مصراته هي مصراته! 2

مصراته هي مصراته! 2

أحمد الفيتوري | الثلاثاء 25 أبريل 2017, 10:27 AM
 
 
أحمد الفيتوري

2 من 2
1-
طلبت من صديقي أصيل مصراته أن يوضح لي حال مدينة مصراته في الحال الليبي فاسترسل كعارف بـ”الأحوال الليبية”: أن ما يبدو من غموض في الأوضاع الحالية بالمدينة قد يكون أصيلا في مدينة تركيبتها الاجتماعية محافظة، زد على ذلك فإن دخولها في حرب، فرضها عليها فاشية القذافي وميلشياته الأمنية، جعل منها في حالة دفاع بكل ما يعني ذلك من انكفاء وتمترس، ولما تمكنت ميليشياتها من فك الحصار، ومن ثم هجومها واندفاعها نحو قلعة القذافي باب العزيزية بالعاصمة الليبية طرابلس، أصيبت بنشوة النصر وبدأ لقادتها أنهم المنتصرين، فاستحوذوا على ما تبقي من سلاح القذافي ومن ماله ومن عاصمته، ودعموا لأجل ذلك تحالفهم مع التيار الإسلامي المسلح.
لكن بالمدينة كباقي البلاد تيارت مختلفة متباينة كالإسلامية والقوى الوطنية التي هي خليط من قوة مدنية وعسكرية ذات مشارب عدة، هذا التعدد في المدينة شكل في وبالحرب كتلة واحدة وتحالفا نسبيا متماسكا، جعله حصار المدينة الأقوى في البلاد بقوة المال والسلاح، وخاصة السلاح الذي فيما بعد سقوط النظام سيطر عليه ميليشياتها تقريبا في غرب البلاد وجنوبها. ولم ينفرط ذا التحالف في تقديري بفضل العجينة المحافظة للمكون الاجتماعي للمدينة، ودعم قيادة ليست واحدة لكنها متوحدة وهدفها موحد جدد وهو مقلوب اسقاط النظام أي وراثته، فهم كما عملوا على اسقاط القذافي رأوا أو قدروا أنهم ورثة القذافي، هذا وحد جبهتهم في مواجهة خصومهم العدة.

2-
لم أرد مقاطعة الاسترسال لكن أردت توضيحا، فالاستقراء ذا يستنبط منه أن الحصيلة:” الوراثة جهوية”، باعتبار أن القوى النافذة التي رأت في نفسها الوريث بحكم القوة هي بالفعل “مصراته” قلب التحالف ما وضحه الاستقراء.

يجب انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب

ان تحالف “مصراته” ما سمى فيما بعد بـ”فجر ليبيا” هو تحالف متعدد المشارب، وأن من رؤوسه الأهم التيار الإسلامي المسلح، تحالف “مصراته/ فجر ليبيا” اتخذ أيقونة لخصامه: “خليفة حفتر” وحلفائه من عرفوا بمعاضدي “معركة الكرامة”، رغم ان “معركة الكرامة” في الحقيقة جاء اعلانها بعد بروز وهيمنة “تحالف مصراته” في ليبيا ما بين أول 2012م وبين منتصف 2014م، “معركة الكرامة” عرفت وظهر “خليفة حفتر” كقائد عسكري لها في مايو 2014م، ومجلس النواب وحكومته كقائد سياسي ظهر عقب انتخابات يونيو من ذات العام، وأعقب ذلك اعتبار مجلس النواب بـ”طبرق” وحكومته برئاسة ” عبد الله الثني” الجهة الشرعية الليبية المعترف بها في الاقانيم الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، وقد قاطعت اقلية من النواب المجلس المنعقد في “طبرق” وشككت في شرعيته ولم تستقل وان طعنت في دستورية المجلس المنعقد في “طبرق”، هذه القوى المقاطعة عضيدة “تحالف مصراته/فجر ليبيا، من ثم أعيد احياء “المؤتمر الوطني” ما هو لا وجود له بحكم الانتخابات الشرعية والمعترف بها من الجميع.

3-
لقد أراد طرف ليبي جعل مدينة “مصراته” قاعدة الاستحواذ على “كعكة فبراير” أي “وراثة القذافي”، وبهذا استمرت “مصراته” كقاعدة وقائدة لفصيل مهم في الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا عقب ثورة فبراير، “مصراته” هذه تغير خصمها لكن استمرت في حربها منذ فبراير 2011م حتى يوم نشر هذا المقال، ثم دخلت في حربها بصيغة سياسية واجهتها “المؤتمر الوطني” ببعض من أعضائه، على طاولة المفاوضات قادت ماراثون ما عرف بـ”الحوار الوطني” مع الطرف الثاني “مجلس النواب”، عقدت جلسات عدة من “الحوار الوطني” في أكثر من مدينة تحت إدارة الأمم المتحدة، توج في مدينة “الصخيرات” المغربية يوم 17 ديسمبر 1915 بما دعي “اتفاق الصخيرات” الذي لم يحقق الوفاق الوطني بل قسم “مجلس النواب” ومنه البلاد.

4-
أخر مستجدات الوضع السياسي في ليبيا ان هناك حراك ما في مدينة مصراته لم تتضح مستخرجاته، لكن عقد اجتماع بين عقيلة صالح وعبد الرحمن السويحلي بين الخصمين ممثلا القوى التي تهيمن على الأرض: هل نعد هذا من مستخرجات ما جد في “مصراته”؟، ليس بالإمكان حتى الساعة الإجابة اليقين عن سؤلنا، لكن المعطيات تعطي إجابات أخرى عن الدور الإقليمي والدولي ما وراء هذا الاجتماع، إنما “حراك مصراته” لا يمكن استبعاده من الخلفية وان غمضت ما هويته: مصراته هي مصراته في المشكل الليبي ما حله في فك “العروة الوثقي” فيه أي حلحلة “مصراته”، لتخرج من جلباب “الوريث الأحد” إلى أفاق ليبيا وتلتقي في منتصف الطريق مع ما اعتبرته أيقونة العدو، وهكذا كما أن “مصراته” كانت فيصلا في “اسقاط النظام” ليس من بد أن تكون فيصلا في الخروج من عنق زجاجة “فبراير” الى ما بعد “فبراير”…
لأنه أولا وأخيرا ليس ثمة “اتفاق صخيرات” دون وفاق وطني، عليه يجب الذي يجب: انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب، ودون توفر الإرادة يبقي العقل المتشائم المتصدر المسألة الليبية…

Advertisements

مليون دولار رفّه بها عائلته.. تكشفها “تويتة”

مليون دولار رفّه بها القذافي عائلته.. تكشفها “تويتة”

نيلي فورتادو

218TV.net خاص

في إطار التقصي الصحفي لعلاقة كبار الفنانين حول العالم بالزعماء السياسيين لوحظ أن “الدائرة الضيقة” تمكنت عام 2007 من إقناع نجمة البوب الكندية نيلي فورتادو بالحضور إلى أحد الأجنحة الخاصة بأحد فنادق العاصمة طرابلس للغناء أمام أبناء وأحفاد القذافي لمدة 40 دقيقة مقابل مليون دولار أميركي، إذ لم يشمل هذا المبلغ أجور الانتقال والإقامة لها، ولفرقتها الموسيقية، وهو ما يكشف أحد الملايين الضائعة التي أنفقها النظام السابق على “الترفيه العائلي”، وهو أمر كان يمكن أن يظل سريا لولا أن نيلي فورتادو كشفت عن الأمر بتغريدة لها على موقع “تويتر”.
الطريف في الموضوع أن “تويتة” مغنية البوب الكندية سارعت إلى تويتر، للإعلان عن تبرعها بالمبلغ لصالح جمعية خيرية، كما لو أنها “براءة متأخرة” من تبديد أموال الليبيين.

كتاب ندوة فزان

صدر مؤخرا العام 2012 كتاب باللغتين العربية والفرنسية ، بعنوان : ( التاريخ المجهول .. العلاقات الليبية الفرنسية في فزان 1943 – 1956 ) . حوى مجموعة ابحاث لثلة من المؤرخين والمختصين ، عرضت ضمن ” ندوة فزان ” . باشرف المعهد الفرنسي للبحوث المغاربية المعاصرة ( تونس ) ، بالتعاون مع المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية ( ليبيا ) . اقيمت بالعاصمة التونسية ، ديسمبر 2009 م . في التوطئة ، المنسق العام الدكتور المنصف وناس ، مديرالمركز الفرنسي ، يلفت الانتباه الى ” ان مبحث علاقات فرنسا باقليم فزان لم يدرس علميا بما فيه الكفاية ” . وفي كلمة موجزة ينبه الدكتور الطاهر الجراري مدير المركز الوطني الليبي ، الى اهمية الندوة في سعيها لتوضيح دوافع وظروف الاندفاع الفرنسي نحو جنوب ليبيا . في المقدمة . تولى الاستاذ بيار نوال دوينيي ، تقديم قراءة موجزة لمجمل المشاركات ، بعنوان : ” فرنسا في فزان .. الرهانات والاستراتيجيات الاجتماعية والقبلية ” ، يستعرض خلالها بعض التقاطعات في افكار الباحثين . – اضاءات حول مشاركات الاساتذة : ( 1 ) انري مارتال . ( فزان في المخيال الامبراطوري الفرنسي .1835 – 1956 ) قراءة معمقة تركز على طموحات التوسع الفرنسي في فزان ، ” والتي هي طموحات استراتيجية وجغراسياسية – تشاد والجزائر وتونس – اكثر من ان تكون تنموية او حضارية . وتقف عند مسعى فرنسا الى عزل السكان ، وخلق تحالفات محلية . ” فزان القاعدة الخلفية المحتملة لإعادة غزو الاقاليم المغاربية ، والعتبة الغربية لدار الاسلام ” ، وقد اضحت محل رهان دولي ، ومنطقة صراع امتيازات الدول الاوروبية ، فرنسا ، بريطانيا ، الدولة العثمانية . فبينما سعى الفرنسيين الى اقامة منطقة نفوذ تمتد من الجزائر الى القاهرة ، كان الانجليز متحفزون لمنع ذلك ، مطمحهم تدشين خط تجاري يمتد من خليج سرت الى بحيرة تشاد . يعرج الباحث على نشاط بعثات المستكشفين اوائل القرن التاسع عشر ، ودور ” جمعية استكشاف الداخل الافريقي ” الانجليزية ، رحلات هنرمان الانجليزي 1798 – 1801 ، ريتشي وليون 1818 – 1819 . ايضا صراع القناصل إبان السيادة العثمانية ، ” لقد سمحت تسوية الشرق سنة 1840 للباشا الحاكم بكسر تحالف التجمعات البدوية الكبرى الثلاث التي كانت جموحة لرجوع نفوذ السلطة المركزية ، وكان اقواها تجمع اولاد سليمان الذي كان يسيطر على فضاء شاسع يشمل فزان ، ويمتد من خليج سرت الى تخوم تشاد . ولكن وفاة زعيمه عبدالجليل سنة 1842 ، وضع حدا لمشاريع تاجر من مرسيليا يدعى ” سوبتيل ” عقد معه عبدالجليل صفقة لتسليم اسلحة مقابل التزامات في الكبريت ، الامر الذي جعل القنصل البريطاني في طرابلس يبدو وكأنه احرز انتصارا على الممثل الفرنسي ” . يصنف الفترة 1881 – 1911 ، بمرحلة الحرب الفرنسية العثمانية الغير مباشرة ، وهي نتاج معاهدات اقتسام فرنسية بريطانية للمناطق الخلفية الافريقية . وفق مبادئ برلين 1885 . يستعرض فصول الحرب السنوسية الفرنسية ، ومعاهدة اكرومه 1917 مع الانجليز . ونتائج مرحلة الحرب الكبرى ، ومطالب ايطاليا كأحد اطراف معسكر المنتصرين ، و” الخيبة التي تولد الفاشية ” . لينتهي الى مرحلة الحرب العالمية الثانية 1940 – 1943 ، وانقلاب الوضع . بدخول ايطاليا الحرب ضد فرنسا وانجلترا ، وانحياز افريقيا الاستوائية لقوات فرنسا الحرة . والزحف الفرنسي على الجنوب الليبي 1943 ، إتمام المشروع الصحراوي الفرنسي .. ” فزان حصة فرنسا ضمن انتصار الحلفاء ” . عابد

لتحميل الكتاب ندوة تاريخ فزان

في ضرورة تغيير الجراح…

Kolumnisten Al-Aswani

خاضت بريطانيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا ودول المحور في ظروف صعبة للغاية فالطائرات الألمانية كانت تقصف باستمرار كل المدن البريطانية  بالاضافة إلى أزمات طاحنة في الطعام والوقود لكن الشعب البريطاني حارب بشجاعة بقيادة رئيس الوزراء ونستون تشرشل حتى انتصرت بريطانيا وأعلنت ألمانيا استسلامها في شهر مايو/ أيار 1945 وبعد ذلك بشهرين أُجريت الانتخابات فحدثت المفاجأة: سقط القائد المنتصر ونستون تشرشل وفاز برئاسة الوزراء “كليمنت أتلي”… في 5 يونيو/ حزيران 1967 ألحقت اسرائيل بمصر أسوأ هزيمة في تاريخها وما أن أعلن عبد الناصر تنحيه عن الحكم حتى نزل ملايين المصريين إلى الشوارع ليطلبوا منه البقاء في السلطة.
لماذا تخلص الانجليز من قائدهم المنتصر،بينما تمسك المصريون بقائدهم المهزوم؟ الإجابة تكمن في الفرق في مفهوم السلطة بين الشعبين. الشعب الانجليزي تعامل مع تشرشل كموظف عام أدى وظيفته بشكل ممتاز ولكن آن الأوان أن يتولى رئاسة الوزراء شخص آخر بأفكار جديدة ليساعد بريطانيا على إعادة البناء بعد الحرب. أما المصريون فقد تعاملوا مع عبد الناصر باعتباره الزعيم الملهم ووالد الشعب ورمز الوطن وبالتالي فهو لايخضع للمحاسبة عن أفعاله حتى لو أدى ذلك الى الهزيمة بل إن بعض الصحفيين آنذاك كتبوا أن بقاء عبد الناصر في الحكم هو النصر الحقيقي. إنها العقلية المذعنة التابعة التي تمجد الديكتاتور وترفعه فوق مستوى البشر ولاتسمح بنقده أبدا وتغتفر له القمع والفشل والكذب وتضيف إليه انجازات وهمية وتعتبره رمز الوطن، هذه العقلية لازالت للأسف موجودة بين المصريين. 

إذا بحثنا بين شعوب العالم لن نجد شعبا يمجد حكامه مثل الشعب المصري. لم يؤلف الانجليز الأناشيد في مديح تشرشل ولم يصنعوا استعراضات وأوبريتات سخيفة كالتى نصنعها لكل رئيس. إن تأليه الحكام ظاهرة مصرية عجيبة اختلف المفسرون في أسبابها، بعضهم قالوا إننا ورثناها عن أجدادنا الفراعنة الذين كانوا يعبدون الحاكم ويعتبرونه إلها لكن الظاهرة موجودة في الشعوب العربية برغم اختلاف تاريخها عنا، بعض المفكرين قالوا إن تمسكنا بمظاهر الدين يجعلنا قابلين للاستبداد لأن الإنسان، المسلم أو المسيحي، الذي لا يفكر لنفسه أبدا ويسمح لرجل الدين بالتحكم في كل تصرفاته ويتبع تعليماته بدون مناقشة، سيكون من السهل عليه أن يذعن للديكتاتور كما أذعن لرجل الدين. 
بعض المفكرين يؤكدون أن الشعوب التي خضعت للاستبداد لفترات طويلة من تاريخها تفقد احساسها بالحرية كقيمة إنسانية بل إنهم يحسون براحة في وجود ديكتاتور يقمعهم وينهب أموالهم مادام يوفر لهم الحماية ويعفيهم من تحمل مسئوليتهم في الشأن العام فينصرف كل واحد فيهم إلى كسب قوته وتربية عياله ويترك الوطن بين يدي الزعيم وحده يفعل به ما يشاء. أيا كان السبب فلاشك أن مقاومتنا للاستبداد أقل من شعوب أخرى وقد رأينا مؤخرا  ماذا حدث لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب،  فبمجرد أن أظهر  ميولا استبدادية حتى قاومته بضراوة المؤسسات الأمريكية جميعا، القضاء والصحافة والجامعات والفنانون ومنظمات المجتمع المدني وسياسيون من المعارضة بل ومن داخل حزبه الجمهوري، الأمر الذي أرغم ترامب في النهاية على التراجع والعودة إلى الخط الديمقراطي. 

علاء الأسواني
لقد تعلمت الشعوب الغربية عبر تجارب مؤلمة أن الديكتاتورية، مهما حققت من انجازات، ستؤدي في النهاية حتما إلى كوارث يدفع ثمنها الشعب لأجيال قادمة. المواطن الغربي يرفض الاستبداد من حيث المبدأ بدون انتظار نتائجه. أما نحن في مصر فلم نتعلم هذا الدرس بعد. لازلنا نجد بين المصريين من يعتبر الديكتاتورية هي الأصلح لنا ومن لا يرفض الاستبداد إلا إذا ساءت بسببه أحواله المعيشية. أما إذا سقط آخرون ضحايا للاستبداد فهو لايهتم إطلاقا. لا زلنا نجد مصريين يؤيدون الديكتاتور إذا وفر لهم العمل والمسكن والطعام حتى لو اعتدى مقابل ذلك على كرامة الناس وألقى بهم في المعتقلات بل وقتلهم خارج القانون. 
أما الإسلاميون فإن النزوع  للاستبداد متأصل عندهم لأنهم يعتبرون الحاكم الإسلامي خليفة يطبق إرادة الله على الأرض ولا مجال عندهم بالطبع لمعارضة شرع الله، وقد رأينا استبداد الإسلاميين واضحا عندما تواطئوا مع المجلس العسكري ضد الثورة مقابل وصولهم للحكم، ورأيناه مرة أخرى عندما هللوا للرئيس السابق مرسي عندما أصدر الاعلان الدستوري الذي ألغى به القانون المصري تماما. ونراه الآن من جديد وهم يهللون ويكبرون لأوردغان وهو يبني دولة الاستبداد في تركيا. 
لقد كانت الثورة المصرية عام 2011، في جوهرها، محاولة نبيلة عظيمة لإقامة دولة القانون وتحرير مصر من الحكم العسكري المستمر منذ عام 1952. المصريون الذين ينتظرون نهضة مصر تحت حكم السيسي  يشبهون مريضا أجرى أربع عمليات عند جراح غير ماهر ففشلت جميعا، وهو يريد اجراء عملية جراحية خامسة عند نفس الجراح ويتوقع نجاحها.  هناك فروق شخصية بين عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي لكن النظام الذين حكموا به مصر  واحد ونتائجه واحدة. نفس أدوات القمع من تلفيق قضايا واعتقالات وتعذيب ومحاولات السيطرة على الاعلام و القضاء، نفس الدعاية الجبارة الكذابة لاضفاء هالة أسطورية على الزعيم… ما الفرق بين صواريخ القاهر والظافر الناصرية وجهاز اختراع الكفته أيام السيسي؟ ما الفرق بين مشروع توشكى وقناة السويس الجديدة؟! نفس الأكاذيب والمشروعات الفاشلة حيث يتم تبديد الملايين من أموال الشعب الفقير وسط التهليل والهتاف. لن تتحقق النهضة في بلادنا إلا إذا رفضنا الاستبداد من حيث المبدأ. إذا أردنا نجاح العملية لابد من تغيير الجراح.

ـ شهادتي الـ 7 أبريلية ومضتي السادسة 6 ـ (2)

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
   طلقة مسدّس عبد السلام الزادمة الطالب الشبح الذي أفزعنا من كليّة الأقتصاد يوم 4 ينايروالتي أصابت رأس طالب قسم الأجتماع جلال بوسنوقة الزواري وموكب العنف الجوّال الذي قاده يوم 3 يناير 1976 طالب سنة أولى فلسفة أحمد ابراهيم وسار وراءه مناصروه البدو من “الملثمين “و بالأسلحة والهراوات المعدنية مدججين وحف به أنصاره الطلاب الريفيين المهووسين بمحاضرات علي الشاعري في معسكرات جودايم الناصرية الصيفية،ومن كان ضحيّته عدا من ذكرناه سابقاً طالب الحقوق الشاعر علي الرحيبي أيضاً الطالب أحمد إسماعيل مخلوف الذي سيوطّوب فيما بعدعام 1982 شهيداً تحت التعذيب في السجون المفتوحة على العذاب “الجدّيدة والحصان الأسود وبوسليم .. في السماد الدموي لهذين المشهدين ومشاهد دموية أخرى تفتّحت أزهارُ بألوان منها لون الثقافة أدباً وصحافة ومسرحاً فصدرت نشرة يناير التي كتب فيها منصور ابوشناف حوارياته في مسخرة العسكرة وطغيانها ورمزلها بالملك المجنون “نيرون” الذي أشعل حرائق روما كما ضمت علي الرحيبي وأشعاره،وعبد العظيم شلّوف وبذور حواريته الشعرية، كما أنكتبت فيها بروح جديدة بجوارأشواق الرقيعي وحنينه الظامئ لأزمنة الخبز والأطفال أشعار الشلطامي أنشودة للفرح ولحزنه الشجي العميق و أشعار إنسانية من العالم لبرشت ،ولوركا،ونيرودا،وبالزخم نفسه يصدر السنوسي حبيب ديوانه في “الحب الصحووالتجاوز” على حسابه بمبلغ إستلفه من ابوشناف الذي كسبه من جائزة مسرحيته “عندما تحكم الجرذان” التي أرتفعت على كوبري المدينة الرياضية إعلانات عرضها القادم وأنعرضت قبلها مسرحيته “تداخل الحكايات عند غياب الراوي” التي سيكون تأويلها من المخابراتي السنوسي الوزري وتنفيذ التأويل في 7أبريل من الرائد حسن اشكال والنقيب عبد السنوسي إفتتاح درب الجلجلة لمنصور ابوشناف “الحلاّج” : فلقة الشرطة العسكرية المُدمية ومحنة السجن والضياع ،كما أشتعلت أيضاً الحوارات والنقاشات حول مستقبل الحركة الطلابية وآفاق إستقلالية الجامعة من قبضة السلطة الحاكمة وألتئمت في البيوت الطلابية كجليانة والبركة الأمسيات والندوات التي أتاحت لي مع غيري فرصة تأجيجها وإخصابها بالعروض النقدية التي بدأت أتعلّمها من واقعيات المجري جورج لوكاتش والفرنسي روجيه جارودي التي بضفاف وبلا ضفاف وضجت القاعات بالمحاضرات كانت ألمعها محاضرة علي الريشي “إمجودة والمنطق الرياضي” ليس المنطق الصوري الذي تلمسّنا بدايته في ثانويات القسم الأدبي وبدأنا نتحسسه جامعياً في محاضرات الدكتور فتحي الشنيطي ولكن المنطق الرياضي الذي رأيناه معادلات على لوحة مدرّج رفيق في مشهد فيلم آكشن حبست إثارته أنفاسنا بخطوط الطابشير تتلاعب بها أصابع الماهر القادم للتو من اميركا علي الريشي ملتحفاً البُرنُس ذاته أو شبيهه الذي إلتحف به في ندوة التلفزيون عام 1972 محاضرة الريشي جاءت رّد إعتبار متأخر لعامل الميناء “أمجودة” الذى سقط بعفوية ولد البلاد بنغازي وبدون حسابات المنطق الرياضي صريعا في أحداث 14 يناير الطلابية عام 1964 …ومن يناير إلى يناير ومن ابريل إلى أبريل يلاحقنا طير الآبابيل يقذفنا بحجارة من سجّيل الأرهاب والعنف وهو مانرصد شيئاً من عذاباته وفتنه في حلقة مُكربة قادمة >>

ـ نورالدين خليفة النمر ـ

Faiza Bensaoud
 
Faiza Bensaoud ما السبب في اعتقال الدكتور عبد الرحمن بدوي في تلك الايام لو سمحت؟؟؟؟

Nureddin Ennemer
 
Nureddin Ennemer استاذة Faiza Bensaoud لو كان الدكتاتور الأتوقراطي … الذي حكمنا 42 سنة سبّب كل أفعاله المجرمة التي كانت كُلها ردود أفعال حمقاء لما كانت نهايته الترجيكوميدية في أنبوب صرف المياه قريبا من قارة جهنم ولما كنا اليوم نخوض في الجحيم الذي اورثه لنا … في تعليق لي على إدراج للكاتب أحمد إبراهيم الفقيه في صفحته سردت حكاية عبد الرحمن بدوي في محنة سجن الكويفية حكاها لي في باريس 2001 الشاعر الفلسطيني محمد حمزة الذي رافق بدوي في محنة السجن وكان يرى بدوي يلف في العنبر الذي رمي فيه مبهوتاً يكلم نفسه بجملة واحدة “أنـا آيـه اللي جابني هنا” السبب الذي تسرّب لنا وقتها هو حوار الدكتاتور مع الطلاب ومنهم علي الريشي الذين فاجأوه بقوة محاججتهم حسب مقياسة الثقافي الضعيف وعندما سأل قالوا له وراء ذلك أساتذة الجامعة العرب كبدوي فيلسوف الوجودية فعاقب الوجودية بمنع كتبها في الثورة الثقافية 1973 ورمى بدوي في سجن الكويفية في كتاب ذكرياته حكى الأستاذ العظيم قصة محنته ولم يورد السبب لأنه ببساطة لم يكن هناك سبب واضح للجنون !
 
انس الفقي
 
انس الفقي المعروف بأن منصور بوشناف من اصول بدوية و كاتب المذكرات يعطينا انطباع عن وضاعة اهل الريف و البدو و التي تظهر كعبارات تحريضة و تحض على الكراهية، نعم ، نريد ان نعرف ماذا حدث في يوم 7 ابريل ، اذا تحصل منصور بو شناف على جائزة ادبية بمقدار 400 دينار سنة 1971م فهو دليل على ان النظام لم يكن بذلك السوء، الشاعر على الرحيبي بعد 7 ابريل 1976م انضم الي جريدة الاسبوع السياسي التي يصدرها النظام و هو يؤكد على ان النظام مرة اخرى لم يكن سيئ الي تلك الدرجة !! احمد الفيتوري يقول في منشور قديم في الفيس ان الطلاب المعارضين كانوا يهتفون بنداء حين يحكم الجرذان !! الكاتب منصور بوشناف مطالب بالكتابة عن 7 ابريل 1976م و نشكر الكاتب على كتابته عن تلك الاحداث فهي مبادرة جيدة.

Rabia Madi ذاك زمن العداء للقلم والفكر وقتل المشاعر باسم العسكر واليوم باسم الدين والعسكر أيضا وكذلك باسم عدو جديد برز على أرضنا وهو الآولى أن يكشف ويحارب بالقلم آلا هو الفساد بكل أنواعه إبتداء بالفكر والمتمثل في الإعلام وانتهاء بالشخصية الليبية والتي يحاولون طمسها وتغييرها ……الكلمة الكلمة أقوى سلاح

الفوضى والطغيان حليفان

محمد مختار الشنقيطي

نقل مؤرخ الثورة الفرنسية “ألبير سوبولْ” عن أحد قادة الثورة قوله “لقد انتقلنا بسرعة من العبودية إلى الحرية، ونحن نسير بسرعة أعظم من الحرية إلى العبودية” (سوبول، تاريخ الثورة الفرنسية، 161). ويقصد السياسي الفرنسي أن الفوضى التي سادت بُعيْد الثورة الفرنسية سرعان ما قضت على منجزات الثورة، حتى أصبح الناس راضين بعودة للعبودية السياسية التي كانوا يعيشونها قبل الثورة، بسبب ما عانوه من انفلات وتهديد لحياتهم الشخصية والاجتماعية. وهكذا تبرهن مآلات الثورة الفرنسية، والدروب الدموية المُعْتمة التي سلكتْها خلال ثمانين عاما، على أن الفوضى مَهلكة للثورات، وأنها أوسع الأبواب التي يمكن أن يعود منها الاستبداد عودة مظفَّرة، محمولا على أكتاف أولئك الذين ثاروا عليه!
وتدل الفلسفة السياسية على أن ركائز الاجتماع السياسي السليم هو وجود سلطة تخضع للقانون وتُخضِع الناس للقانون. وقد عبَّر عن ذلك جيمس ماديسون -أبو الدستور الأميركي ومنظِّر الثورة الأميركية- بقوله “يجب تمكين الحكومة من السيطرة على المحكومين.. ثم إجبارها على السيطرة على نفسها” (الأوارق الفيدرالية، الورقة رقم 51). فالسيطرة على المحكومين تعني منع الفوضى التي لا تقوم للدولة قائمة معها، وسيطرة الدولة على نفسها تعني حكم القانون بديلا عن هوى الحاكم الفرد.
إن الاجتماع السياسي ينهار بطريقتين: إحداهما هي الطغيان السياسي الذي يضغط على البناء الاجتماعي من أعلى حتى يتصدَّع، ثم يتَّسع الصدْع على مرِّ الزمان حتى يتحول شرخا واسعا. وهذه الطريقة بطيئة، قد لا تؤدي إلى انهيار المجتمع تماما، ولكنها تُفقده روحه الدافعة، فيتحول هيكلا خامدا حتى يُلمَّ به عامل خارجي فيُودي به. والثانية هي الفوضى التي تعصف بالاجتماع السياسي من أساسه بسرعة، فينهار كيان الدولة تماما، ويرجع الناس إلى الاحتماء بالولاءات الضيقة، صيانة لأرواحهم وأموالهم، فيفقد المجتمع الإرادة المشتركة الضرورية لكل بناء سياسي سليم.

وكثيرا ما يخرج الاستبداد السياسي من عباءة الفوضى الاجتماعية، وتخرج الفوضى الاجتماعية من عباءة الاستبداد السياسي، فكل من الفوضى والاستبداد يُغذِّي الآخر ويتغذى عليه. فالطغيان السياسي يؤدّي إلى ردود فعل فوضوية في المجتمع، والفوضى تسوّغ الطغيان السياسي وتجعل الناس ترضى به، خوفا على الدولة من الانهيار، وعلى المجتمع من الاندثار.

وقد حدث ذلك الانهيار السريع للنظام السياسي الحرّ بسبب الفوضى، في تاريخ المدن الديمقراطية اليونانية، وفي تاريخ الخلافة الراشدة في صدر الإسلام. فالاستبداد السياسي حرب أهلية مؤجَّلة، وبركان خامد ينتظر لحظة انفجاره، والفوضى الاجتماعية مشروع طغيان سياسي قادم. لذلك يحتاج الاجتماع السياسي إلى الجمع بين القانون والحرية. وإنما نجحت أُولى الجمهوريات في العصر الحديث -وهي الجمهورية الأميركية- لأنها كانت تركيباً عجيباً من قوة الامبراطورية الرومانية، وحريَّة الجمهورية اليونانية. ولم تنجح الثورة الفرنسية في ذلك إلا بعد زمن طويل، وجُهد جهيد، وحصاد مرير، بسبب ما شابها من روح فوضوية، ومن عنف غير منضبط بضوابط القانون والنظام.
وحين تُخيَّر الشعوب بين الفوضى العارمة والاستبداد السياسي فإنها تختار الاستبداد في غالب الأحوال، وتعتبره أخفَّ الضُّرَّينِ وخيرَ الشرين. وهذا هو الخيار الذي ساد في التراث السياسي الإسلامي. وقد عبر فقهاء السياسة الشرعية والآداب السلطانية عن ترجيحهم للاستبداد السياسي على الفوضى الاجتماعية بقولهم السائر “أسدٌ حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم” (القلعي، تهذيب الرياسة وترتيب السياسة، 96). لكن الاحتماء من الفوضى بالاستبداد خيار قصير النظر، إذ هو علاج للعرَض وإبقاء على المرض. فالاستبداد هو الجِذْر الذي يرجع إليه أصل المعضلة السياسية. وقد انتبه إلى لذلك الإمام أبو منصور الماتُريدي، فردَّ الأمور إلى أصلها السياسي قائلا: “إن الفتن ونحوَها إنما تَهِيج من الأمراء الجائرين ومن أتباعهم.” (الماتريدي، تأويلات أهل السنَّة، 4/113).

وأحيانا تكون الفوضى المصاحبة لبعض الثورات فوضى “طبيعية” ليست مفتعلة، وإنما هي ثمرة من ثمار ضعف الوعي السياسي لدى الثوار، أو طغيان الأنانية السياسية على تفكيرهم، مما يمنعهم من بناء إرادة مشتركة، ويجعل جهودهم متضاربة. فتضيع “الكتلة الحرجة” التي انطلقت بها الثورة، وتتحول أشتاتا من الجماعات والفصائل التي لا يجمع بينها سوى العداوة للنظام الاستبدادي القائد، دون اتفاق على رؤية أخلاقية للبديل، ولا خطة عملية للتغيير.

وفي بعض الأحايين تكون الفوضى المصاحبة للثورة مُفتعَلة من النظام الاستبدادي، سعيا إلى تلطيخ النصاعة الأخلاقية التي تتمتع بها الثورة، وإضعاف شرعيتها لدى عامة الناس. فالحاكم المستبد لا يرى البلاد والعباد أكثر من وسائل لأهوائه الفجة، وسُلَّما إلى أمجاده الشخصية. ولذلك فهو لا يتردد في إغراق المجتمع في الفوضى الدموية حفاظا على كرسيِّه المتضعضع. وذلك منطق قديم عبَّر عنه القول الفرنسي السائر “مِن بعدنا نحن فليكن الطوفان” المنسوب إلى ملك فرنسا لويس الخامس عشر وعشيقته مادامْ مومبادورْ.

حينما قرر جنرالات الجزائر المدعومين من فرنسا اغتيال الربيع الجزائري الذي تفجَّر في ختام الثمانينات وجدوا أفضل وسيلة لذلك هي تحويل الحراك السياسي الديمقراطي في الجزائر إلى فوضى دموية، عبر السماح لجماعات سلفية غبيَّة بتصدُّر ذلك الحراك، ثم اختراق تلك الجماعات، وتوجيهها إلى ارتكاب فظائع دموية في شوارع الحواضر الجزائرية وفي ريفها، دفعاً للناس إلى نسيان مطلب الحرية تماما، وإلى الاحتماء بالسلطة العسكرية المستبدة حمايةً لحياتهم. وقد وصف الضابط المنشق عن القوات الخاصة الجزائرية حبيب سويدية تلك الإستراتيجية بالتفصيل في كتابه الشهير “الحرب القذرة” (La Sale Guerre) الصادر باللغة الفرنسية عام 2001.

ولفتتْ نظري فقرةٌ من تقديم القاضي الإيطالي فرديناندو أينبوزيماتو لكتاب “الحرب القذرة”، بعنوان “إستراتيجية التوتر”، لأنها تعبر بعمق عن منهج افتعال الفوضى سبيلا لاغتيال الثورات. ففي هذه الفقرة شرح السيد أينبوزيماتو كيف تبنت السلطة العسكرية الانقلابية في الجزائر إستراتيجية إلهاب المعركة وإشعالها أكثر فأكثر، من أجل إقناع الرأي العام في بلدها وفي العالم أن البديل عنها هو بحرٌ من الدماء وموجة من الخراب. وقد نجحت بذلك في تجريم معارضيها، وإشغال مواطنيها عن المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هي لبُّ الخلاف، وحولت الأزمة الجزائرية المزمنة إلى مجرد مشكلة أمنية تثيرها حفنة من الأشرار الخارجين على القانون!! وهكذا خرَّبت السلطة حياة الناس باسم محاربة التخريب، ومارست أبشع الإرهاب تحت راية مكافحة الإرهاب.
وقد لاحظ الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا في دراسته للحالة الجزائرية أن هذه الاستراتيجية يمكن أن تحوِّل أي قوة سياسية إلى عصابة فوضوية، فكتب: “أعطني أي حزب سياسي في الغرب، وسأحوِّله لك إلى جماعة إسلامية مسلحة خلال أسابيع، إذا ما استخدمتُ الطرائق ذاتها المستخدمة ضد الحركات الإسلامية في الجزائر.” ومن الواضح أن إسترتيجية إلهاب المعركة التي طبقها جنرالات الجزائر برعاية عربية وغربية منذ عقدين هي الإستراتيجية ذاتها التي تتبناها الثورة المضادة العربية وظهيرُها الدولي اليوم ضد ثورات الربيع العربي.

فمتى يدرك الثوار الأحرار في جنبات الوطن العربي أبعاد هذه الإستراتيجية الهمجية التي تغتال الثورات وتمزق المجتمعات؟ ومتى يفهمون أن الثورة حلف أخلاقي لا أديولوجي فيوحّدون صفَّهم على كلمة سواء من العدل والحرية للجميع دون ازدواجية ولا مثنوية؟ ومتى يدركون أن الفوضى والطغيان حليفان في كل زمان ومكان؟!

 

 

الجنرال وتوبة القطوس!

 علي جماعه علي

يلزم التنويه أولا، أن القطوس هو القط، وأن الليبيين ألحقوا حرفي الواو والسين بذيل اسمه لإضفاء مزيد من الفخامة اللغوية عليه، أو هكذا يبدو. وعن القطوس، يحكي الليبيون أنه، ذات يوم، أعلن التوبة النصوح، وأراد غسل ذنوبه بالحج، ليعود قطا ورعا، مسالما، كما ولدته أمه، وكأن لم يفترس في حياته فأرا واحدا، أو لم يغافل الحاجةَ مشهية، ويسطو على قديدها في أول أيّام العيد.

تهيأ للفئران أن القط سيعود من حجه عاقلا، زاهدا في ملذات الدنيا، في انتظار الموت بضمير مرتاح، بعد أن بلغ من العمر عتيا، واشتعل منه الراْس شيبا، لذا اجتمعت، و قررت كباقي الحيوانات، الذهاب للتهنئة. فلما دخلوا عليه، وجدوه وقد غطى راْسه بقماشة بيضاء، لزوم التقوى والصلاح. وما إن هم أولهم بمصافحته، حتى انتصب جسد الحاج قطوس مثل رمح مشدود، وعرشت على الفور أذناه، فتقافزت الفئران، يمنة ويسرة، من الذعر، وسارع الحضور بالصراخ والاحتجاج، وتذكير الحاج بحجه، وتوبته التي لم يمض عليها يومان.

زمط الحاج ريقه وقال لهم، لا تخشوا شيئا، ولا تذهب بكم الظنون بعيدا، إنما هي فقط بقايا عادة “النط” القديمة.

وفي العالم العربي، بما في ذلك أرض القطوس، لدينا جنرالات لم تتخلص بعد من “نطتها ” القديمة، كلما تراءى لها كرسي الرئاسة فاتحا ذراعيه، حتى وإن حجت الى المزار الديمقراطي وعادت منه تائبة عن لعبة الانقلابات.

ففي غياب التقاليد الراسخة للديمقراطية، وهشاشة المؤسسات، وضعف آليات الحرية في المجتمع، يظل الجنرال مهجوسا بالقفز إلى كرسي الرئاسة بفضل امتلاكه سلطة الأمر على الجنود، والسلاح. لا يجد الجنرال غضاضة في ذلك، فهو فرد يعيش في مجتمع، ينشأ أطفاله على فكرة أن الحكم لا يتأتى إلا بالمغالبة وقهر الخصم، أو بنص عبارة مستشار أمني للعقيد القذافي عندما سُئل عن تعريف الثورة، أجاب بكلمات قاطعة أنها “تريس باركة على تريس” أي: “رجال تقهر وتسحق رجالا”.
ما إن يضع الجنرال مؤخرته على الكرسي، حتى تنخر راْسه وساوس الخوف من جنرال آخر يخطط بالليل لسرقة الكرسي المسروق أصلا. تلك الوساوس اليومية التي تنخر عقل الجنرال ستتحول إلى سوس ينخر ببطء ويوميا جسد الوطن والدولة، حين ستنطلق بتوجيهات الجنرال حملات القمع الاستباقي من سجن، وقتل ، ونفي المعارضين، والرشوة والمحاباة وإفساد الذمم لشراء الولاء، بما في ذلك تأسيس جيش مواز من المخبرين. تلك وغيرها من أعمال القمع والإفساد هي برنامج الجنرال اليومي لقطع طريق الإذاعة أمام الجنرال الجديد، ومن هنا يبدأ مشروع عسكرة الدولة وما جره علي العالم العربي من فساد وخراب، دفع الناس للخروج في الشارع تطالب جَهْرًا بإسقاط نظام الجنرالات المأزوم.

نجحت كثير من دول العالم في تحصين مجتمعاتها ضد متلازمة (نطة الجنرال)، أما عندنا فقد وفرت أوضاع ما بعد ثورات الربيع العربي حقنة قوية لتحفيز غدة النطة الانقلابية لدى الجنرالات، فدغدغت في نفوسهم الحنين إلى ماضي مجد العسكر التليد، غير البعيد، عندما كانت مدرعاتهم تطوي الأسفلت من الثكنة إلى القصر الجمهوري مرورا بالإذاعة حيث تتم تلاوة البيان رقم واحد مصحوبا بالموسيقى العسكرية. يا لها من مفارقة مؤلمة، حين يصبح السطو على ميكرفون البث في الإذاعة بمثابة السطو على دولة وشعب وأحلام ومستقبل.

وإذا الفئران تقافزت مذعورة من نطة الحاج “قطوس”، فإننا سنجد الفئات الأدنى ثقافة ديمقراطية والضعيفة تعليميا والمهمشة اقتصاديا قد نطت إلى حضن الجنرال في حنين طفولي بائس وساذج لثدي الاستبداد الهزيل والبغيض، فهى ترى في الجنرال أمان القوة القاهرة المجربة حتى بمظالمها ووحشيتها، في مقابل أمان قوة مؤسساتية عادلة ولكنها غير مألوفة، ومازالت في طور التشكل. وهي ترى فيه الاستبداد الذي يحافظ على الوضع القائم الساكن الراكد حتى بإخفاقاته وثقل وطأته على الصدور، في مقابل الحرية الواعدة بالتغيير نحو وضع إنساني أفضل، لكنه ملتبس في خيالها، عسير على إدراكها. كذلك فإن الجنرال يتماهى مع إرادتها الخانعة العاجزة، في مقابل الحرية التي تستحتها على النهوض والمبادرة والمشاركة والمنافسة والتغيير المستمر.

ستشجع (نطة الجنرال) كذلك قوى الفساد الجشعة للقفز في حضنه، ذلك لأنها تخشى أنظمة الشفافية والمكاشفة والمنافسة الموعودة في النظام الديمقراطي، فتتقرب من الجنرال ليحميها ويسهل أعمالها مقابل ولائها ، واستفادته من شبكة علاقاتها المصلحية، واستعدادها المجرب للتخلي عن شرفها مقابل خدمته.

ستنط في حضن الجنرال كذلك القوى الأصولية الدينية التي ترفض الانتخابات باسم الدين وتؤيد الاستبداد باسم الدين كذلك. في المنبر تدعو صباحا لجنرال “علماني” حليق الذقن،وفي ذات المنبر، تتحدث في المساء، عن عدل عمر وعن فضل إعفاء اللحية. قبل هؤلاء جميعا، سينط في حضن الجنرال، الشعراء والكتبة والصحفيين المداحين. هؤلاء السحرة سيعيدون على مسامعكم موعظتهم الأثيرة، بأن الشعب مثل قطيع أغنام يحتاج لراعٍ يعلفه ويعنفه ويحميه من شر الذئاب. لكن سحرة الجنرال لن يقولوا لنا بأن سيدهم لن يتوانى كذلك عن ذبح القطيع قربانا لوهم أمجاده، وأن الإنسان خلق ليكون خليفة الله على الأرض، و ليس بهيمة في حظيرة الحاكم.

في وسط حفلات النط الهوجاء تلك، سيتم وصم القوى المناهضة للاستبداد بالنخبة النرجسية الغارقة في الوهم، ثم تاليا وصفها بالعمالة، وسيتم تشويه مصداقيتها ، وضرب مشاريعها التنويرية، والتحريض عليها وسجنها ونفيها وحتى تصفيتها جسديا.

نصيحتي لكم، أن نحمي كرسي الرئاسة من نزق وطيش ونطة الجنرال، ذلك لا يتحقق إلا بدستور ديمقراطي يتوافق عليه الشعب، وثقافة ترسيخ الديمقراطية في المدارس والإعلام ونشاطات المجتمع المدني، وبناء مؤسسات كفؤة للفصل بين السلطات، والأهم بناء مؤسسة جيش محترفة منضبطة، تفتخر بحماية الديمقراطية، لكنها لا تتدخل في السياسة.
يجب أن نحفظ لكرسي الرئاسة شرعيته هيبته وفاعليته، بأن لا يصل إليه إلا من انتخبه الناس في منافسة شريفة عبر صندوق الانتخابات، وليس من يسطو عليه بالمدرعات في فجر الانقلاب.

إن النكوص لحكم العسكر باسم فرض الأمن ومكافحة الاٍرهاب هو لعبة خطرة، لن تفضي إلا لتكرار نفس الأخطاء التي ارتكبها العرب، أملا في الحصول على نتيجة مختلفة، وهو الجنون بعينه وأنفه. فلا تصنعوا دكتاتورا بحجة الأمن، ثم يثور عليه أبناؤكم باسم الحرية لاحقا، عندما لا تساوي قيمة الأمن، ثمن الحياة تحت عفسة دكتاتور أحمق. إن فعلتم ذلك، فأنتم تصنعون بأيديكم فتيلا لثورات دموية قادمة، بل وتتركون بقربه زيت الاشتعال الثوري، أنتم بذلك كمن يضيع وقته الثمين في صناعة دكتاتور من تمر، فإذا جاع أبناؤه التهموه.

قد يقول لكم الجنرال، لا تذهب بكم الظنون السيئة بعيدا، كما قالها الحاج قطوس للفئران المذعورة. فلا تصدقوه، إنه حقا ينوي القفز علي الكرسي، ومن ثم الاستفراد بكم، هو وحاشيته، وقهركم وإفساد حياتكم كما فعل أسلافه ، وذلك لن يتأتى للجنرال، إذا حصنتم مجتمعاتكم بالحرية وقبول التنوع الثقافي، والتعدد السياسي، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، وحكم القانون.

علي جماعه علي
 الاثنين 10 أبريل 2017