أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

أيها الإخوان ما لكم وللسياسة؟

 

    قد لا يدرك الإخوان المسلمون أنهم انتصروا وحان الوقت لأن يتخلوا عن تنظيمهم الذي بات يؤرق بعض قادة المنطقة. لقد بات “الإسلام السياسي” اختياراً شعبياً لشريحة معتبرة من أي مجتمع مسلم، ولا يحول بينه وبين الحكم أو المشاركة فيه إلا توفر الديمقراطية، بالتالي ليتهم يرفعون شعار “الديمقراطية هي الحل” مثلما رفعوا يوماً شعار “الإسلام هو الحل”.

    صعب عليهم أن يتخلوا عن الاسم، فذاك مثل أن تقول لشركة كوكاكولا أن تتخلى عن اسمها التجاري الذي يساوي وحده مليارات. ولكن ماذا لو دعوتهم للتخلي عن السياسة؟ لقد أثبتت التجربة أن قادة الإخوان لا يحسنونها، حتى ذهب صديق كان يوماً من الإخوان إلى القول “لو كنت مفتياً يُسمع له لأفتيت بحرمانية ممارسة الإخوان للسياسة”. قائل هذه الجملة سياسي سوري يخدم قضية بلاده ولكنّه لم يعد يحتمل ممارسة “شيوخ” الإخوان للسياسة.

   ليس وحده، فمثله كُثر وغالبيتهم كانوا إخواناً وتركوا التنظيم، ولكن لم يتخلوا عن الفكرة الإسلامية.

   أوافقه في ذلك، ولديّ دليلان على كارثية ممارسة الإخوان للسياسة، ما كلّفهم، بل كلّف الأمة ومسيرتها نحو الديمقراطية والعدالة الكثير.

 

   عندما غزا صدام حسين الكويت عام 1990، انقلبت أحوال العرب والمسلمين رأساً على عقب ومعهم الإخوان بشتى تفرعاتهم العربية والإسلامية. لم تكن أوضاعهم سيئة كما هي اليوم. كانوا يتمتعون بقدر من الحرية وقدر أهم من العلاقات مع حكومات المنطقة أهمها مع السعودية التي كانت حليفاً تاريخياً لهم منذ أيام الراحل الملك فيصل.

   كان ينبغي على الإخوان الحفاظ على هذا الحلف مهما كلّف الأمر، ولكنهم تعاملوا مع أزمة غزو الكويت وما تبعها من استعانة السعودية بالقوات الأمريكية تعامل كاتب المقال وليس السياسي! ما الفرق؟

   كاتب المقال لا يهتم بنتيجة مقاله. إنه يريد تسجيل موقف. وبالطبع لم يكن مشهد القوات الأمريكية وهي تحتشد على أراضي جزيرة العرب مريحاً. حتى الملك الراحل فهد وإخوته من حوله قبلوه على مضض. كان على الإخوان أن يغلِّبوا السياسة والمصلحة ولكنهم حاولوا إمساك العصا من الوسط، فشجبوا احتلال الكويت ووقفوا ضد السبيل الوحيد لتحريرها ووقْف صدام من التوسع إلى ما بعدها، وهو الاستعانة بالقوات الأمريكية. ذلك الموقف أدى إلى خسارتهم أهم حليف لهم ولا يزالون يدفعون كلفته حتى الآن.

    الخطأ الكارثي الثاني هو أداؤهم بعد وصولهم إلى السلطة في مصر، في أول انتخابات حرة ديمقراطية تشهدها أكبر دولة عربية. مرة أخرى كان عليهم الحفاظ على الديمقراطية هناك مهما كلفهم الأمر، حتى ولو كان الثمن ترك السلطة، وهم الأحق بها وفق قواعد صناديق الاقتراع في ديمقراطية هشة. ولكنهم اتخذوا مرة أخرى موقف “كاتب المقال” المعني بالموقف المبدئي والحق، لا السياسي المدرك للواقع.

   النتيجة كانت ضياع الديمقراطية في مصر وضياع الثورة التاريخية التي كان يمكن أن تغيّر قدر العالم العربي كله وليس مصر فقط، الثورة التي جاءت في لحظة نادرة في مسعى لطالما حلمت به مصر وأحرارها منذ عشرات السنين. تكلفة ذلك الموقف باهظة على الإخوان اذ أعادتهم وشبابهم إلى السجن والقمع، مبددين فرصة للدعوة في أجواء حرة كانت لوحدها تستحق الحماية حتى لو لم يكونوا في السلطة، ناهيك عن مقتل آلاف من أنصارهم.

   سيصرخ أحدهم الآن: ماذا عن الجيش؟ ماذا عن الانقلاب؟ لماذا لا تحمّله المسؤولية؟ أولئك فعلوا ما يحسنونه، وماذا تحسن غالبية جيوش الجمهوريات العربية غير الانقلاب وقمع الشعب والاستحواذ على السلطة؟ الإخوان هم الذين لم يفعلوا ما كان ينبغي أن يحسنونه وهو حسن التدبير والحفاظ على الثورة والحرية والديمقراطية.

   السياسة مهنة لها أهلها المختصون بها، هم الذين يناورون، ويتلاقون مع خصومهم في منتصف الطريق، هم الذين يرون عواقب “المواقف” ومستعدون لتغييرها وفق المصلحة، فلا يكونون كتّاب مقالات وشعراء حماسة وخطباء على المنابر.

   لو ترك “شيوخ” الإخوان ودعاتهم السياسة، سيكونون صانعي الملوك. في الديمقراطية، يبحث السياسي عمّن يدعمه، والجميع يعلم قوة الإخوان. حصل ذلك بعد الثورة. اصطف خصوهم أمام بابهم، وحرص سفراء دول تبغضهم على تصدر حفلهم الرمضاني السنوي المعتاد.

   لقد حان الوقت لأن يدركوا أنهم انتصروا بعد نضال 90 عاماً. ففي أوائل القرن الماضي، كانت مهمتهم التصدي للتغريب الذي اكتسح العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة والدولة العثمانية. اتفقت النخب التي تصدّرت المشهد وقتذاك على أنّ المشكلة تكمن في مرجعية الإسلام السياسية، وعلينا لننهض أخذ حضارة الغرب بخيرها وشرها، والفصل بين “المسجد” والدولة، ليبقى الإسلام في المساجد ولكن ليُخرج تماماً من السياسة. كمال أتاتورك كان نموذجاً، وتمادى في ذلك في بلاده المولودة من جديد. كان هناك “أتاتيرك” كُثر في عالمنا أرادوا الاقتداء به. تصدى الإخوان في سنيّهم الأولى لذلك ونجحوا، ولكن لم ينتصروا.

 

    في الستينيات، جاءت موجة أعتى قادها عسكر صغار السن والعقل معاً، التفّ حولهم اليسار، فكانت الشيوعية والاشتراكية هي الرائجة. طرح هؤلاء ما هو أدهى: إلغاء الإسلام كمرجعية اجتماعية وليس سياسية فقط. ساد التخفف من الدين اجتماعياً. اليوم كل مَن أراد انتقاد العودة إلى الدين، يبحث عن صورة لطالبات جامعة القاهرة بالجونلات (التنانير) القصيرة، متحسراً: انظر كيف كنا منفتحين مستنيرين، ثم يعقّب بصورة لنفس الجامعة وقد انتشر فيها الحجاب. تحالفوا وقتها مع الراحل الملك السعودي فيصل وانتصروا معاً، وعاد الإسلام قوياً كمرجعية اجتماعية وظلَّ مغيّباً سياسياً.

   اتفقت جمهوريات العسكر العربية ذات الواجهة الديمقراطية التقدمية المشوّهة على حظر الإسلام من ممارسة السياسة بزعم “حظر الأحزاب الدينية”، ولكن استمر الإخوان بالدعوة ونشر فكرتهم. انفجرت الثورة وجاءت الديمقراطية كاملة في مصر وتونس، وأٌزيل ذلك الحظر غير الديمقراطي على مضض، ليس من قبل العسكر الذين خسروا المعركة مؤقتاً فقط، ولكن حتى من القوى المدنية التي تزعم أنها ليبرالية. شارك الإخوان وغيرهم من القوى الإسلامية في الانتخابات بمصر وتونس (حتى ليبيا) فاكتسحوا. حصدوا ثمار دعوتهم، وتأكد للجميع أنّ ثمة شريحة هائلة في المجتمعات العربية ستعطي دوماً صوتها للإسلاميين. هذه الشريحة لا تزال موجودة ولكن يحول بينها وبين الحكم أو المشاركة فيه بمصر وجود نظام عسكري متفرد بالسلطة، رأينا كيف أدار انتخابات هزلية مؤخراً.

   لذلك ليعلن الإخوان، رغم جراحهم وآلامهم، أنهم انتصروا، ثم ليتنحوا عن السياسة، لتسهيل مهمة عودة مصر وبعض العالم العربي إلى ديمقراطية تعددية، فسوف يكون هناك حزب سياسي ما تتجمع حوله أصوات تلك الشريحة الملتزمة بإعطاء صوتها للإسلاميين، شيء ما مثلما تبلور بعد خبرة وممارسة وحكمة في تونس والمغرب وتركيا، حزب واقعي يمارس السياسة لا الخطابة.

 

Advertisements

خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

خواطر حول حرية العرب من أوسلو النرويجية

 

    في العاصمة النرويجية، حضرت منتدى أوسلو للحرية، منتدى يودي بك إلى السجن إن كنت قادماً من عالمنا، وعائداً إليه، فهو يحتفي بالمعارضة والاحتجاجات والحريات وحقوق الإنسان. هنا يصفقون للمعارض، ويقفون له احتراماً وتضامناً، كلما كانت قصته أكثر إيلاماً وأبلغ وقعاً.

    هنا يصفّقون لنفس المعارض الذي يريد الحاكم في عالمنا أن نراه خائناً وعميلاً للغرب، الغرب الذي يقف على بابه كل الحكام العرب ويبتغون رضاه ويتجملون صدقاً وكذباً من أجله. يحق للحكام كل شيء ولكن لا يجوز لمواطن يريد ممارسة حريته أن يفعل مثلهم ويلقي كلمة هناك يعرض فيها “وجهة نظره”، مجرد “وجهة نظر”!

    جلّ مَن حضروا المنتدى جاءوا من شتى سجون العالم، وعاشوا تجربة السجن الأليمة وكأنها قدر محتوم لكل صاحب رأي مؤمن بالحرية. ليتهم يعقدون ورشة عمل في دورة قادمة للمنتدى يقارنون فيها بين سجون أوطانهم، أيها الأسوأ، وأيها الأفضل؟

   هل هناك سجن سياسي جيّد؟ السياسي في عرف الحاكم خائن، والخائن لا يستحق الحياة، فلمَ يحصل على معاملة جيدة؟ وإن حصل على ذلك، فهذا تكرّم من الحاكم يُشكَر عليه!

    تذكرت حديث الصديق علي الشهابي، مؤسس “أرابيا فاونديشن” في واشنطن، والموكلة إليه مهمة تلميع صورة بلادي هناك. شاركته في برنامج تلفزيوني، وسأله المقدم: ماذا سيحل بجمال لو عاد إلى الوطن؟ بكل اطمئنان رد ممتدحاً السجون ببلادنا قائلاً إنها “رحيمة وأفضل من غيرها في الشرق الأوسط”.

     علي مثقف مطلع وسمع بالتأكيد غير مرة بحقوق الإنسان، فهو قد نشأ هنا في النرويج التي تفتخر برعاية هذا المنتدى سنوياً منذ عشرة أعوام. هذا العام، افتتحت المنتدى وزيرة الخارجية وتحدث فيه أكثر من مسؤول. هم يرون، وقد ارتقوا إلى موقع متقدم في سلم الحريات والحقوق الإنسانية، أن لديهم مهمة عالمية بنشر هذه الرحمة في دولنا البائسة. جزاهم الله خيراً.

    أما صديقي علي، فهو يقوم بوظيفته، كفاني الله شر سجوننا الرحيمة.

   حضرت المنتدى، كصحافي، وليس كناشط، إذ أريد أن أحافظ على هويتي الأولى التي أفخر بها، “صحافي” ينقل ما يرى ويعبّر بمقالاته عما يعتقد به، ولا أعيب على الناشطين نشاطهم، فهذا حقهم ولولا غاندي ومانديلا ومن قبلهم أصحاب كل رسالة لما تحررت أمم ولا عقول. من أجمل ما سمعت يوماً أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أصلها، دعوة حرية واختيار.

    في هذا الزمن الغلط، لا يتردد مثقف عربي في امتداح السجون، أو نشر مقال ضد الربيع العربي، ويحرق آخر كل تاريخه وكتبه الممنوعة فيقول: “نحن غير جاهزين للديمقراطية والحريات”. بات هذا الخطاب مهيمناً “بقوة السلطان” في عالمنا.

   هنا في أروقة المؤتمر في أوسلو، ستسمع أفكاراً باتت غريبة على مسامعنا، مثاليات حول الحرية والنضال والحقوق، ستثير سخرية عربي هُزم فبات حكومياً يسبّح بحمد السلطان، وعندما يسمع مواطناً يخطب من على مسرح “دت نورسكي” عن حال الحرية في بلده ويرفع صوته مطالباً بحقوقه، سيراه حالماً ومزايداً، سيصرخ فيه “عاملّي مانديلا! هل تعتقد أن الحرية ستطعمك؟ أنت تريد الفوضى!”.

 

    ولكن مشاعر الحرية وآمالها حاضرة فينا، يخفيها ويدفنها القمع والخوف وتظهر مع أول تباشير الحرية والانعتاق من الاستبداد. هل تذكرون كيف كان المصري والسوري واليمني في بداية ثوراتهم السلمية، المصري خصوصاً لأنه عاش حصة طيبة من الحرية امتدت لنحو عامين كاملين؟ لم يحتج المصري إلى مَن يشرح له الحرية ويدرّبه عليها. لقد حضرت فيه بسرعة ذلك أنها فطرة الإنسان.

    أذكر أنني أمضيت أسبوعاً في مصر عقب انتصار الثورة. كنت يومها أعيش قصة حب وزاوج جديدين، لم يعمّر كلاهما وانقضيا مثل ربيع الديمقراطية المصرية قصير الأجل. وقتها كانت مصر تعيش هي الأخرى قصة حبها مع الحرية والتي لم تعمّر طويلاً. الحب والحرية يحتاجان استعداداً وبذلاً وعطاءً يحمونهما من تداعيات لحظة انتهاء “النشوة” وإدراك الحقائق المجردة الجافة. ولكنها كانت أسعد الأوقات لكلينا. كان الناس غير الناس الآن في القاهرة. كانوا يتعاملون مع الحرية وكأنهم استعادوها من جديد وحرروها من محتل اغتصبها لألف عام.

     زرت مكتبة الشروق في الدقي. في الطابق الثاني كان أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة المعتز بالله عبد الفتاح يحاضر عن الديمقراطية والانتخابات. تحلق من حوله شباب وشابات امتلأ بهم المكان. جلسوا على الأرض وانسابوا على الدرج يستمعون إليه بإعجاب واهتمام. لعلّ بعضهم كان يفكّر كيف سيخطط لانتخابات ينافس فيها. لم يكن يحلم. كان ذلك في متناول يده يومها.

 

    اليوم تفرّق هؤلاء الشباب بين معتقل ومهاجر ومحبط وربما قتيل لم يحتفِ به أحد ويضمه إلى قائمة شهداء مثل شهداء ثورة يناير الذين كانوا يومها ملء السمع والبصر، يتذكرهم المصري بفخر، بعد أن ضحوا بشجاعة من أجل أن ينعم غيرهم بحريته.

    حتى معتز تغيّر. أعجبني حديثه ليلتها فبحثت عن مقالاته فوجدته مفكراً سياسياً حراً. طلبت منه أن يشرّفني ويقدم كتابي “ربيع العرب زمن الإخوان” والذي نشرته قبيل انقلاب 2013. ولكنه انهار لاحقاً، وتخلى عن كل القيم التي كان يؤمن بها وأضحى يبرر للانقلاب. ليس وحده، فكثيرون مثله ممن آمنوا بالربيع العربي تخلوا عنه عندما رأوا حكوماتهم تسفر عن وجهها الحقيقي الرافض له. رأوا أين الريح ماضية فآثروا السلامة والكسب ومضوا خلفها. حتى الصمت لم يستطيعوه.

    بعضهم مسح تغريداته متمنياً ألا يتذكرها أحد. البعض الآخر كان وقحاً (أو صادقاً على الأقل مع نفسه) وقال إنه غيّر موقفه بعدما تبيّن له أن “الربيع العربي أمر دبر بليل”. هؤلاء هم أيضاً ضحايا، يستحقون محاضرة يوماً ما في منتدى أوسلو للحرية عنوانها “لماذا ينهار البعض ويخون قضيته؟”، تناقش إذا ما كانوا يشعرون بألم وخجل؟ وهل تهكمهم وهجومهم على الحرية وأشخاصها جزء من العلاج الذي يخلصهم من مشاعر الندم والنكوص؟ هل هو المال والخوف من الإقصاء؟ نحتاج أن نفهمهم، فهم أيضاً ضحايا.

تسويق الزيف – (1) السيادة الوطنية

 بقلم: د. أحمد معيوف
لقد تأسست ليبيا بقرار دولي رقم 289 في العام 1949 ويقضي القرار بمنح ليبيا استقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952 م، وكُوِنت لجنة لتعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة ولتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق استقلال كامل التراب الليبي ونقل السلطة إلى حكومة ليبية مستقلة. وتم حماية مواطنيها من بطش نظام مستبد بقرار دولي رقم 1973 في العام 2011، وساعد الناتو في الإطاحة بالنظام السابق بناء على القرار السابق. وتدخل المجتمع الدولي في رعاية الحوار الليبي الذي انتج اتفاق الصخيرات بقرار دولي، وتعمل الأمم المتحدة في مساعدة بناء الدولة عن طريق بعثتتها في طرابلس بقرار دولي صادر عن مجلس الامن رقم 2009 في شهر سبتمر 2011. بناء على هذه الحقائق فإن ليبيا هي “طفل أنبوب” الأمم المتحدة، شكلت صبغياته ولعبت بالدي ان أي الذي يتجلي في مظهرها العام، وعلى قولة “القائد” “الطفل تربيه امه” استمرت الأمم المتحدة في رسم شكل الجنين الذي انتجته وأشرفت على تربيته ورعايته، لذلك فإن اكبر كذبة يسوق لها في ليبيا (ومثيلاتها من الدول) بكل مكوناتها السياسية هي كذبة السيادة الوطنية. طبعا هذا لا يعني غياب حد ادني من السيادة الوطنية تتمتع به البلدان المستقلة، يسمح بها المجتمع الدولي المهيمن لتمكين المجتمعات من النمو وتحقيق نوع من الاستقرار الذي ربما ينعكس على رفاهية مواطنيها. ولتوضيح هذه الرؤية، علينا النظر في المجتمع البشري الحديث وفي دول هي اعظم شأنا من دولنا بل دول من اعظم دول العالم قاطبة. فالعالم بعد الحربين العالميتين تشكلت دوله حسب خارطة رسمتها الامم المنتصرة، وقبلت بها الأمم المنهزمه، وأصبحت واقع للأمم التي كانت خارج لعبة الصراع، والتي كانت مناطق نفود للأمم المتصارعة (تنتمي جلها الى ما يعرف الان بدول العالم الثالث). اليابان مثلا، هي اعظم دول العالم الصناعي، خرجت من الحرب مهزومة ومحطمة بل ومحتلة للمرة الأولى في تاريخها، وقبلت بشروط الصلح مع الولايات المتحدة ودول التحالف التي فرضت عليها شروط غاية في القسوة، اجل مظاهرها قواعد عسكرية أمريكية تحميها وحرمانها من تطوير قدراتها العسكرية. استسلمت اليابان لقوات الاحتلال في 14 أغسطس 1945 عندما أعلمت الحكومة اليابانية قوات الحلفاء قبولها إعلان بوتسدام الذي ينص على إستسلام اليابان استسلاما كاملا بدون أي شروط. وفي اليوم التالي أعلن الإمبراطور هيروهيتو إستسلام اليابان غير المشروط على المذياع، وكانت المرة الأولى التي يستمع فيها الشعب الياباني لصوت إمبراطورهم، وهو اليوم الذي يعتبر آخر يوم في الحرب العالمية الثانية. في نفس اليوم قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان بتعيين الجنرال دوغلاس مكارتر قائدا أعلى لقوات التحالف للإشراف على احتلال اليابان (تماما كما تم تعين بليمر قائد عسكري في العراق عقب احتلالها من قبل الرئيس جورج بوش). كانت قوى التحالف قد اتفقت على تقسيم اليابان فيم بينها مثلما حدث في احتلال ألمانيا، إلا أنه في النهاية قام الجنرال مكارتر بمنح اليابانين حق الحكم المباشر على جزر اليابان الرئيسية، وأستثنا جزيرة أوكيناو التي أصبحت قاعدة أمريكيا حتى وقت متأخر. وقامت قوات الاحتلال بوضع الدستور الياباني وصادق البرلمان الياباني على هذا الدستور. وتضمنت الفقرة التاسعة فيه الحد من تحول اليابان إلى قوة عسكرية وتحجيم قدراتها القتالية. كما تدخلت قوات الاحتلال أيضا في الاشراف على النظام التعليمي وجعلت منه مماثل للنمط التعليمي الأمريكي. ورغم ان الاحتلال الأمريكي لليابان انتهى رسميا بتوقيع معاهدة سان فرنسيسكو في نهاية العام 1951، الا ان الوجود العسكري الأمريكي استمر حتى وقتنا الحالي، حيث يوجد ما يزيد عن 45000 جندي امريكي قبلت بهم اليابان المستقلة حسب بنود إتقافية تعاون امني مشترك بينهما. المانيا ايضا خرجت بعد الحرب بقرارات مجحفة في حقها، حيث تم تقسيمها وفرض شروط عليها لا تقل قسوة على الشروط التي كبلت القدرات العسكرية اليابانية. فقد قسمت بعد الحرب بين الاتحاد السوفيتي وامريكا وفرنسا وبريطانيا، واقتطعتت أجزاء من أراضيها ضمت لبولندا وفرنسا، وتشرد نحو 12 مليون ألماني كانوا يعيشون في شرق اوربا، واعتقل نحو 8 مليون الماني إستخدموا كعمال سخرة في معسكرات العمل، وضل جزء كبير منهم في المعتقلات حتى عام 1956، وقامت أمريكا وبريطانيا بإهداء مليون اسير الماني الي فرنسا استخدمتهم كعمال سخرة في مشاريعها، وفكك السوفيات المصانع الألمانية ونقلوها الى بلادهم. وتعرضت إلى اشد من ذلك قسوة وأستهانة في ما يعرف بمبدأ “إعادة تربية الالمان” الذي تجلى في اقالة 90% من جهازها القضائي وإغلاق دور النشر والمدارس وتطهير المناهج الدراسية. وقد قام الامريكان بتحجيم قدرة المانيا وذلك بتوقيف عجلة الصناعة فيها، وتحويلها أولا الى دولة زراعية في اطار ما يعرف بـ”مشروع مورجنتاو” حتى لا تتمكن من تطوير قدراتها التقنية التي قد تعمل على تطوير قدراتها الحربية، مما قد يشكل تهديدا في المستقبل، ولم يتمر مشروع مورجنتاو في النهوض بألمانيا فقام الرئيس الأمريكي روزفلت برفضه والبحث عن مشروع بديل يضمن نهضة المانيا دون ان تخرج عن نطاق سيطرة الحلفاء الغربيين، فاستفادت المانيا اسوة بالدول الاوربية بمشروع إعادة الاعمار الذي عرف بـ”مشروع مارشال” الذي وضعه وزير خارجية أمريكا جورج مارشال، والذي كان يهدف أساسا الى ربط الاقتصاد الأوربي بالاقتصاد الأمريكي للحصول على عائداته المستقبلية، وابعاد شبح الشيوعية عن دول اوربا الغربية. وفي حين استفادت المانيا الغربية من مشروع مارشال امتنع الاتحاد السوفياتي في السماح لالمانيا الشرقية بالاستفادة من المشروع، مما أدى الى تطوير قدرات الأولى. والنتيجة ان المانيا ارتهنت اقتصاديا في يد أمريكا، كذلك ارتهنت عسكريا في يد أمريكا، فقد فاق عدد الجنود الأمريكيين في القواعد الامريكية في المانيا 13000 جندي، وكانت بلدة “بومهولدر” في جنوب غرب ألمانيا نسخة مصغرة من أميركا بسبب كثافة التواجد الأمريكي فيها. ويتمتع الجنود الأمريكيين في كل الدول التي توجد بها قواعدهم بحصانة عالية، إذ لا يتم محاكمتهم عن جرائمهم الكثيرة التي يرتكبونها في الدول التي تقع فيها جرئمهم كما تنص عليه الأعراف الدولية، والذي ممكن ان يترجم بانه استهانة بالسيادة الوطنية. ليبيا، ليست كألمانيا او اليابان او كوريا الجنوبية، هي كغيرها من الدول الخارجة من عبائة الجغرافيا، لم تملى عليها شروط لانها لم تكن لاعب في صراع الأمم، خرجت بعد الحرب بالخارطة التي عليها الان ، بشكلها الحالي بعد ان اسقطت مشروع بيفن سفورزا الذي ينص على تقسيمها الى أقاليم ثلاثة بين بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، وحكمتها حكومات “وطنية” بعد تقاسم الغنائم بين الأمم المنتصرة في منتصف القرن الماضي. لكن هذه الدول الخارجة من عبائة جغرافية ما بعد الحرب العالمية لم يكن يسمح لاهلها “باللعب قدام حياشينهم”، وإن أرادوا اللعب فلا باس ان يلعبوا كما شائو ولكن “داخل عتب حياشهم” مع بعض الاستثناءات للعب “على الرصيف” في حدود ضيقة مرسومة سلفا وبإذن مسبق ضمن ترتيب محسوب. لا عيب في ذلك مادام واقعنا لا يسمح لنا الا بهذا المتاح، فنحن لسنا افضل من المانيا أو اليابان او كوريا الجنوبية، لكن العيب كل العيب ان نتحدث عن “سيادتنا الوطنية” ونسوقها كانها قدرا نصنعه بارادتنا الحرة ونحققه بقدراتنا التي لا نملكها. في الواقع الليبي الحالي، اصبح مفهوم السيادة الوطنية عند ادعيائه منحصرا في التوجه الايدلوجي لهؤلاء الادعياء. التيار الإسلامي مثلا يرى ان القدح في النظام القطري كفر، ولا يرى فيه تدخل يهدد السيادة الوطنية يجب التصدي له. بالمقابل التيار الخصم للتيار الإسلامي يرى في التدخل المصري مصلحة تخدم الوطن ولا تمس بالسيادة الوطنية. والنتيجة ان التدخل الخارجي وخاصة تدخل ما يسمى بالدول الشقيقة افسد الحالة الليبية واجج نيرانها وابعدها عن احتماليات الحلول الممكنة والتوافق المحتمل. وفي حين تغير دول الغرب مواقفها من الازمة الليبية تمشيا مع مصالحها في الملفات الثلاثة التي تهمها، وهي ملف الإرهاب وملف الهجرة وبدرجة اقل ملف النفط، وبناء على الواقع على الأرض الذي يتغير باستمر اخدا ورد، يضل موقف الدول العربية ثابت في دعمها احد الأطراف ضد خصمه ومحاولة تغليبه، لانها في حقيقة الامر تخدم مصالحها بدعم هذه الايدلوجيات الموالية لها دون النظر الى مصلحة ليبيا. والنتيجة ان السيادة الوطنية النسبية التي يسمح بها المجتمع الدولي لاعضائه فقدت تماما لصالح محور قطر- تركيا او لصالح محور مصر – الامارت. وفي حين يتهم تيار الكرامة وتيار فجر ليبيا حكومة الوفاق بارتهانها في يد دول الغرب، الا انها لا ترى ان قراراتها مرهونة بيد محور الإسلاميين او العسكر، وكليهما مرتهن بأحد محوري الدول الداعمة. ان اجل مظاهر السيادة الوطنية في تقديري، يظهر واضحا في رفاهية المواطن وتحريره من الحاجة، وتمكينه من التعبير عن نفسه، فإن غابت هذه المظاهر لا يكون للسيادة معنى سواء كان النظام المهيمن يسري فيه دماء المواطن او دماء الاجنبي. هذه السيادة لا علاقة لها بالسيادة التي يراها الدكتور الصادق الغرياني ومن يدور في فلكه او الدكتور الدغيلي ومن ينتظم في كتلته البرلمانية. وقد كان من المرجح نجاح اتفاق الصخيرات لما لاقاه من دعم دولي رسمي علني، لو سهل له الفرقاء الأرضية التي يعمل عليها. الا ان مزاعم السيادة افسدت كل ممكن يؤدي الى الإصلاح، واصبح التراشق بالاتهامات مظهر لوطنية زائفة تمكن الادعياء من تسويقها في قواعدهم الجهوية، فكسب تيار العسكر دعم القبيلة في الشرق، وكسب تيار الإسلاميين بنادق الميليشيات، وتشتت جهود بناء الدولة بين التياريين، وضاعت السيادة الوطنية، وارتهنت البلاد في جلسات برلمان ميت لا تعقد وقرارات مجلس رئاسي لا تتجاوز الورق المسطر عليه. لا حاجة لنا للـ”سيادة الوطنية” اذا استمر هدر كرامة المواطن في طوابير المصارف، او ضاقت بالمحتاج حاجياته اليومية الاساسية، او لم يتوقف هبوط العملة المحلية. ولا معنى للسيادة الوطنية اذ لم نستطيع ان نحاسب النائب عن استهتاره رغم ما يقدمه الوطن له من ميزات. والله من وراء القصد

تفاصيل الخبر على الرابط التالي: http://www.eanlibya.com/archives/115995

طائرة السراج

حاليا طائرة السراج وهي تقترب من اﻻجواء الليبية قادمة من دولة الخمارات ..
الدال على الخير كفاعله

أبو مالك أبو مالك
 
أبو مالك أبو مالك يأدمن كنك من سكان الغرب او الجنوب فهذا ولي امرك شرعا فلايجوز ان تغتابا
طرابلس العاصمة

#عااااااااااااجل

#غرفة_البنيان_المرصوص التابعة لداعش ترفض أي مخرجات لحوار بين السراج والمشير حفتر بصفته شخصية عسكرية وطرف في الصراع العسكري

وتطالب بأن يجلس السراج ويتفاوض مع جميع قادة الثوار العسكريين المعارضين للانفاق السياسي والمجلس الرئاسي وعلى رأسهم #صلاح_بادي بصفتهم عسكريين وطرف من أطراف الصراع العسكري كما جلس وتفاوض وتحاور مع المشير حفتر

لقاء أبوظبي

دق أخر مسمار في نعش وهم الاتفاق السياسي

وقدم خدمة كبيرة للشرفاء من أبناء ليبيا لقطع الطريق على مشروع الإنقلاب واعلان عهد جديد لإستكمال ثورة فبراير والإنتقال الى مرحلة الدولة .

مليون دولار رفّه بها عائلته.. تكشفها “تويتة”

مليون دولار رفّه بها القذافي عائلته.. تكشفها “تويتة”

نيلي فورتادو

218TV.net خاص

في إطار التقصي الصحفي لعلاقة كبار الفنانين حول العالم بالزعماء السياسيين لوحظ أن “الدائرة الضيقة” تمكنت عام 2007 من إقناع نجمة البوب الكندية نيلي فورتادو بالحضور إلى أحد الأجنحة الخاصة بأحد فنادق العاصمة طرابلس للغناء أمام أبناء وأحفاد القذافي لمدة 40 دقيقة مقابل مليون دولار أميركي، إذ لم يشمل هذا المبلغ أجور الانتقال والإقامة لها، ولفرقتها الموسيقية، وهو ما يكشف أحد الملايين الضائعة التي أنفقها النظام السابق على “الترفيه العائلي”، وهو أمر كان يمكن أن يظل سريا لولا أن نيلي فورتادو كشفت عن الأمر بتغريدة لها على موقع “تويتر”.
الطريف في الموضوع أن “تويتة” مغنية البوب الكندية سارعت إلى تويتر، للإعلان عن تبرعها بالمبلغ لصالح جمعية خيرية، كما لو أنها “براءة متأخرة” من تبديد أموال الليبيين.

هل تسبب الاسلام السياسي في تخلفنا..؟

Kolumnisten Al-Aswani

عزيزي القاريء. من فضلك اعمل هذه التجربة بنفسك ..              

اختر أحد أصدقائك أو أقاربك، شخص مهذب متحضر يتميز بالذكاء والمستوى التعليمي الرفيع، شخص متسامح لدرجة يمكنك معها أن تنقد تصرفاته كما تشاء فلا يغضب أبدا. اجلس مع هذا الشخص وابدأ بهدوء وأدب في طرح أسئلة تشكك في صحة عقيدته الدينية. سيحاول أولا اقناعك بالحسنى وسيردد مجموعة من الأجوبة الجاهزة  ولكنك اذا لم تقتنع وواصلت أسئلتك المشككة ستجد هذا الشخص المتحضر يفقد أعصابه وينفعل عليك ثم يسيء اليك ويهينك.

الفكرة هنا ان الناس لديهم عاطفة دينية جارفة تجعلهم لا يقبلون أي تشكيك أو نقاش جدي حول صحة دينهم. السبب في ذلك ان الناس يحتاجون إلى الدين لكى يجعل حياتهم مريحة فالدين يقدم لهم تفسيرا لبدء الخليقة ويصور لهم ماذا يحدث بعد الموت كما انه يزودهم بمنظومة ثواب وعقاب محددة واضحة. اذا فعلت شيئا جيدا ستدخل إلى الجنة واذا فعلت شيئا سيئا ستحترق في جهنم. ولأن الانسان نادرا ما يجد العدل في هذه الدنيا فان الدين يقدم له وعدا مريحا بتحقيق العدل بعد الموت. الدين يجعل الانسان قويا لأنه يشعر بأن هناك قوة الهية تساعده وتعينه وتحفظه من الشرور. من هنا فان الانسان الذي ينتفض غضبا ضد المشككين في دينه انما يفعل ذلك أساسا بدافع من الخوف. انه يخاف أن يتسرب اليه الشك في دينه فينهدم الأساس المتين الذي يبني عليه كل تصرفاته وتصبح حياته موحشة ومخيفة.

هنا نسأل: هل الدين اعتقاد عقلي أم عاطفي؟ هل نختار ديننا بعقلنا أم بعواطفنا؟. هناك نوعان من الناس فقط يستطيعون أن يقولوا انهم اختاروا دينهم بالعقل .. الذين عاصروا الأنبياء واستمعوا إلى دعوتهم وكان بامكانهم أن يرفضوها لكنهم اقتنعوا بالدين واعتنقوه، النوع الثاني هم الذين ولدوا على دين معين ثم قرأوا الأديان وقارنوا بينها وقرروا التحول من دين ورثوه إلى دين اقتنعوا به. باستثناء هاتين الطائفتين فان أحدا منا لم يختر دينه. لقد ورثنا جميعا أدياننا. لم نستعمل عقولنا قط حتى نختار الدين وانما نستعمل عقولنا لكي ندافع عن أدياننا التي ورثناها. أكثر المسلمين التزاما بالاسلام لو كان ولد مسيحيا لصار مؤمنا بالمسيحية والمسيحي المتدين حتى لو كان قسا أو راهبا لو كان ولد مسلما لصار مؤمنا بالاسلام. الدين اذن، باستثناء الطائفتين المذكورتين، اعتقاد عاطفي يعتمد على العاطفة التي تجعلنا نتمسك بدين ورثناه ولم نختره. أضف إلى ذلك أن الدين اعتقاد حصري. كل أتباع دين معين يؤمنون أن دينهم هو الوحيد الصحيح. اليهود يؤمنون أن المسيح لم يأت بعد والمسيحيون يؤمنون أن سيدنا محمد (ص)كان رجلا حكيما ولم يكن نبيا أما نحن المسلمين فنؤمن أن المسيحيين كفروا لأنهم عبدوا المسيح واليهود كفروا أيضا لأنهم كذبوا على الله وحرفوا في كتابهم المقدس.

الدين يعلمنا قيما انسانية جميلة لكنه اعتقاد عاطفي وحصري. اذا تمكنت منك عاطفتك الدينية وآمنت أن دينك هو الوحيد الصحيح فمن المستحيل ان تعترف بحقوق متساوية لمن يخالفك في الدين. سيتحول الآخرون بالنسبة اليك اما إلى أعداء لدينك أو على أحسن الأحوال فئة ضالة كافرة لا تعرف الدين الصحيح الذى هو دينك فقط. هذه الحقيقة قد أدت – ولازالت – إلى مشاكل وجرائم وحروب عبر التاريخ الانساني (شاهد مثلا مقتل الشيعة في قرية زاوية أبومسلم في مصر وكيف كان الرجال يكبرون والنساء يزغردن وهم يقتلون مواطنين أبرياء لمجرد أنهم شيعة).

بعد صراعات دينية دموية راح ضحيتها ملايين الناس قررت المجتمعات المتحضرة أن الحل الوحيد أن تفصل الدولة عن الدين. أن يحتفظ كل انسان بدينه كما يشاء والدولة تحمي حقه في أن يعتقد ويمارس عبادته كما يشاء لكن الدولة تظل بلا دين حتى تكون على مسافة واحدة من المواطنين جميعا مهما تكن أديانهم، حتى لو كانوا ملحدين لايعترفون بأي دين فان ذلك لا ينتقص من حقوقهم كمواطنين في الدولة. في نفس الوقت تمنع الدولة أي خطاب تحريضي أو تحقيري من أصحاب أي دين نحو أي دين آخر. اذا كنت مسلما مارس صلاتك كما تشاء لكن اذا قلت في خطبة أن الأقباط كفار أو انهم على ضلالة فانك تحال إلى المحاكمة بتهمة اشاعة الكراهية واذا كنت قبطيا فمن حقك بناء الكنائس طبقا لنفس القانون الذي ينظم بناء المساجد والمعابد اليهودية لكنك اذا قلت ان الاسلام يحض على الارهاب فانك تحال إلى المحاكمة ايضا بتهمة اشاعة الكراهية .. هذه الطبيعة المدنية للدولة هي آخر ما توصل اليه الانسان ليقيم مجتمعات محترمة وناجحة يحظى فيها كل انسان بحقوقه كمواطن بغض النظر عن دينه . في مصر نحن محشورون بين الفاشية العسكرية والفاشية الدينية منذ عام 1952 حتى تدهورنا إلى الحضيض في المجالات جميعا.

لايمكن تصور أي تقدم في أي مجتمع  بدون الدولة الديمقراطية وأول شروطها أن تكون مؤسسة مدنية بلا دين لكي تتمكن من رعاية مواطنيها بلا تمييز. هذه حقيقة معروفة ومستقرة في العالم المتحضر الا اننا في مصر والمنطقة العربية لازلنا نجادل في نقاشات خاضها الغربيون منذ قرون وتجاوزوها.

*هذه هي الرؤية الديمقراطية للدولة فماهي رؤية الاسلام السياسي لدولته؟. سنناقشها الأسبوع القادم.  

ما الفرق بين المسلم والإسلامي ..؟!

المسلم ـــ مثل أي متدين ــــ يعتبر الدين وسيلة لتطبيق الخير والحق ويسعى لطاعة الله لينعم بالسلام والبركة في الدنيا ويدخل الجنة. أما الإسلامي من أتباع الإسلام السياسي فيعتبر الإسلام نموذجا سياسيا لدولة يجب أن تخوض حربا مقدسة ضد الكفار حتى يحكم الإسلام العالم. هذه العقيدة السياسية للإسلاميين ترتكز على الأسس التالية:             

أولا: الأمة الإسلامية:

الفكرة هنا أن المسلمين جميعا في أنحاء الأرض يشكلون أمة إسلامية واحدة . . يعلمنا التاريخ أن الدين وحده لم يشكل أساسا لأمة واحدة في أي وقت بل إن المسلمين قد قتلوا من بعضهم البعض أكثر بكثير من قتل غير المسلمين لهم. فالذين يقتتلون الآن في العراق وليبيا وسوريا جميعهم مسلمون ولم تنشأ دولة واحدة في التاريخ الإسلامي إلا بعد مذابح مروعة قتل فيها المسلمون بعضهم البعض. إن وحدة اللغة والتاريخ والثقافة والوطن هي العوامل التي تصنع الأمة حتى لو اختلف الدين. أنا كمسلم مصري أجد القبطي المصري أقرب إلي بكثير من الشيشاني المسلم. أنا لا أعرف شيئا عن الشيشاني أما القبطي فيشاركني في الوطن والتاريخ والأفكار وبالتالي فالمسلم والقبطي عنصران في الأمة المصرية.

ثانيا: الخلافة:

الفكرة هنا أن الخلافة الإسلامية ظلت تحكم بشرع الله منذ وفاة الرسول وحتى سقوط الخلافة العثمانية عام 1924. لا يوجد أبعد عن الحقيقة من هذا الكلام. إذا كان المقصود بالخلافة الحكم الرشيد فهو لم يدم على مدى 15 قرنا إلا 31 عاما (29 للخلفاء الراشدين وعامان وخمسة أشهر لعمر بن عبد العزيز) كانت الحضارة العربية مزدهرة ومبدعة لكن السلطة لم تستند قط أخلاقيا إلى الدين ويكفى أن نعلم أن الكعبة المشرفة قد تم ضربها مرتين أثناء الدولة الأموية خلال صراع السلطة، كما أن المذابح الرهيبة التي قامت عليها الدولة العباسية وصلت إلى نبش قبور الأمويين والتمثيل بجثثهم.

بل إن الأخ كان يقتل أخاه من أجل السلطة كما فعل المأمون بالأمين وهما ابنا هارون الرشيد. أما الاحتلال العثماني لمصر فان جرائمه المروعة ضد المصريين قد وصفها المؤرخ المصري ابن اياس في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” ففي يوم واحد قتل العثمانيون آلاف المصريين واستباحوا نساءهم ويصف ابن اياس الجنود العثمانيين فيقول

“وأما عساكره (العثمانيون) فكانوا جيعانين العين نفسهم قذرة وعندهم عفاشة في أنفسهم زائدة وقلة دين، يتجاهرون بشرب الخمر في الأسواق بين الناس، ولما جاء عليهم شهر رمضان كان غالبهم لا يصوم ولا يصلي في الجوامع ولا صلاة الجمعة ولم يكن عندهم أدب ولا حشمة وهم همج كالبهائم”.

بل إن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، بتعليمات من الحكومة البريطانية، أصدر فرمانا في شهر سبتمبر 1882 أعلن فيه عصيان عرابي قائد الجيش المصري الذي كان يقاتل البريطانيين دفاعا عن بلاده مما كان أحد أسباب سقوط مصر في قبضة الاحتلال البريطاني لمدة 72 عاما.

ثالثا : المجتمع الملتزم دينيا:

الفكرة هنا أن المسلمين كانوا أتقياء أبرارا فحكموا العالم ولما انصرفوا عن دينهم تخلفوا وانهزموا. هذا وهم آخر كبير؛ فمنذ الدولة الأموية وحتى سقوط الأندلس كانت مجالس الخمر، غالبا، تقليدا أساسيا عند ملوك المسلمين وفي العصر العباسي (قمة توسع الامبراطورية) كان المجتمع المسلم يتمتع بحرية جنسية مثل البلاد الاسكندنافية في عصرنا ولنقرأ مثلا غلاميات أبي نواس، وهي قصائد غزل الشاعر في غلمان يتعشقهم، أو نقرأ الجاحظ وهو يكتب مفاخرة بين أصحاب الغلمان والجواري. المجتمع التقي لم يوجد قط ولكن الامبراطورية العربية توسعت وسادت ثم ضعفت وانحلت مثل أي امبراطورية أخرى. 

رابعا: المؤامرة الكونية ضد الإسلام:

الفكرة هنا أن الدول الغربية كلها تعادي الإسلام وتتآمر ضده والحق أن الدول الغربية لا يعنيها الإسلام ولا أي دين آخر وإنما كل ما يعنيها تحقيق  أهدافها الاستعمارية التي تؤمن تدفق مليارات الدولارات على الشركات متعددة الجنسية. على مدى خمسين عاما كان أقرب حلفاء أمريكا في العالم خادم الحرمين الشريفين ملك السعودية. وقد تآمرت المخابرات الأمريكية ونفذت انقلابات عديدة في أمريكا اللاتينية المسيحية بينما دعمت إسلاميين متشددين لأنهم يحققون مصالحها مثل المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفيتي والإخوان المسلمين في مصر، والجنرال ضياء الحق في باكستان وغيرهم.

خامسا: المسؤولية الجماعية:

الفكرة هنا أن الغربيين جميعا مسؤولون عن أية جرائم ترتكبها الجيوش الغربية ضد المسلمين. في كل العمليات الإرهابية التي تقتل مدنيين غربيين يصيح الإرهابي أو يكتب ما معناه أنه ينتقم لضحايا المسلمين. هذه الفكرة تخالف أبسط قواعد العدالة التي تقتضي أن تكون المسؤولية شخصية فيكون كل فرد مسؤولا فقط عن تصرفاته. ولو طبقنا نفس المنطق على أنفسنا لأصبحنا كمسلمين جميعا مسؤولين عن الإرهاب. كما أن هناك غربيين كثيرين يعادون سياسات حكوماتهم الاستعمارية العنصرية، كما رأينا في المعركة ضد عنصرية  ترامب التي يخوضها ملايين الأميركيين معظمهم من المسيحيين واليهود.

الأفكار السابقة أسست الإسلام السياسي الذي بدأه الإخوان المسلمون عام 1928، ثم وضع له سيد قطب الإطار النظري، ثم تدفقت أموال النفط منذ نهاية السبعينيات لتنشر هذه الأفكار في الفضائيات والمساجد حتى صار لدينا بضعة ملايين من أنصار الإسلام السياسي فهل ساعدوا على تقدمنا أم تخلفنا؟ إلى الأسبوع القادم.

هل تستطيع أن تقنع المسلم المتدين بأن يصلي ثلاث مرات في اليوم بدلا من خمس..؟ هل تستطيع أن تقنع المسيحي المتدين بأن لا يتزوج في الكنيسة..؟ مستحيل لأن المتدين يقدس تعاليم الدين ويتمسك بها..المشكلة في الاسلام السياسي أنه يحيل المواقف السياسية إلى مقدسات دينية لايمكن المساس بها في أذهان أتباعه..يستحيل أن تقنع أتباع الاسلام السياسي بأن الخلافة الاسلامية وهم كبير ولسوف يدافعون عنها كما يدافع المتدين عن دينه بكل عناد وانكار للحقيقة وتعصب وعدوانية..جرب أن تكتب على فيسبوك أن الخلافة وهم وستجد فورا من يشتمك بأبيك وأمك ثم ادخل على صفحة الشتام ستجد آيات قرانية وابتهالات دينية..

في مصر جماعتان للاسلام السياسي: السلفيون والاخوان المسلمون. الجماعة السلفية ثبت أنها تتلقى تمويلات ضخمة من الوهابيين في الخليج وثبت أيضا (باعتراف مشايخهم) أنهم عملاء لأجهزة الأمن، وقد عارضوا الثورة المصرية لأنهم يدعون إلى طاعة الحاكم المسلم حتى لو ظلم  الناس (وان كانت خطبة حماسية واحدة قد تحيل السلفي إلى ارهابي). أما الاخوان المسلمون فان قراءة تاريخهم تبين الدور الذى قاموا به.  

في عام 1948 اشتركت كتائب الاخوان في الحرب دفاعا عن فلسطين وفي عام 2011 دافع  شباب الاخوان ببسالة عن المعتصمين في ميدان التحرير يوم موقعة الجمل، باستثناء هاتين الواقعتين، منذ ظهورهم عام 1928 وحتى الآن، لم يتخذ الاخوان موقفا واحدا لدعم النضال الديمقراطي، بالعكس ، تحالف الاخوان مع الملك فاروق وعندما كان الشباب الوطنى يهتف “الشعب مع النحاس (زعيم الأمة آنذاك ) كان شباب الاخوان يهتفون “الله مع الملك” ثم تحالف الاخوان مع اسماعيل صدقي (جلاد الشعب) واستعملوا لتأييده الآية القرآنية “واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد”، ثم تحالف الاخوان مع عبد الناصر والسادات ومبارك والمجلس العسكري بعد الثورة..؟

ان الدورة السياسية للاخوان واحدة لا تتغير، عندما يواجه الديكتاتور مقاومة شعبية يستعين بالاخوان كقوة كبيرة منظمة لاجهاض الثورة وبعد أن يأخذ غرضه منهم ينقلب عليهم ويلقي بهم في السجون.. هل كان عبد الناصر يستطيع الغاء الديمقراطية والانفراد بالسلطة بدون دعم الاخوان..؟ هل  كان السادات يستطيع القضاء على المعارضة اليسارية الوطنية بدون دعم الاخوان..؟ هل كان المجلس العسكري بعد الثورة يستطيع المحافظة على النظام القديم والتنكيل بالثوار بدون دعم الاخوان..؟  الاجابة دائما بالنفي.

لقد تحالف الاخوان مع الطغاة وخانوا ارادة الشعب دائما بلا تردد ولا خجل.. هل يعقل ان يكون مئات الألوف من الاخوان انتهازيين.؟ طبعا لا، لو انك تعاملت مع أحد الاخوان كزميل ستجده غالبا يتمتع بأخلاق جيدة. المشكلة في طبيعة الاسلام السياسي التى توفر لهم عناصر ثلاثة: الاحساس بالتفوق الديني على الآخرين والطاعة المطلقة التى أقسموا عليها وتقديس التنظيم باعتباره جماعة ربانية تمثل الدين بل هي الدين نفسه..اذا كنت أعتقد أننى أفضل منك عند الله وان الله قد عهد إلى جماعتي بالذات لكي أعلي كلمته وأستعيد مجد الاسلام واذا كنت لا أؤمن بالديمقراطية التى هي حكم الشعب وانما أؤمن بالخلافة التى هي حكم الله، فلماذا تريدني أن التزم معك بأي اتفاق ولماذا لا أتحالف مع الديكتاتور مؤقتا حتى أصل إلى السلطة وأنفذ ارادة الله..؟ لا يوجد تعريف للفاشية الدينية أفضل من هذه الأفكار. للأسف فان مصر منذ عام 1952 محاصرة بين الفاشية الدينية والفاشية العسكرية، كلما تخلصت من احداهما وقعت في براثن الأخرى والمدهش هو وجه تشابه بين الفاشيتين. الحكم العسكري يحتكر الوطنية ويعتبر كل من يعارضه خائنا للوطن والفاشية الدينية تحتكر الدين وتعتبر كل من يعارضها كارها للدين أو خارجا عليه.

ان سياسات الاخوان قدمت أكبر دعم لكل ديكتاتور في مصر، فقد كان يطمئن دائما إلى وجود جماعة كبيرة مؤثرة تدعم قراراته الاستبدادية. تـأمل كيف خان الاخوان الثورة وتواطؤوا مع المجلس العسكري وحشدوا الناس بشعارات دينية في استفتاء مارس 2011 حتى لاتكتب الثورة دستورها ويتم ترقيع الدستور القديم بواسطة لجنة اخوانية..؟ فائدة أخرى مهمة يقدمها الاخوان للديكتاتور هي نظرية ” البديل المرعب”. كل ديكتاتور حكم مصر كان يقول في الخارج والداخل “اذا رفضتم استبدادي سيقفز الاخوان على الحكم”. لماذا أفرج المجلس العسكري بعد الثورة عن مئات المتطرفين ولماذا تم التركيز عليهم في الاعلام ولماذا تم احراق الكنائس بتواطؤ أجهزة الأمن ولماذا صدرت صحيفة الاهرام وعلى صفحتها الأولى صورة قبطى مقطوع الأذن والمانشيت “الاسلاميون ينفذون الشريعة في القبطي”(تبين بعد ذلك ان القصة كلها ملفقة) كانت الرسالة للشعب وخصوصا الاقباط “أنتم أسقطتم مبارك فتحملوا الحكم الديني المتطرف”..

هل كان الاسلام السياسي سببا لتأخر الديمقراطية في مصر؟ قطعا.. ليس فقط بسبب ماذكرناه لكن لأنه أخرج ملايين الشباب النقي المخلص من معركة الديمقراطية ودفع بهم في طريق معركة الخلافة الاسلامية التي هي وهم كما أوضحنا وسوف تؤدي حتما إلى الفاشية (تأمل كيف يتخلص أردوغان من معارضيه ويتحول إلى ديكتاتور وسط تكبير المؤمنين بالخلافة).

الاسلام دين عظيم لكنه لم يقدم أي نموذج للدولة. الدولة الديمقراطية تحترم الأديان جميعا لكنها كمؤسسة مدنية يجب أن تكون بلا دين.

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com