في ضرورة رحيل الاستبداد

تحت ذرائع شتى، وبدلالة إخفاق الربيع العربي، أخذت أصواتٌ متزايدةٌ بالدعوات المستترة والمعلنة، الصريحة والمواربة، تقول بعدم جاهزية المجتمعات العربية للديمقراطية، وأن الاحتجاجات جلبت الخراب إلى البلاد التي جرت فيها انتفاضات. وأصبح استقرار القبور المسوّر بالسجون، وبقطع الألسن الذي كان سائدا في البلدان التي شهدت الانتفاضات العربية، مطلبا عند بعضهم، وأن كل ما جرى ويجري ليس سوى مؤامرة على الاستقرار الذي كانت تنعم به هذه المجتمعات. هناك أكثر من شكل للدفاع عن الواقع الذي كان قائما قبل الانتفاضات العربية، تتلاقى كلها عند تبرير الاستبداد بوصفه الخيار الأمثل لهذه البلدان وصانع استقرارها، ماذا جلبت الانتفاضات العربية سوى الدمار والفوضى إلى الدول العربية؟! يتساءل هؤلاء.
تظهر هذه الأصوات بوصفها دعوة صريحة إلى الاستبداد في القرن الحادي والعشرين من دون خجل، معتبرة الاستبداد حالةً ضرورية للمجتمعات العربية، تؤدي وظيفة أساسية في حماية المجتمعات من عيوبها وانقساماتها الداخلية. وهي لا ترى في الاستبداد واقعا مشينا ومعيبا، فقد أية وظيفة بعد أكثر من نصف قرن من الويلات التي جرّها على مجتمعاته، ونشاهد أبشع فصولها اليوم، بل هو ضرورة لهذه المجتمعات التي لا يمكن أن تعيش تحت نمط حكم آخر.
بعد الانتفاضات العربية، من المفترض أن أسئلة الاستبداد تمت الإجابة عليها، وتم الانتهاء منها، بوصف الاستبداد ينتمي إلى الماضي البائد. لكن، ليس هذا واقع الحال العربي.
هل ما زال تبرير الاستبداد ممكنا؟ وإذا ادّعى الاستبداد أنه يسعى إلى تحقيق هدف عظيم، هل ذلك يبرّره، ويغسل أقذاره وجرائمه التي لا تعد ولا تحصى، ويحوّله إلى نظام ينجز مهمةً تاريخية ضرورية؟ هل يمكن تبسيط المسألة إلى هذا الحد؟
مدخلا للنقاش، يقال هنا، مع عبد الله العروي، إن الدولة مزامنة للفرد والمجتمع. وبناء عليه،

“لأن الدولة من أدوات تنظيم المجتمع، يجب أن تعمل على خدمة مصالحه”

أي تساؤل عن الدولة هو تساؤل عن وظائفها ووسائلها. ولأن الدولة من أدوات تنظيم المجتمع، يجب أن تعمل على خدمة مصالحه بالطريقة المثلى. وبالتالي، خدمة الأفراد المكونين لهذا المجتمع، فالغايات والوسائل يجب أن تقوم على خدمة البشر. لذلك، من حق البشر أن يختاروا الطريقة الأنسب لتحقيق هذه المصالح، وعبر الآليات التي تعكس إرادتهم. على الرغم من أن هذا المطلب لم ينفذ تاريخيا إلا جزئيا، فإنه شكل عاملا ودافعا رئيسيا من أجل تقليم أظافر الدولة وتحديد طغيانها ضد مواطنيها، وجعلها تقترب من مصالح البشر، حتى وإن لم تتطابق مع ذلك، هذه آليات الدولة الديمقراطية، والتي لا تخلو من العيوب.
أما الاستبداد فهو يعمل على تدمير المجتمع والإنسان، والإنسان المصنوع تحت ضغط العنف لا يظهر إلا مدمّرا، أشلاء إنسان. فلا يمكن اعتماد الاستبداد وسيلةً لهدف عظيم، لأن إنجازه “العظيم” يكون جحيما عظيما من آلام البشر التي تتراكم خلال سنوات الحكم المستبد. وكما تقول حنة أرندت: الغاية محاطةٌ بخطر أن تتجاوزها الوسيلة التي تبرّرها، والتي لا يمكن الوصول إليها من دونها. وبما أنه من المستحيل التنبؤ، بشكل يحمل مصداقية، بالغاية المتوخاة من أي عملٍ بشريٍّ، ككيان مستقل عن وسائل تحقيقه، من الواضح أن الوسائل المستخدمة للوصول إلى غاياتٍ سياسيةٍ ترتدي، في أغلب الأحيان، أهمية بالنسبة إلى بناء عالم المستقبل، تفوق الأهمية التي ترتديها الغايات المنشودة.
يحتاج الاستبداد إلى وسائل أخرى، من أجل ترسيخه، وهذه الوسائل/ الأدوات هي توسيع أدوات القمع، الجيش، الشرطة، الأجهزة الأمنية، حتى حدها الأقصى. ولأن الدولة مصممةٌ إجمالا كآلة، كل أجهزتها منسجمة، آلة تتطابق أجهزتها ومؤسساتها مع نظام الحكم، فإنها تسعى إلى ترسيخ نموذجها، باعتباره نموذجاً مطلقاً يحمل استمرارية من خلال آلية عمله. بذلك لا يصلح أي نظام حكم، وخصوصا النظام الاستبدادي، لأن يكون نظاما يدير دولةً تهتم لمصالح البشر. فهو يقوم على آلياتٍ تعمل على الحفاظ على نفسها، وإعادة إنتاج ذاتها ثابتاً ومعطىً نهائياً، بصفته النموذج الأفضل للدولة التي تراعي مصالح الشعب الجاهل الذي لا يدرك مصالحه. يعمل النظام الاستبدادي من خلال حكم شخص واحد يفرض إرادته على الشعب القاصر، وتكون إرادته مطلقةً من دون مراقبة أو محاسبة، فالمستبد غير مجبر على تقديم أي حسابٍ لأحدٍ عما يمارسه، بل على العكس، الآخرون مجبرون على تقديم كشف حساب له، عما يقومون به من أعمال. ويتم فرض إرادة المستبد عبر أجهزة العنف، الأجهزة الأهم والأعلى مكانةً في دولة الاستبداد، فالشعب القاصر/ القطيع لا يمكن التعامل معه إلا عن طريق العصا، لسوقه إلى الطريق الصحيح، من أجل تحقيق مصالحه التي يجهلها.
الاعتقاد بأن إلغاء الحريات الفردية عبر الاستبداد يبني دولةً قوية اعتقادٌ وهمي، فالاستبداد هو الحكم الأكثر عنفا والأقل قوةً بين كل أشكال الحكم، على حد تعبير مونتسكيو، فمطالبة الفرد

“رفع المستبد إلى مرتبة التقديس يحوّله إلى غاية، ويكرّس الاستبداد حلا نهائيا”

بتقديم كل التضحيات من أجل بناء دولة مستبدة قوية مؤشر على ضعف الدولة التي تحتاج باستمرار إلى التقوية. ولنا أمثلة واضحة في تجربة الدولة العربية المعاصرة، فهي، على مدى عقود، طالبت المواطنين بضرورة تقوية الدولة، للصمود في وجه المخاطر المحدقة، لكنها، خلال هذه العقود، زادت ضعفا على ضعفٍ في مواجهة كل القضايا، وقويت في قهر مواطنيها فقط. فالاستبداد لا يعبر عن تعاظم قوة الدولة وهيبتها وقانونها، بل يعكس الضعف المتواصل للدولة، وتراجع فعاليتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بانفصالها عن المجتمع، في وقتٍ تشدّد القبضة عليه من الخارج، من خلال مصادرة واحتكار مصادر القوة لتأكيد نفسها عبر العنف. وهناك مبرّراتٌ عديدة يحاول النظام الاستبدادي التلطي وراءها، مثل المخاطر الخارجية الحقيقية، أو الوهمية التي تهدّد الدولة. وفي حال عدم وجودها، ليس من الصعب اختراع المخاطر لإدامة الاستبداد، حتى تصل إلى الادّعاء بوجود مؤامرة كونية على هذا الطغيان، عندما يقول شعبه لا للظلم، كما فعل ويفعل النظام السوري خلال سنوات الاعتراض عليه، فما كان منه سوى أن افتتح مسلخا موسعا للمواطنين في طول البلاد وعرضها.
رفع المستبد إلى مرتبة التقديس يحوّله إلى غاية، ويكرّس الاستبداد حلا نهائيا، غير قابل للجدل. هذا مطلب كارثي، ولا يمكن القبول بالفكرة الأساس للاستبداد التي تقول بـ”الوحدة بأي ثمن”، فلا يمكن القبول بوحدة ثمنها جبال من الجماجم البشرية بفضل الاستبداد الذي تحول إلى مطلب “عقلاني” عند بعض العباقرة!
لذلك كله، ولكل الجرائم المعلنة والمستترة التي ارتكبها ويرتكبها الاستبداد، عليه أن يرحل نهائيا.
قد يكون هذا حديثاً عن بديهيات. لكن، يبدو أنها ليست كذلك في عالمنا العربي.

18 فبراير 2017

Advertisements