السيسي رائد التنوير العربي

السيسي رائد التنوير العربي
حين تنهزم الظلامية في العالم العربي، سوف يسجل التاريخ للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الفضل الرئيسي في تحقيق هذا الإنجاز الفريد، الذي استغرق عدة عقود، كي يتم في فرنسا، ويمهد للثورة الفرنسية عام 1798 التي فصلت الدين عن الدولة. ولن يختلف أحد في المشرق أو المغرب على أن ما أنجزه السيسي يتجاوز تأثير فلاسفة التنوير الفرنسي الكبار، مثل ديدرو وروسو وفولتير الذين أنفقوا أعمارهم من أجل نشر الأنوار. 
زمن مقلوب، حين يقرأ المرء أن السيسي بات يكرّس وقته لتنوير المسلمين الذين توقفوا عن التطور بسبب الدين الإسلامي، وهو بذلك يعمل كي ينقل مصر من التخلف إلى ما بعد الحداثة، ولا يطمح إلى أكثر من أن يضع نفسه بين الكبار في عصره الذين يصنعون التاريخ اليوم، فلاديمير بوتين، دونالد ترامب، بنيامين نتنياهو، محمد دحلان، وربما مرشحة اليمين العنصري في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مارين لوبان، التي ترتفع أسهمها في مضمار السباق إلى كرسي الإليزيه، كلما زادت من منسوب العنصرية في خطابها.
في أحيانٍ كثيرة، يجد جيلنا العزاء في أنه عاش القسط الأول من حياته في ظل قاماتٍ عالمية وعربية عالية في السياسة والثقافة والفن، قبل أن يصل إلى هذا الزمن الرديء الذي يسوده الأقزام والمرابون واللصوص، ولا يملك المرء سوى أن يتأسّف لحال أولاده، وربما أحفاده، الذين سيعيشون وسط هذا العالم الضحل الذي تحكمه حثالاتٌ، وتتراجع فيه القيم، ويختفي فيه المعنى، ويحل الجهل والأمية والنفاق محل التقدم والعلم والنزاهة.
ربما شهدنا، في الفترة المقبلة، أسوأ بكثير مما نراه اليوم، فالسيرك المتواصل من دون انقطاع يبشر بأن العالم العربي قد يصل إلى قاعٍ أعمق من الهاوية التي نحن فيها، ولا غرابة في شيء، إذا اختلطت الأحوال أكثر مما عليه اليوم، ووجدنا ذات يوم أن جائزة حقوق الإنسان في العالم تسند إلى قاتلٍ، مثل بشار الأسد، وجائزة التنوير إلى السيسي.
والأخطر من هذا أن يستشري مرض المرحلة الراهنة، ليضرب قطاعاتٍ واسعة من المجتمع، فالسيسي، على تهافت أدائه، لا يبدو إلى يومنا ظاهرةً صوتية، فهناك من يقف إلى جانبه ويؤيده من سياسيي وكتاب مصر الكبار الذين كان يتم الاعتداد بهم حتى وقت قريب، بينما يكاد بشار الأسد أن يتحول إلى أيقونةٍ لدى صنف من اليسار العربي والعالمي، لا يريد أن يرى أنهار الدم التي سالت في سورية على يده والمسالخ التي نصبها للتمثيل بالأبرياء، ويعتبر ذلك كله من باب المؤامرة على القائد الممانع الذي لا يثنيه قتل مليون سوري، وتدمير سورية، وتهجير 15 مليوناً من أجل التشبث بكرسي الحكم بحراسة الروس والإيرانيين.
تلخص مصر اليوم حال العالم العربي في لحظة ما قبل الغرق، وإذ تتهاوى سريعاً تحكمها نخبة من العسكر الذين فاتهم القطار، فلا هم أفلحوا في العسكرتارية، ولا في السياسة، وإنما تربوا على سرقة قوت المصريين. طبقة من الفاسدين الذين يعتاشون على ظهر شعبٍ مكافح منذ انقلاب يوليو/ تموز عام 1952، ولم يتركوا له فرصةً ليرى النور، ويحيا في بلده حرا كريما، وحين حانت اللحظة في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، التفوا عليها وصادروها، ثم دفعوا السيسي إلى خشبة المسرح، ليتحول من كومبارس في زمن الرئيس محمد مرسي، إلى الممثل الرئيسي في يوما هذا.
لا يبدو أن العسكر في وارد التعلم من التاريخ القريب، على الرغم من أن شعار يناير لا يزال في كل مكان في مصر “يسقط يسقط حكم العسكر”. وكي لا يواجه هؤلاء الاستحقاقات الفعلية، فإنهم يهربون إلى الأمام، من غير أن يأخذوا في حسابهم دروس التاريخ القريب.
10 مارس 2017
Advertisements