خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

 

    في العاصمة النرويجية، حضرت منتدى أوسلو للحرية، منتدى يودي بك إلى السجن إن كنت قادماً من عالمنا، وعائداً إليه، فهو يحتفي بالمعارضة والاحتجاجات والحريات وحقوق الإنسان. هنا يصفقون للمعارض، ويقفون له احتراماً وتضامناً، كلما كانت قصته أكثر إيلاماً وأبلغ وقعاً.

    هنا يصفّقون لنفس المعارض الذي يريد الحاكم في عالمنا أن نراه خائناً وعميلاً للغرب، الغرب الذي يقف على بابه كل الحكام العرب ويبتغون رضاه ويتجملون صدقاً وكذباً من أجله. يحق للحكام كل شيء ولكن لا يجوز لمواطن يريد ممارسة حريته أن يفعل مثلهم ويلقي كلمة هناك يعرض فيها “وجهة نظره”، مجرد “وجهة نظر”!

    جلّ مَن حضروا المنتدى جاءوا من شتى سجون العالم، وعاشوا تجربة السجن الأليمة وكأنها قدر محتوم لكل صاحب رأي مؤمن بالحرية. ليتهم يعقدون ورشة عمل في دورة قادمة للمنتدى يقارنون فيها بين سجون أوطانهم، أيها الأسوأ، وأيها الأفضل؟

   هل هناك سجن سياسي جيّد؟ السياسي في عرف الحاكم خائن، والخائن لا يستحق الحياة، فلمَ يحصل على معاملة جيدة؟ وإن حصل على ذلك، فهذا تكرّم من الحاكم يُشكَر عليه!

    تذكرت حديث الصديق علي الشهابي، مؤسس “أرابيا فاونديشن” في واشنطن، والموكلة إليه مهمة تلميع صورة بلادي هناك. شاركته في برنامج تلفزيوني، وسأله المقدم: ماذا سيحل بجمال لو عاد إلى الوطن؟ بكل اطمئنان رد ممتدحاً السجون ببلادنا قائلاً إنها “رحيمة وأفضل من غيرها في الشرق الأوسط”.

     علي مثقف مطلع وسمع بالتأكيد غير مرة بحقوق الإنسان، فهو قد نشأ هنا في النرويج التي تفتخر برعاية هذا المنتدى سنوياً منذ عشرة أعوام. هذا العام، افتتحت المنتدى وزيرة الخارجية وتحدث فيه أكثر من مسؤول. هم يرون، وقد ارتقوا إلى موقع متقدم في سلم الحريات والحقوق الإنسانية، أن لديهم مهمة عالمية بنشر هذه الرحمة في دولنا البائسة. جزاهم الله خيراً.

    أما صديقي علي، فهو يقوم بوظيفته، كفاني الله شر سجوننا الرحيمة.

   حضرت المنتدى، كصحافي، وليس كناشط، إذ أريد أن أحافظ على هويتي الأولى التي أفخر بها، “صحافي” ينقل ما يرى ويعبّر بمقالاته عما يعتقد به، ولا أعيب على الناشطين نشاطهم، فهذا حقهم ولولا غاندي ومانديلا ومن قبلهم أصحاب كل رسالة لما تحررت أمم ولا عقول. من أجمل ما سمعت يوماً أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أصلها، دعوة حرية واختيار.

    في هذا الزمن الغلط، لا يتردد مثقف عربي في امتداح السجون، أو نشر مقال ضد الربيع العربي، ويحرق آخر كل تاريخه وكتبه الممنوعة فيقول: “نحن غير جاهزين للديمقراطية والحريات”. بات هذا الخطاب مهيمناً “بقوة السلطان” في عالمنا.

   هنا في أروقة المؤتمر في أوسلو، ستسمع أفكاراً باتت غريبة على مسامعنا، مثاليات حول الحرية والنضال والحقوق، ستثير سخرية عربي هُزم فبات حكومياً يسبّح بحمد السلطان، وعندما يسمع مواطناً يخطب من على مسرح “دت نورسكي” عن حال الحرية في بلده ويرفع صوته مطالباً بحقوقه، سيراه حالماً ومزايداً، سيصرخ فيه “عاملّي مانديلا! هل تعتقد أن الحرية ستطعمك؟ أنت تريد الفوضى!”.

 

    ولكن مشاعر الحرية وآمالها حاضرة فينا، يخفيها ويدفنها القمع والخوف وتظهر مع أول تباشير الحرية والانعتاق من الاستبداد. هل تذكرون كيف كان المصري والسوري واليمني في بداية ثوراتهم السلمية، المصري خصوصاً لأنه عاش حصة طيبة من الحرية امتدت لنحو عامين كاملين؟ لم يحتج المصري إلى مَن يشرح له الحرية ويدرّبه عليها. لقد حضرت فيه بسرعة ذلك أنها فطرة الإنسان.

    أذكر أنني أمضيت أسبوعاً في مصر عقب انتصار الثورة. كنت يومها أعيش قصة حب وزاوج جديدين، لم يعمّر كلاهما وانقضيا مثل ربيع الديمقراطية المصرية قصير الأجل. وقتها كانت مصر تعيش هي الأخرى قصة حبها مع الحرية والتي لم تعمّر طويلاً. الحب والحرية يحتاجان استعداداً وبذلاً وعطاءً يحمونهما من تداعيات لحظة انتهاء “النشوة” وإدراك الحقائق المجردة الجافة. ولكنها كانت أسعد الأوقات لكلينا. كان الناس غير الناس الآن في القاهرة. كانوا يتعاملون مع الحرية وكأنهم استعادوها من جديد وحرروها من محتل اغتصبها لألف عام.

     زرت مكتبة الشروق في الدقي. في الطابق الثاني كان أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة المعتز بالله عبد الفتاح يحاضر عن الديمقراطية والانتخابات. تحلق من حوله شباب وشابات امتلأ بهم المكان. جلسوا على الأرض وانسابوا على الدرج يستمعون إليه بإعجاب واهتمام. لعلّ بعضهم كان يفكّر كيف سيخطط لانتخابات ينافس فيها. لم يكن يحلم. كان ذلك في متناول يده يومها.

 

    اليوم تفرّق هؤلاء الشباب بين معتقل ومهاجر ومحبط وربما قتيل لم يحتفِ به أحد ويضمه إلى قائمة شهداء مثل شهداء ثورة يناير الذين كانوا يومها ملء السمع والبصر، يتذكرهم المصري بفخر، بعد أن ضحوا بشجاعة من أجل أن ينعم غيرهم بحريته.

    حتى معتز تغيّر. أعجبني حديثه ليلتها فبحثت عن مقالاته فوجدته مفكراً سياسياً حراً. طلبت منه أن يشرّفني ويقدم كتابي “ربيع العرب زمن الإخوان” والذي نشرته قبيل انقلاب 2013. ولكنه انهار لاحقاً، وتخلى عن كل القيم التي كان يؤمن بها وأضحى يبرر للانقلاب. ليس وحده، فكثيرون مثله ممن آمنوا بالربيع العربي تخلوا عنه عندما رأوا حكوماتهم تسفر عن وجهها الحقيقي الرافض له. رأوا أين الريح ماضية فآثروا السلامة والكسب ومضوا خلفها. حتى الصمت لم يستطيعوه.

    بعضهم مسح تغريداته متمنياً ألا يتذكرها أحد. البعض الآخر كان وقحاً (أو صادقاً على الأقل مع نفسه) وقال إنه غيّر موقفه بعدما تبيّن له أن “الربيع العربي أمر دبر بليل”. هؤلاء هم أيضاً ضحايا، يستحقون محاضرة يوماً ما في منتدى أوسلو للحرية عنوانها “لماذا ينهار البعض ويخون قضيته؟”، تناقش إذا ما كانوا يشعرون بألم وخجل؟ وهل تهكمهم وهجومهم على الحرية وأشخاصها جزء من العلاج الذي يخلصهم من مشاعر الندم والنكوص؟ هل هو المال والخوف من الإقصاء؟ نحتاج أن نفهمهم، فهم أيضاً ضحايا.

Advertisements