازمات التخلف الاقتصادي ، وفقدان الاستقرار ، والحروب الاهلية .

وبالمثل في ليبيا ، بدأت التدابير باستحداث الة اعلامية ضخمة تروج لما سمي ” الكرامة ” والتعويل على استعادة حكم العسكر لقطع الطريق امام التيارات ذات المرجعية الاسلامية ، ولم تألو جهدا في استقطاب المبعوث الأممي السابق للسلام في ليبيا ليوناردينو ليون ، والذي سرب تصريح يقول فيه : ” انا أعمل وفق خطة استراتيجية لـنزع الشرعية تمامًا عن المؤتمر الوطني العام ” . وتبين فيما بعد انه كان يتقاضى مرتب شهري من الامارات بقيمة (53 ألف دولار)، وكللت جهوده بتكليفه شغل منصب مدير عام ” أكاديمية الإمارات الدبلوماسية ” بعد انتهاء مهمته .

بدأت المهمة بلملمة شتات الجيش المبعثر حينها ، وضخ الاموال بالمليارات لشراء الذمم ، وتهيئة الرأي العام للتجاوب مع لفكرة ، وتزوير الانتخابات ، وغرفة عمليات بالقاهرة يشرف عليها محمد دحلان مستشار محمد بن زايد ، وجرابيع سبتمبر الفارين بالمليارات . وصار رئيس مجلس النواب المختطف في قرية حدودية ينسق مع مصر السيسي الحليف ، ويتجول عبر العالم بطائرة خاصة ، وامتيازات للنواب بلا حصر ، ولأبنائهم ، ولضباط الجيش ، ومرتبات مغرية للمجندين ، بالإضافة الى تجنيد المرتزقة من بقايا حركة خليل ابراهيم التي مزقت دار فور بأمر القذافي بالامس ، وقاتلت ثوار 17 فبرار الى جانبه ، حليفا اول لعملية ” الكرامة ” ، ولفيف اخر من المرتزقة الافارقة .

لم تبخل الإمارات بتزويد حفتر بالسلاح رغم الحظر الدولي المفروض على توريد السلاح إلى ليبيا ، بل وصار لها قاعدة جوية بمطار “الكاظم ” قرب مدينة ” المرج ” . وقد افصحت الولايات المتحدة الأمريكية ، عبر تصريحات رسمية ، العام الماضي عن أن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على ليبيا. . وبالطبع لا زالت .

لقد بات الدور الاماراتي اشبه بصيد عصفورين بحجر واحد ، والهدف لا يقتصر على الخشية من بلوغ التيارات الاسلامية سدة السلطة ، بل – ولعله الهدف الاول – التحكم في انسياب النفط الى الاسواق ، بالتزامن مع تدني اسعاره ، ففي إحلال الفوضى عرقلة ، وفي السيطرة على الحقول النفطية ضمانة لإخماد الهاجس . واتضح فيما بعد مع تمكن قوات الكرامة من السيطرة على الحقول ، ان اصبحت مبيعات النفط تودع بحساب مصرفي في دبي لمؤسسة النفط الحكومية الجديدة التابعة لحكومة شرق ليبيا ، باعتراف رئيس وزرائها عبدالله الثني .

” لا يزال التهور الإماراتي يسعى إلى هدم كل الجهود الدبلوماسية الدولية المبذولة ، مما يفاقم الصراع الليبي ويعمق الأزمة في هذا البلد ” .. يكتب محلل تونسي .. وتلك حقيقة بدأت منذ الانتفاضة على القذافي في رفضها لكل المبادرات التي كادت ان تلملم الجرح في بداياته ، رغم العلاقة المتينة التي ربطت ابناء زايد بأبناء القذافي في المرحلة الاخيرة ما قبل 17 فبراير ، حيث وقعت الكثير من الاتفاقات فيما بينهم حول تبادل الاستثمارات الضخمة ، وكاد ان يصبح اكبر مجمع نفطي ليبي ” راس الانوف ” امتياز اماراتي ، بالإضافة الى وعود بمنح امتيازات التنقيب والحفر وتبادل المنافع الشخصية ، ومنح رجال الاعمال الاماراتيين فرص ذهبية للاستثمار والمشاركة ، وبدأت طرابلس تشهد غرس الابراج المعمارية الشاهقة في قلبها المهترئ ، لمصلحة ابناء القذافي ، وهو ما عبر عنه وصف الكاتب الليبي محمد المفتي للمرحلة 2010 .. في مقال : ” طرابلس العاصمة تتورم ” .

الانكى – وهو ما انقدت ثورة فبرار وقوعه – ان منطقة ” الهضبة ” بطرابلس ، وهي من بين اكبر الاحياء مساحة ، ويقطنها محدودي الدخل ، وهندستها مباني ارضية محدودة المساحة . فقد عرضت شركة اماراتية شرائها وتعويض الساكنة عن منازلهم بقيم مغرية ، – وبالطبع لمروجي الصفقة وليس للساكنة سوى الفتات – ، بغية تحويلها الى منطقة ابراج . وبدأت عمليات الهدم تحت عنوان ” ازلة لغرض التطوير ” . لكنها توقفت مع انبلاج ثورة 17 فبراير .. والتي افصح عنها قبل يومين محمد بن راشد حاكم دبي في مقابلة تلفزيونية عندما قال : عرض علينا القذافي ان تصبح طرابلس مثل دبي . لكننا ما ان ارسلنا وفدنا حدثت صراعات داخل الطبقة الحاكمة عرقلة المشروع .

لقد كان انضمام الامارات لركب فبراير بداية ، بهدف رعاية تلك الاتفاقات وتفعيلها ، وعندما تبين ان تلك الاتفاقات من المستبعد احيائها ، انقلبت على عقبيها لتقتص ممن حرموها بلوغ طموح ساورها لزمن . وصار مشجب الارهاب وربطه بتقدم الاسلاميين في الانتخابات . مبررا لاستقطاب الدعم الدولي والاقليمي . وكان برلمان طبرق القشة التي قصمت ظهر البعير .

اليوم وبعد مضي اكثر من سنتين لم تحقق عملية ” الكرامة ” سوى تمزيق النسيج الاجتماعي للمنطقة الشرقية ، والخراب والدمار الذي لحق البنيان وفي بنغازي على وجه الخصوص ، وبدأ يلوح في الافق نوعا من التململ من حرب لم تأتي بما كان يتطلع له أبناء زايد ، وسيسي مصر .. ومخطط الارهاب والرعب الذي انتهجه منتسيبي الكرامة بلغ حد التطرف ، نبش القبور وحرق الجثث ، وبدأت بعض الاصوات تراجع حساباتها .

وفي المقابل فرنسا راعية المحور والداعم الاستراتيجي ، لم تعد ترى في تهور حفتر سوى نزق من خابت وعوده ، واراد ان يحرق كل شيء . كما ان استعانته بمن يتسمون ” الصحوات “، او بالاحرى المداخلة – نسبة الى فقيه سعودي يدعى ربيع المدخلي – ما اعطى لقوات حفتر اجنحة مقاتلة ذات بعدا عقائدي ، يضاف للبعد القبلي والجهوي الذي استثمره في لملمة الانصار .

ومع تغول هذا التيار الجديد ، وتسربه الى كتائب حفتر ، صار يشكل خطرا اخر يتجاوز تهور حفتر ، واستبداد ديني مقيت . وهو على ما يبدو ما استشعرته مصر والامارات ، ليكون محور لقاء بن زايد ووزير خارجية السيسي في اجتماعهم المنعقد بالقاهرة الاسبوع الماضي . لما يشكله تمدد الوهابية السلفية ” جيش العوينية ” من خطرا واضحا جدا على مستقبل النضال من اجل السلام على المدى الطويل ، ليس في ليبيا فقط ، بل ومصر بالمقدار عينه واكثر ، يضاف له خطران جرابيع سبتمبر الذي احاط حفتر نفسه بهم ، والذين لا ينظرون اليه سوى ورقة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الدور ولحظة الظفر .

ورة اخرى يخاطر رعاة المسألة الليبية بتكرار الاخطاء ذاتها التي ارتكبت في افغانستان ، والعراق ، واماكن اخرى ، من خلال تبني التيارات المتطرفة لمحاربة عدو مشترك . وهذه المرة هي القوى المؤيدة للديمقراطية في ليبيا . وبمعية انظمة شرق اوسطية استبدادية ، وقد تنتهي المخاطرة الى مجازر دموية ، ومستنقع مرتبك على غرار سوريا والصومال .

المعروف عن تعاليم المدخلي انها خادمة للتسلط والاستبداد ، ، وقف موقف المتفرج من ثورات ربيع الحريات ، والتفاني في الدود عن هرم السلطة ، تحت مظلة طاعة ولي الامر .. لا ردا للمظالم او دفعا لها . وكل ذلك تماهيا مع الموقف السعودي وسياساته . وعقيدة الوهابية ذراع محمد بن سعود لتاسيس ” جيش العوينية ” وضم ارض شبه الجزيرة العربية لسلطاته .

وثمة الدور الروسي المهندس والداعم الاستراتيجي الاول لهذا الاخطبوط ، بغية شراء مواقف من الغرب ذات علاقة باحتلاله شبه جزيرة القرم ، وهاجس توسع حلف الاطلسي شرقا . والحلم باستعادة القديم ونفوذه الاتحاد السوفيتي بالمنطقة ، والتعويض عن شراكات ومصالح افتقدتها روسيا بسقوط القذافي .

ورغم ان حفتر استشعر خطر المدخلية المتفجر بين قدميه ، فاقدم على حل ما سمى ” كتائب التوحيد ” .. لكن الامر تجاوز صلاحياته فيما يبدو . يلخص الباحث عبدالله الشريف وصفا للمشهد ودور كتائب التوحيد المدخلية : ” قاتلت بضراوة خصوصاً في بنغازي .. وهي تعد من أبرز كتائب حفتر، إذ تمتلك فروعاً لها في بنغازي وأجدابيا والبيضاء ، مقر حكومة البرلمان. وتغلغل أتباع “المداخلة” في غالبية المفاصل الحكومية ، إذ إنهم يديرون وزارة الأوقاف وفروعها في كل شرق ليبيا ، بالإضافة إلى دار الإفتاء التي وزعت طلباً على أئمة المساجد بالقنوت إلى حفتر في الصلوات ، وطلب النصر له .. وإثر تنامي الجدل حول أهداف هذا التيار ، أقدم حفتر على حل “كتائب التوحيد”، وأصدر قراراً بتوزيع الضباط والمقاتلين على وحداته العسكرية الأخرى ، لكن هذا الأمر أدى إلى انتشارهم أكثر ، وأصبحوا يسيطرون على الكتيبة 302 التابعة إلى ” الصاعقة ” ، بالإضافة إلى القوات الخاصة البحرية ، والكتيبة 210 مشاة ” .

ولعل كلمات رئيس قسم المساجد بمكتب الأوقاف بحكومة الأزمة في البيضاء المدخلي ” حمد بودويرة ” في تقييمه لمدينة شحات ، ما ينبئ بالنهج القادم لفرض المدخلية بقوة السلاح : ( مدينة شحات تعج بالعلمانيين ويكثر فيها الإلحاد ويجب تطهيرها ، ولابد من أن يعتلي السلفيون المنابر ، وسيعتلوها بالقوة لو اضطروا لذلك ، لتطهير المدينة من هذا الفكر ) . وفي تقييمه لخريجي الجامعة السنوسية : ( الجامعة السنوسية لا نعتد بها لأنها جامعة شركية ) .

المريب ما اقدم عليه المداخلة من منع تداول كتب بعينها في عصر الانترنت . وهي استجابة لمحاضرات القاها المدخلي الزائر “أسامة العتيبي”، محذرا من العلمانيين ، والصوفيين ، والإخوان ، وعلوم الفلسفة.. امتداد لفكر محمد عبدالوهاب الذي يحظر تدريس علوم الفلسفة ، وعلم الكلام ، وكتب الاولين . ولا يتورع في نعث امة لا اله إلا الله بتهم التبديع والتكفير ، وفي تجويز سفك دماء المسلمين.

ما يهم هو ان هذه الفئة متهمة بميلها الى مناصرة مشروع حفتر كجسر للعبور او القفز على السلطة في البلاد ، ما يعني ترقب حرب شوارع ، وفيما يتأمل البعض ان حفتر سيحذو حذو عبدالناصر الذي انقلب على الاخوان المسلمين بعدما خرج من عباءتهم .. يرى اخرون ان عزل او حظر حزب سياسي مغاير تماما لعزل كتائب عسكرية مجحفلة .

تلك طامة اخرى . تضاف الى رؤية بعض السياسيين في موسكو ، والشرق الاوسط ، الذين يعتقدون في ان حفتر رجل المرحلة ، وضامن للاستقرار ، وازالة أي تهديد للديمقراطية . والحقيقة . ان استشراء التيار المدخلي وحده سبب كاف لمعارضة حفتر .

Advertisements