تمدد نفوذ الدب الروسي في ليبيا يثير مخاوف الغرب.. فهل تتغير مواطن الصراع؟

يوم تلو الآخر يظهر للعلن الدور الروسي الغامض في ليبيا، حيث دخلت ليبيا على ما يبدو مرحلة جديدة من الصراع الدولي بين روسيا والغرب، وهو ما أكده تصريح لقائد القوات الأميركية في أفريقيا الجنرال توماس وولدهاوزر، الذي قال أن إن ثمة صلة «لا يمكن إنكارها» بين روسيا والقائد العسكري القوي في ليبيا خليفة حفتر.

ولا شك أن المشاركة الروسية في ليبيا تكثفت في الأسابيع والأشهر الأخيرة. مع نهاية فبراير عام 2017، كان هناك عشرات من الموظفين المسلحين التابعين لشركة أمن روسية في المناطق التي تسيطر عليها القوات الليبية التابعة لخليفة حفتر.

وتعكس تصريحات قائد القوات الأميركية في أفريقيا حالة القلق الأميركي في شأن دور موسكو المتزايد في ليبيا.

في وقت سابق من الشهر الجاري نشرت “رويترز” تقريرا حول نشر روسيا على ما يبدو قوات خاصة في قاعدة جوية غرب مصر قرب الحدود مع ليبيا. لكن روسيا نفت ما ورد في التقرير.

وحول وجود قوات روسية في ليبيا، قال الجنرال وولدهاوزر: «يوجد روس على الأرض في المنطقة»، مضيفًا أن المحاولات الروسية للتأثير في ليبيا مثيرة للقلق.

وتابع وولدهاوزر: «إنهم على الأرض ويحاولون التأثير في العمل ونحن نراقب ما يفعلونه بقلق بالغ وتعرفون أنه فضلًا عن الجانب العسكري في هذا، شاهدنا بعض النشاطات أخيرًا في مشاريع تجارية».

وكان تقرير «رويترز» أشار إلى أن الولايات المتحدة لاحظت وجود قوات خاصة روسية على ما يبدو وطائرات من دون طيار في سيدي براني في مصر على بعد نحو 100 كيلومتر من الحدود مع ليبيا. ويعتقد مسؤولون أميركيون وديبلوماسيون بأن أي نشر لقوات روسية من هذا القبيل قد يكون في إطار محاولة دعم حفتر.

وقال وولدهاوزر للصحفيين في مؤتمر صحفي “حسنًا أعتقد أنه أمر معروف للجميع.. الروس ورغبتهم في التأثير على الأنشطة داخل ليبيا.. أعتقد أن الصلة بين الروس وحفتر لا يمكن إنكارها في هذه المرحلة.”

وتتزامن التساؤلات بشأن دور روسيا في ليبيا مع مخاوف في واشنطن من نوايا موسكو في الدولة الغنية بالنفط والتي تحولت إلى مناطق متناحرة في أعقاب انتفاضة 2011 المدعومة من حلف شمال الأطلسي على معمر القذافي الذي كانت تربطه علاقات بالاتحاد السوفييتي السابق.

وخلال العامين المنصرمين أرسلت بعض الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة قوات خاصة ومستشارين عسكريين إلى ليبيا. ونفذ أيضًا الجيش الأميركي ضربات جوية دعمًا لحملة ليبية ناجحة العام الماضي لطرد تنظيم الدولة الإسلامية من معقله في مدينة سرت.

وقال وولدهاوزر إن الولايات المتحدة “ستبقي على قوة” في ليبيا من أجل جمع المعلومات والعمل مع الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس إذا اقتضت الحاجة مزيدًا من التحرك لاستهداف تنظيم “داعش” .

مخاوف أوروبية

ولم تخف بعض الدول الغربية خاصة إيطاليا ومالطا خشيتها من تقارب روسيا مع السلطات في شرق البلاد حيث سارعت إيطاليا بفتح سفارتها في طرابلس وإرسال بوارج حربية إلى السواحل الليبية تحسبا لأي تطورات عسكرية في ليبيا، في حين حذّرت مالطا من دور روسيا في ليبيا.

وفي تعليقه على التحرك الروسي، قال وزير الخارجية الإيطالي إنجيلينو ألفانو، إن “الاتفاقيات المحتملة بين الجنرال حفتر وروسيا والتقدم الروسي في الساحة الليبية بعد سوريا يدفعنا إلى مزيد من العمل ليكون لنا دور قيادي في المشهد الليبي حتى من خلال الحوار مع حفتر”.

من جهته اعتبر وزير خارجية مالطا، جورج فيلا في تصريحات صحفية سابقة، أن روسيا، التي “مولت حفتر، لها مصلحة استراتيجية في وضع موطئ قدم في وسط البحر الأبيض المتوسط”، مشيرا إلى أن “حفتر المدعوم من روسيا يمكن أن يبدأ حربا أهلية في ليبيا”.

ولدى الدول الأوروبية الواقعة على الشاطئ الأخر من البحر المتوسط مصالح كثيرة في ليبيا تتعلق خاصة بعديد الاستثمارات الكبرى خاصة في مجال النفط، إلى جانب أنها تعول كثيرا على المشاركة في مشاريع إعادة إعمار ليبيا، لكنها في الوقت نفسه تخشى هذه الأيام من أي صراع عسكري محتمل داخل ليبيا يقوده حفتر بدعم من روسيا تخوفا من تدفق اللاجئين إلى شواطئها.

دعم قوي لحفتر

ولا شك أن حفتر نجح في بناء علاقات قوية مع روسيا التي بدأ حضورها يبرز في ليبيا منذ منتصف العام الماضي واستطاع استمالة الروسيين إلى طرفه وفق ما تؤكد تصريحاتهم، فالتطورات الأخيرة في ليبيا أظهرت اهتمام روسيا بلعب دور أكبر في ليبيا من خلال دعم لا محدود لحفتر وللسلطات الحاكمة في الشرق.

وكشفت الزيارات الرسمية التي قام بها حفتر لروسيا واجتماعه مع السياسيين الكبار في موسكو وكذلك التحاقه بحاملة الطائرات الروسية الشهيرة “الأميرال كوزنيستوف” التي وصلت إلى المياه الإقليمية الليبية والتقائه بالقادة العسكريين الروس تنامي العلاقة بين الطرفين وتقارب المواقف.

وحصل حفتر على وعود روسية بدعم مطلق له لتقوية نفوذ قواته العسكرية حيث يعوّل على الجانب الروسي لمساعدته في إنهاء حظر التسليح المفروض على ليبيا، كما حصل على دعم عسكري شمل إمدادت لوجيستية وتدريبات لعناصر من جيشه، وتدخلت روسيا أيضا قبل أشهر في حل مشكلة السيولة النقدية من خلال تقديم دعم مالي لحكومة طبرق بقيمة 2.9 مليار دولار.

وكان موقع “ميدل إيست آي” قال يناير الماضي، إن حفتر إذا ما حظي بمساندة روسيا فإنها ستزوده بعربات مصفحة وذخائر وأجهزة تنصت ومراقبة متقدمة وسيصبح على الأغلب قادرا على تعزيز وضعه بصفته الرجل القوي في البلد الممزق.

ويتوجس العديد من المراقبين من أن يتسبب الدعم الروسي للجنرال خليفة حفتر باسم مكافحة الإرهاب بالتصعيد في النزاع الليبي ويقوّض العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة والمجهودات التي تبذلها دول الجوار في حل الأزمة سلميا.

مكاسب روسية

ويرى مراقبون أن روسيا مقابل دعمها لحفتر حصلت على اتفاقيات جديدة من شأنها أن تحقق لها مكاسب اقتصادية كبيرة، وتمنحها دورا سياسيا في ليبيا، وتفتح لها بابا واسعا لاستعادة نفوذها في ليبيا الذي خسرته عقب سقوط نظام القذافي.

وكانت روسيا قد أبرمت خلال نظام القذافي وبالتحديد عام 2008 صفقة سلاح مع ليبيا تقدر بأربعة مليارات و 400 مليون دينار ليبي تقضي بتوفير أسلحة للجيش الليبي، كما اقترح آنذاك القذافي على بوتين تعزيز الوجود الروسي في البحر المتوسط من خلال السماح له باستخدام ميناء بنغازي أو إقامة قاعدة عسكرية داخل ليبيا، إلا أن اندلاع الثورة وسقوط النظام في ليبيا حال دون تنفيذ هذه الاتفاقيات والوعود.

قاعدة بحرية جوية روسية

وكان موقع “ديبكا” الإسرائيلي المتخصص في التحليلات العسكرية والاستخبارية، كشف مؤخرًا عن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى للتدخل العسكري في ليبيا إلى جانب قوات حفتر المدعوم من قبل مصر ، مقابل أن تقيم روسيا قاعدة بحرية جوية ثانية في البحر المتوسط، على مسافة 700 كم فقط من أوروبا، مشابهة لقاعدة حميميم الروسية القريبة من اللاذقية.

وفي هذا الإطار، يكشف تعزيز الروابط الثنائية والتدريبات العسكرية المشتركة أن روسيا سعيدة بمنح السلطات المصرية المساعدة التي تحتاج إليها، والتي كانت الولايات المتحدة تقدّمها في ما مضى. لم تصدر أي تأكيدات رسمية، لكن ثمة مؤشرات قوية بأنه جرى التوصل إلى اتفاق تعمد روسيا بموجبه إلى ترميم قاعدتها البحرية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية في سيدي براني غرب البلاد، وبناء قاعدة جوية إضافية هناك بحلول العام 2019.

توريط الدب الروسي

وبحسب الدكتور جواد الحمد الخبير الإستراتيجي الأردني، ومدير مركز دراسات الشرق الوسط بالأردن، فإن “روسيا لن تلتزم بالحظر الدولي المفروض على توريد السلاح إلى أطراف الصراع في ليبيا، ولم يستبعد في حديث سابق لوكالة الأناضول أن “تقوم موسكو بتفعيل اتفاقية وقعتها مع نظام القذافي في 2008، وكان مقررا أن تدخل حيز التنفيذ في 2010.

ويرى الخبير الإستراتيجي الأردني، في تصريحات صحافية، أن إقامة قاعدة بحرية روسية في ليبيا “تتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأميركية في جزيرة صقلية الإيطالية، وهذا غير مقبول إستراتيجيا بالنسبة لواشنطن”.

ويبقى سؤال هل الصمت الأميركي الراهن تجاه التمدد الروسي في ليبيا يرمي إلى توريط الدب الروسي أكثر في مستنقع النزاعات الدولية بالشرق الأوسط أم أنه يعبر عن رضا غربي تجاه الدور الروسي في محاربة الإرهاب ؟

المصدر

Advertisements