أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

 

    قد لا يدرك الإخوان المسلمون أنهم انتصروا وحان الوقت لأن يتخلوا عن تنظيمهم الذي بات يؤرق بعض قادة المنطقة. لقد بات “الإسلام السياسي” اختياراً شعبياً لشريحة معتبرة من أي مجتمع مسلم، ولا يحول بينه وبين الحكم أو المشاركة فيه إلا توفر الديمقراطية، بالتالي ليتهم يرفعون شعار “الديمقراطية هي الحل” مثلما رفعوا يوماً شعار “الإسلام هو الحل”.

    صعب عليهم أن يتخلوا عن الاسم، فذاك مثل أن تقول لشركة كوكاكولا أن تتخلى عن اسمها التجاري الذي يساوي وحده مليارات. ولكن ماذا لو دعوتهم للتخلي عن السياسة؟ لقد أثبتت التجربة أن قادة الإخوان لا يحسنونها، حتى ذهب صديق كان يوماً من الإخوان إلى القول “لو كنت مفتياً يُسمع له لأفتيت بحرمانية ممارسة الإخوان للسياسة”. قائل هذه الجملة سياسي سوري يخدم قضية بلاده ولكنّه لم يعد يحتمل ممارسة “شيوخ” الإخوان للسياسة.

   ليس وحده، فمثله كُثر وغالبيتهم كانوا إخواناً وتركوا التنظيم، ولكن لم يتخلوا عن الفكرة الإسلامية.

   أوافقه في ذلك، ولديّ دليلان على كارثية ممارسة الإخوان للسياسة، ما كلّفهم، بل كلّف الأمة ومسيرتها نحو الديمقراطية والعدالة الكثير.

 

   عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، انقلبت أحوال العرب والمسلمين رأساً على عقب ومعهم الإخوان بشتى تفرعاتهم العربية والإسلامية. لم تكن أوضاعهم سيئة كما هي اليوم. كانوا يتمتعون بقدر من الحرية وقدر أهم من العلاقات مع حكومات المنطقة أهمها مع السعودية التي كانت حليفاً تاريخياً لهم منذ أيام الراحل الملك فيصل.

   كان ينبغي على الإخوان الحفاظ على هذا الحلف مهما كلّف الأمر، ولكنهم تعاملوا مع أزمة غزو الكويت وما تبعها من استعانة السعودية بالقوات الأمريكية تعامل كاتب المقال وليس السياسي! ما الفرق؟

   كاتب المقال لا يهتم بنتيجة مقاله. إنه يريد تسجيل موقف. وبالطبع لم يكن مشهد القوات الأمريكية وهي تحتشد على أراضي جزيرة العرب مريحاً. حتى الملك الراحل فهد وإخوته من حوله قبلوه على مضض. كان على الإخوان أن يغلِّبوا السياسة والمصلحة ولكنهم حاولوا إمساك العصا من الوسط، فشجبوا احتلال الكويت ووقفوا ضد السبيل الوحيد لتحريرها ووقْف صدام من التوسع إلى ما بعدها، وهو الاستعانة بالقوات الأمريكية. ذلك الموقف أدى إلى خسارتهم أهم حليف لهم ولا يزالون يدفعون كلفته حتى الآن.

    الخطأ الكارثي الثاني هو أداؤهم بعد وصولهم إلى السلطة في مصر، في أول انتخابات حرة ديمقراطية تشهدها أكبر دولة عربية. مرة أخرى كان عليهم الحفاظ على الديمقراطية هناك مهما كلفهم الأمر، حتى ولو كان الثمن ترك السلطة، وهم الأحق بها وفق قواعد صناديق الاقتراع في ديمقراطية هشة. ولكنهم اتخذوا مرة أخرى موقف “كاتب المقال” المعني بالموقف المبدئي والحق، لا السياسي المدرك للواقع.

   النتيجة كانت ضياع الديمقراطية في مصر وضياع الثورة التاريخية التي كان يمكن أن تغيّر قدر العالم العربي كله وليس مصر فقط، الثورة التي جاءت في لحظة نادرة في مسعى لطالما حلمت به مصر وأحرارها منذ عشرات السنين. تكلفة ذلك الموقف باهظة على الإخوان اذ أعادتهم وشبابهم إلى السجن والقمع، مبددين فرصة للدعوة في أجواء حرة كانت لوحدها تستحق الحماية حتى لو لم يكونوا في السلطة، ناهيك عن مقتل آلاف من أنصارهم.

   سيصرخ أحدهم الآن: ماذا عن الجيش؟ ماذا عن الانقلاب؟ لماذا لا تحمّله المسؤولية؟ أولئك فعلوا ما يحسنونه، وماذا تحسن غالبية جيوش الجمهوريات العربية غير الانقلاب وقمع الشعب والاستحواذ على السلطة؟ الإخوان هم الذين لم يفعلوا ما كان ينبغي أن يحسنونه وهو حسن التدبير والحفاظ على الثورة والحرية والديمقراطية.

   السياسة مهنة لها أهلها المختصون بها، هم الذين يناورون، ويتلاقون مع خصومهم في منتصف الطريق، هم الذين يرون عواقب “المواقف” ومستعدون لتغييرها وفق المصلحة، فلا يكونون كتّاب مقالات وشعراء حماسة وخطباء على المنابر.

   لو ترك “شيوخ” الإخوان ودعاتهم السياسة، سيكونون صانعي الملوك. في الديمقراطية، يبحث السياسي عمّن يدعمه، والجميع يعلم قوة الإخوان. حصل ذلك بعد الثورة. اصطف خصوهم أمام بابهم، وحرص سفراء دول تبغضهم على تصدر حفلهم الرمضاني السنوي المعتاد.

   لقد حان الوقت لأن يدركوا أنهم انتصروا بعد نضال 90 عاماً. ففي أوائل القرن الماضي، كانت مهمتهم التصدي للتغريب الذي اكتسح العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة والدولة العثمانية. اتفقت النخب التي تصدّرت المشهد وقتذاك على أنّ المشكلة تكمن في مرجعية الإسلام السياسية، وعلينا لننهض أخذ حضارة الغرب بخيرها وشرها، والفصل بين “المسجد” والدولة، ليبقى الإسلام في المساجد ولكن ليُخرج تماماً من السياسة. كمال أتاتورك كان نموذجاً، وتمادى في ذلك في بلاده المولودة من جديد. كان هناك “أتاتيرك” كُثر في عالمنا أرادوا الاقتداء به. تصدى الإخوان في سنيّهم الأولى لذلك ونجحوا، ولكن لم ينتصروا.

 

    في الستينيات، جاءت موجة أعتى قادها عسكر صغار السن والعقل معاً، التفّ حولهم اليسار، فكانت الشيوعية والاشتراكية هي الرائجة. طرح هؤلاء ما هو أدهى: إلغاء الإسلام كمرجعية اجتماعية وليس سياسية فقط. ساد التخفف من الدين اجتماعياً. اليوم كل مَن أراد انتقاد العودة إلى الدين، يبحث عن صورة لطالبات جامعة القاهرة بالجونلات (التنانير) القصيرة، متحسراً: انظر كيف كنا منفتحين مستنيرين، ثم يعقّب بصورة لنفس الجامعة وقد انتشر فيها الحجاب. تحالفوا وقتها مع الراحل الملك السعودي فيصل وانتصروا معاً، وعاد الإسلام قوياً كمرجعية اجتماعية وظلَّ مغيّباً سياسياً.

   اتفقت جمهوريات العسكر العربية ذات الواجهة الديمقراطية التقدمية المشوّهة على حظر الإسلام من ممارسة السياسة بزعم “حظر الأحزاب الدينية”، ولكن استمر الإخوان بالدعوة ونشر فكرتهم. انفجرت الثورة وجاءت الديمقراطية كاملة في مصر وتونس، وأٌزيل ذلك الحظر غير الديمقراطي على مضض، ليس من قبل العسكر الذين خسروا المعركة مؤقتاً فقط، ولكن حتى من القوى المدنية التي تزعم أنها ليبرالية. شارك الإخوان وغيرهم من القوى الإسلامية في الانتخابات بمصر وتونس (حتى ليبيا) فاكتسحوا. حصدوا ثمار دعوتهم، وتأكد للجميع أنّ ثمة شريحة هائلة في المجتمعات العربية ستعطي دوماً صوتها للإسلاميين. هذه الشريحة لا تزال موجودة ولكن يحول بينها وبين الحكم أو المشاركة فيه بمصر وجود نظام عسكري متفرد بالسلطة، رأينا كيف أدار انتخابات هزلية مؤخراً.

   لذلك ليعلن الإخوان، رغم جراحهم وآلامهم، أنهم انتصروا، ثم ليتنحوا عن السياسة، لتسهيل مهمة عودة مصر وبعض العالم العربي إلى ديمقراطية تعددية، فسوف يكون هناك حزب سياسي ما تتجمع حوله أصوات تلك الشريحة الملتزمة بإعطاء صوتها للإسلاميين، شيء ما مثلما تبلور بعد خبرة وممارسة وحكمة في تونس والمغرب وتركيا، حزب واقعي يمارس السياسة لا الخطابة.

 

Advertisements

خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

 

    في العاصمة النرويجية، حضرت منتدى أوسلو للحرية، منتدى يودي بك إلى السجن إن كنت قادماً من عالمنا، وعائداً إليه، فهو يحتفي بالمعارضة والاحتجاجات والحريات وحقوق الإنسان. هنا يصفقون للمعارض، ويقفون له احتراماً وتضامناً، كلما كانت قصته أكثر إيلاماً وأبلغ وقعاً.

    هنا يصفّقون لنفس المعارض الذي يريد الحاكم في عالمنا أن نراه خائناً وعميلاً للغرب، الغرب الذي يقف على بابه كل الحكام العرب ويبتغون رضاه ويتجملون صدقاً وكذباً من أجله. يحق للحكام كل شيء ولكن لا يجوز لمواطن يريد ممارسة حريته أن يفعل مثلهم ويلقي كلمة هناك يعرض فيها “وجهة نظره”، مجرد “وجهة نظر”!

    جلّ مَن حضروا المنتدى جاءوا من شتى سجون العالم، وعاشوا تجربة السجن الأليمة وكأنها قدر محتوم لكل صاحب رأي مؤمن بالحرية. ليتهم يعقدون ورشة عمل في دورة قادمة للمنتدى يقارنون فيها بين سجون أوطانهم، أيها الأسوأ، وأيها الأفضل؟

   هل هناك سجن سياسي جيّد؟ السياسي في عرف الحاكم خائن، والخائن لا يستحق الحياة، فلمَ يحصل على معاملة جيدة؟ وإن حصل على ذلك، فهذا تكرّم من الحاكم يُشكَر عليه!

    تذكرت حديث الصديق علي الشهابي، مؤسس “أرابيا فاونديشن” في واشنطن، والموكلة إليه مهمة تلميع صورة بلادي هناك. شاركته في برنامج تلفزيوني، وسأله المقدم: ماذا سيحل بجمال لو عاد إلى الوطن؟ بكل اطمئنان رد ممتدحاً السجون ببلادنا قائلاً إنها “رحيمة وأفضل من غيرها في الشرق الأوسط”.

     علي مثقف مطلع وسمع بالتأكيد غير مرة بحقوق الإنسان، فهو قد نشأ هنا في النرويج التي تفتخر برعاية هذا المنتدى سنوياً منذ عشرة أعوام. هذا العام، افتتحت المنتدى وزيرة الخارجية وتحدث فيه أكثر من مسؤول. هم يرون، وقد ارتقوا إلى موقع متقدم في سلم الحريات والحقوق الإنسانية، أن لديهم مهمة عالمية بنشر هذه الرحمة في دولنا البائسة. جزاهم الله خيراً.

    أما صديقي علي، فهو يقوم بوظيفته، كفاني الله شر سجوننا الرحيمة.

   حضرت المنتدى، كصحافي، وليس كناشط، إذ أريد أن أحافظ على هويتي الأولى التي أفخر بها، “صحافي” ينقل ما يرى ويعبّر بمقالاته عما يعتقد به، ولا أعيب على الناشطين نشاطهم، فهذا حقهم ولولا غاندي ومانديلا ومن قبلهم أصحاب كل رسالة لما تحررت أمم ولا عقول. من أجمل ما سمعت يوماً أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أصلها، دعوة حرية واختيار.

    في هذا الزمن الغلط، لا يتردد مثقف عربي في امتداح السجون، أو نشر مقال ضد الربيع العربي، ويحرق آخر كل تاريخه وكتبه الممنوعة فيقول: “نحن غير جاهزين للديمقراطية والحريات”. بات هذا الخطاب مهيمناً “بقوة السلطان” في عالمنا.

   هنا في أروقة المؤتمر في أوسلو، ستسمع أفكاراً باتت غريبة على مسامعنا، مثاليات حول الحرية والنضال والحقوق، ستثير سخرية عربي هُزم فبات حكومياً يسبّح بحمد السلطان، وعندما يسمع مواطناً يخطب من على مسرح “دت نورسكي” عن حال الحرية في بلده ويرفع صوته مطالباً بحقوقه، سيراه حالماً ومزايداً، سيصرخ فيه “عاملّي مانديلا! هل تعتقد أن الحرية ستطعمك؟ أنت تريد الفوضى!”.

 

    ولكن مشاعر الحرية وآمالها حاضرة فينا، يخفيها ويدفنها القمع والخوف وتظهر مع أول تباشير الحرية والانعتاق من الاستبداد. هل تذكرون كيف كان المصري والسوري واليمني في بداية ثوراتهم السلمية، المصري خصوصاً لأنه عاش حصة طيبة من الحرية امتدت لنحو عامين كاملين؟ لم يحتج المصري إلى مَن يشرح له الحرية ويدرّبه عليها. لقد حضرت فيه بسرعة ذلك أنها فطرة الإنسان.

    أذكر أنني أمضيت أسبوعاً في مصر عقب انتصار الثورة. كنت يومها أعيش قصة حب وزاوج جديدين، لم يعمّر كلاهما وانقضيا مثل ربيع الديمقراطية المصرية قصير الأجل. وقتها كانت مصر تعيش هي الأخرى قصة حبها مع الحرية والتي لم تعمّر طويلاً. الحب والحرية يحتاجان استعداداً وبذلاً وعطاءً يحمونهما من تداعيات لحظة انتهاء “النشوة” وإدراك الحقائق المجردة الجافة. ولكنها كانت أسعد الأوقات لكلينا. كان الناس غير الناس الآن في القاهرة. كانوا يتعاملون مع الحرية وكأنهم استعادوها من جديد وحرروها من محتل اغتصبها لألف عام.

     زرت مكتبة الشروق في الدقي. في الطابق الثاني كان أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة المعتز بالله عبد الفتاح يحاضر عن الديمقراطية والانتخابات. تحلق من حوله شباب وشابات امتلأ بهم المكان. جلسوا على الأرض وانسابوا على الدرج يستمعون إليه بإعجاب واهتمام. لعلّ بعضهم كان يفكّر كيف سيخطط لانتخابات ينافس فيها. لم يكن يحلم. كان ذلك في متناول يده يومها.

 

    اليوم تفرّق هؤلاء الشباب بين معتقل ومهاجر ومحبط وربما قتيل لم يحتفِ به أحد ويضمه إلى قائمة شهداء مثل شهداء ثورة يناير الذين كانوا يومها ملء السمع والبصر، يتذكرهم المصري بفخر، بعد أن ضحوا بشجاعة من أجل أن ينعم غيرهم بحريته.

    حتى معتز تغيّر. أعجبني حديثه ليلتها فبحثت عن مقالاته فوجدته مفكراً سياسياً حراً. طلبت منه أن يشرّفني ويقدم كتابي “ربيع العرب زمن الإخوان” والذي نشرته قبيل انقلاب 2013. ولكنه انهار لاحقاً، وتخلى عن كل القيم التي كان يؤمن بها وأضحى يبرر للانقلاب. ليس وحده، فكثيرون مثله ممن آمنوا بالربيع العربي تخلوا عنه عندما رأوا حكوماتهم تسفر عن وجهها الحقيقي الرافض له. رأوا أين الريح ماضية فآثروا السلامة والكسب ومضوا خلفها. حتى الصمت لم يستطيعوه.

    بعضهم مسح تغريداته متمنياً ألا يتذكرها أحد. البعض الآخر كان وقحاً (أو صادقاً على الأقل مع نفسه) وقال إنه غيّر موقفه بعدما تبيّن له أن “الربيع العربي أمر دبر بليل”. هؤلاء هم أيضاً ضحايا، يستحقون محاضرة يوماً ما في منتدى أوسلو للحرية عنوانها “لماذا ينهار البعض ويخون قضيته؟”، تناقش إذا ما كانوا يشعرون بألم وخجل؟ وهل تهكمهم وهجومهم على الحرية وأشخاصها جزء من العلاج الذي يخلصهم من مشاعر الندم والنكوص؟ هل هو المال والخوف من الإقصاء؟ نحتاج أن نفهمهم، فهم أيضاً ضحايا.