مواقف وأحداث.. من بوشاقور الى علي زيدان

 
5 س ·

مواقف وأحداث.

كل العقلاء المنصفون المتابعون للشأن الليبي اليوم يتفقون على أنّ “علي زيدان” رئيس الوزراء السابق يعتبر من أكبر النّكبات التي نُكب بها الوطن عموما وفبراير خصوصا، ولستُ في هذا المقال بصدد تعداد تلك النّكبات وعرضها، فهي ظاهرة يكاد يراها حتى الأعمى. وإنما أريد أن أتناول في هذا المقال السبب الرئيس في وصول تلك النكبة إلى كرسي رئيس الوزراء. وقد بات اليوم ظاهرا للعيان أيضا أن “تحالف القوى الوطنية” هو عبارة عن مشروع انقلابي تم الاعداد له قبل ما يُعرف بـ “اعلان التحرير” المزعوم، تقود هذا المشروع “أبو ظبي” تخطيطا ودعما وتوجيها عبر أذرع محلية باتت معروفة اليوم لدى القاصي والداني، وقد كنتُ حذّرت من هذا المشروع في مجلس يضم في جنباته الشيخ نادر العمراني رحمه وغيره من الفضلاء قبل أن يظهر للعيان، بل التصدي لهذا المشروع أخذ كل وقتي واهتمامي، عبر مشاريع كثيرة كانت سببا في تأخير ظهور الثورة المضادة على ما نراه اليوم، ولعل أحد هذه المشاريع هو موضوع مقالي هذا.

بعد ظهور نتائج انتخابات المؤتمر الوطني، وكان لـ “التحالف” نصف المقاعد تقريبا (1). صار عين “التحالف” على الحكومة، حتى يكتمل لهم السيطرة التامة على السلطتين التشريعية والتنفيذية. في هذه الأثناء كان “حزب العدالة والبناء” قد جهّز لرئاسة الوزراء الدكتور عوض البرعصي. وهو قيادي في الجماعة والحزب في آن واحد، كحال الكثير من القياديين في الحزب!، وقد كان من وجهة نظري أن هذا الخيار لم يكن موفقا لأسباب التالية:

السبب الأول: أن عوض البرعصي من جماعة الإخوان، وغالب الليبيين بما فيهم أعضاء المؤتمر الوطني عندهم تحسس شديد جدا من قضية الإخوان نتيجة الدعاية الممنهجة التي اتبعها القذافي ضد الاسلاميين عموما والاخوان خصوصا. فالذين نطمع في أصواتهم ـ أعضاء المؤتمر ـ غالبهم سيرفضون التصويت لـ “إخواني”.

السبب الثاني: وحتى لو سلمنا بفوز عوض البرعصي برئاسة الوزراء فسيكون من اليسير جدا عرقلته باعتباره “إخوانيا” سواء عبر الإعلام أو عبر الشارع، وقد وقع هذا مع “معيتيق” وهو ليس بإخواني!.

السبب الثالث: أنّ المنافس “رئيس تحالف الانقلاب” أصوات التحالف مضمونة له في المؤتمر الوطني، فلا مجال للمغامرة بالدفع بشخصية “اخوانية” لمنافسته، لاسيما والبرعصي محل جدل عند النصف الأخر، أعني غير التحالف.

السبب الرابع: أن رئيس المؤتمر الوطني “محمد المقريف” في ذلك الوقت كان من شرق ليبيا، ونحن شعب جهوي قبلي بامتياز، فرئيس الحكومة لابد أن يكون من الغرب أو الجنوب، وهذا كلام قد سمعته بأذني من العديد من أعضاء المؤتمر الوطني وليس من عندي كما يتوهم بعض من رمانا جزافا في تلك الفترة بأننا جهويين، نحن نتعاطى مع واقع موجود أمامنا ولم نكن نحن الذين نصنع ذلك الواقع، وهناك فرق بينهما كبير وواضح لمن كان له أدنى درجات التفكير.

هذه الأسباب التي جعلتني ارفض تقدم “عوض البرعصي” لمنافسة “محمود جبريل”، وهي أسباب أتحدى كل من رمانا بكل سوء ونقيصة في تلك الفترة، سواء من بعض قادة العدالة والبناء أو من الحواشي التي حولهم! أن يردّوا عليها ردّا علميا منطقيا.

قابلت العديد من قادة حزب العدالة بشأن اقناعهم بتغير رأيهم في هذا الموضوع، لكن ما فيش فائدة. هنا رأيتُ أن أبحث عن بديل يمكن أن يكون منافسا جيدا لـ “رئيس تحالف الانقلاب” ويمكن أيضا أن يجتمع عليه النصف الأخر من أعضاء المؤتمر الوطني، فكان بعد بحث وسؤال وتواصل شخصية “مصطفى أبو شاقور”. اتصلتُ به وحددت معه موعدا، وقد كنت حريصا على أن لا أكون بمفردي في هذا اللقاء، فاصطحبت معي ثلاثة من الأصدقاء، وهم عقلاء أمناء لازالوا على قيد الحياة شهود على ما أكتب، قابلنا السيد أبو شاقور وقد استمر اللقاء قرابة الساعتين كان غالب اللقاء منصب على التحقق من أنه ليس منتمي لأي جماعة أو حزب وأنه ليس له من غاية إلا خدمة الوطن والمواطن بطريقة مهنية بحتة بعيدا عن أي اجندات خاصة، ونحو ذلك، وخرجنا منه بالاتفاق التالي:

ـ سنقوم بدعمه وترشحه لرئاسة الوزراء.
ـ أن تكون حكومته بعد فوزه بعيدة كل البعد عن الأحزاب والجماعات السياسية إنما يتم اختيار شخصيات “تكنوقراط” مستقلين.
ـ أن نكون شركاء في اختيار حكومته لضمان تحقق الشرط السابق. (علّق السيد أبو شاقور على هذا البند تحديدا بقوله “هذا طبيعي جدا لا يحتاج إلى تذكير!).

وقبل انصرافنا من هذا الاجتماع، قلتُ له أن ينتظر مني اتصالا خلال يومين على اقصى تقدير، وطلبتُ منه أن يُعد برنامجه لعرضه عمّا قريب، اتصلتُ في خلال هذين اليومين بالعديد من النّخب من مختلف المناطق والتي ليس لها أي انتماء حزبي، اجتمع ما يقارب العشرين من بينهم العديد من أعضاء المؤتمر الوطني، وقد كنتُ ذكرت لهم أنني اجتمعت بـ “أبو شاقور” وخرجت بقناعة أنه خيار مناسب لهذه المرحلة، اتصلت بـ “أبو شاقور” وجاء من بعد صلاة العشاء واستمر الاجتماع إلى قبيل الفجر، وقد خرج الجميع وهو مقتنع بـ “أبوشاقور”، وبدأ الجميع في الاتصال لحشد أصوات أعضاء المؤتمر الوطني لـ “أبوشاقور”. عدتُ للعدالة والبناء بعد أن صار هناك منافسا لمرشحهم يملك عددا لا بأس به من الأصوات، واتفقنا على أننا سندفع بـ “عوض البرعصي” و “مصطفى أبو شاقور” في مواجهة “رئيس تحالف الانقلاب” فأيهما كان أكثر حظا في الأصوات، جعلنا باقي الأصوات الأخرى له، وفعلا في الجولة الأولى كانت الأصوات على النحو التالي، محمود جبريل أولا، مصطفى أبو شاقور ثانيا، عوض البرعصي ثالثا. قلنا للعدالة والبناء الان علينا ان ندعم “أبو شاقور” فغضبوا عضبا شديدا وامتنعوا، بل خرجوا من القاعة بادئ الأمر، ثم بعد ضغوط واتصالات من العديد من الأطراف وافقوا، وفاز “أبو شاقور” أخيرا برئاسة الوزراء بعد نصب وجهد كبير.

ليس الغرض من كتابة هذا المقال السرد التاريخي والبكاء على الأطلال، إنما أردت أن أقول التالي:

1ـ أول قرار اتخذه رئيس الوزراء الجديد هو قطع أي اتصال بي، وعدم الرد على اي اتصال من طرفي! وقد يتفاجأ القارئ الكريم من هذا السلوك أليس كذلك؟ عليم الله غالب وجل من تعاملت معهم في مشاريع كبيرة ويمكن أن يكون لها غالب الأثر الإيجابي على الوطن والمواطن، أقول جلهم أو أغلبهم أول قرار يتخذونه هو قطع الطريق عني وإدارة ظهورهم نحوي، أعضاء في المؤتمر الوطني برلمانيين وزراء قادة ثوار شيوخ قبائل مثقفين وجهلة، أئمة مساجد وخطباء وحفظة قرآن، وسفلة وسوقة ومجرمين، يستوي الجميع في هذه الخصلة، وأنا والله مصدوم جدا من هذا الخُلق الغريب!.

2ـ بعد الحاح واتصال مكثف استطعت أن أقابل “رئيس الوزراء الجديد” في مكتبه ـ وكان ذلك بعد اسبوع من فوزه تقريبا! ـ وكان معي صديق مرافق لي من منطقة زاوية الدهماني ولايزال حيّا شاهدا على هذا اللقاء، فأول ما دخلت مكتبه وقبل أن أجلس قال “أبوشاقور” مخاطبا صاحبي “أنا لولا هذا الرجل ـ يشير إليّ ـ ما جلستُ في هذا الكرسي”. أراد أبو شاقور أن يمازحني حتى يصرفني عن لومه بعدم وفاءه بعهده الذي قطعه على نفسه، تبسمت تبسم المُغضب، وجلسنا لبعض الوقت، فلم أجد “أبو شاقور” الذي قابلناه أول مرة، خرجت من عنده، وما هو إلا أيام حتى أعلن عن حكومته التي لا علم لنا بها إلا بعد إعلانها، وكانت كما لا يخفى على الجميع حكومة الأقارب والأصدقاء ورفقاء الهجرة!.

3ـ تحالف “التحالف مع العدالة والبناء” وتم اسقاط “أبو شاقور” وتولى رئاسة الوزراء “علي زيدان” مُرشح الانقلابيين والمدعوم من “أبوظبي”، وسقط الوطن في قاع لايزال يهوي فيه إلى ساعة كتابة هذه الأسطر.

4ـ مصطفى أبو شاقور والعدالة والبناء هم من كانوا وراء هذه النكبة، وهم الذين تسببوا في كل ما جرى بعد علي زيدان من مآسي وأحداث مؤلمة، من تغول الانقلابيين ونحو ذلك، ومع ذلك لايزال “ابو شاقور والعدالة والبناء” يقدمون أنفسهم على أنهم الخيار الوطني وعلى أنهم يسعون لمصلحة الوطن، فشاركوا في “اتفاق الصخيرات” الذي يكتوي منه الوطن غصص وويلات.

5ـ يتهمنا البعض بأننا لسنا أصحاب مشاريع ولا رؤى ولا بدائل، ويعلم الله أننا قدمنا مشاريع كبيرة، ربما يأتي الحديث عنها لاحقا، ولكن بعض من يدّعي الوطنية، وبعض من يدّعي المرجعية الاسلامية يقومون بمحاربتها، لأن هذه البدائل لا تتوافق مع رؤيتهم ورؤية أحزابهم، وحسبك تجربة أبو شاقور دليلا.

6ـ إحدى المواقف الطريفة، أو المضحكة المبكية، أن عضو قيادي كبير في العدالة والبناء اتصل بي الليلة التي تسبق التصويت على رئيس الوزراء، ودار بيني وبينه حديث طويل، ثم أردت أن أوكد عليه قضية أن نقف جميعا ضد “تحالف الانقلاب” فأكد موافقته، وأنه ليس لهم من غرض ولا مطمع في الوزارات، ثم لما تقدم أبو شاقور على البرعصي، اتصلت به ظنا مني أن بيننا عهود ومواثيق، فرد علي مغضبا جدا، وقال نحن ليس مرشحنا أبو شاقور، فقلت له، أما قلتَ لي البارحة أنك ليس لكم أي مطمع في الوزارات، فوالله رد عليّ بالحرف الواحد وبصوت مرتفع جدا يكاد يميز من الغيض “تي كيف ما نبوش وزارات!! امالا علاش مأسسين حزب؟!” وأظنه الان يبتسم وهو يقرأ كلماتي هذه، وهو لايزال صديق بيني وبينه احترام ومودة، لكن في تلك اللحظة أخذته الحمى الحزبية وتحرّكت فيه النزعة السلطوية! وحبّ السلطة فطرة مغروزة في بني آدم!.

أخيرا، ليس غرضنا في هذا المقال التّعرض لشخص “أبوشاقور” أو غيره، فليس بيني وبينه خلاف شخصي، إنما هو شخصية عامة يتعاطى الشأن العام، وكما لا يخفى الشأن العام الليبي اليوم في أسوأ أحواله، ويكتوي المواطن البسيط من تأزم هذا الشأن، في أمنه وقوت يومه وصحته ونحو ذلك، فمن حق المواطن الليبي أن نضعه في الصورة، وأن نبين له بعض أسباب الأزمات، بكل مصداقية وموضوعية، ونعوذ بالله من أن نقول على مسلم ما ليس فيه، والله إننا لا نجيز أن نقول الكذب حتى على أمثال “ليون” و “كوبلر” فكيف بمسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ولكن الأمانة التاريخية تستدعي وضع النقاط على الحروف، وإلى اللقاء مع موقف أخر وشخصية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ والنصف الآخر كنا سببا في وجود كثير منه بفضل الله، وهذه قصة أخرى تحتاج إلى توثيق أيضا لعلنا نأتي عليها في مقال أخر، وهي قصة لا تقل مرارة عن قصة ابوشاقور وموقفه.

Advertisements