الجنرال وتوبة القطوس!

 علي جماعه علي

يلزم التنويه أولا، أن القطوس هو القط، وأن الليبيين ألحقوا حرفي الواو والسين بذيل اسمه لإضفاء مزيد من الفخامة اللغوية عليه، أو هكذا يبدو. وعن القطوس، يحكي الليبيون أنه، ذات يوم، أعلن التوبة النصوح، وأراد غسل ذنوبه بالحج، ليعود قطا ورعا، مسالما، كما ولدته أمه، وكأن لم يفترس في حياته فأرا واحدا، أو لم يغافل الحاجةَ مشهية، ويسطو على قديدها في أول أيّام العيد.

تهيأ للفئران أن القط سيعود من حجه عاقلا، زاهدا في ملذات الدنيا، في انتظار الموت بضمير مرتاح، بعد أن بلغ من العمر عتيا، واشتعل منه الراْس شيبا، لذا اجتمعت، و قررت كباقي الحيوانات، الذهاب للتهنئة. فلما دخلوا عليه، وجدوه وقد غطى راْسه بقماشة بيضاء، لزوم التقوى والصلاح. وما إن هم أولهم بمصافحته، حتى انتصب جسد الحاج قطوس مثل رمح مشدود، وعرشت على الفور أذناه، فتقافزت الفئران، يمنة ويسرة، من الذعر، وسارع الحضور بالصراخ والاحتجاج، وتذكير الحاج بحجه، وتوبته التي لم يمض عليها يومان.

زمط الحاج ريقه وقال لهم، لا تخشوا شيئا، ولا تذهب بكم الظنون بعيدا، إنما هي فقط بقايا عادة “النط” القديمة.

وفي العالم العربي، بما في ذلك أرض القطوس، لدينا جنرالات لم تتخلص بعد من “نطتها ” القديمة، كلما تراءى لها كرسي الرئاسة فاتحا ذراعيه، حتى وإن حجت الى المزار الديمقراطي وعادت منه تائبة عن لعبة الانقلابات.

ففي غياب التقاليد الراسخة للديمقراطية، وهشاشة المؤسسات، وضعف آليات الحرية في المجتمع، يظل الجنرال مهجوسا بالقفز إلى كرسي الرئاسة بفضل امتلاكه سلطة الأمر على الجنود، والسلاح. لا يجد الجنرال غضاضة في ذلك، فهو فرد يعيش في مجتمع، ينشأ أطفاله على فكرة أن الحكم لا يتأتى إلا بالمغالبة وقهر الخصم، أو بنص عبارة مستشار أمني للعقيد القذافي عندما سُئل عن تعريف الثورة، أجاب بكلمات قاطعة أنها “تريس باركة على تريس” أي: “رجال تقهر وتسحق رجالا”.
ما إن يضع الجنرال مؤخرته على الكرسي، حتى تنخر راْسه وساوس الخوف من جنرال آخر يخطط بالليل لسرقة الكرسي المسروق أصلا. تلك الوساوس اليومية التي تنخر عقل الجنرال ستتحول إلى سوس ينخر ببطء ويوميا جسد الوطن والدولة، حين ستنطلق بتوجيهات الجنرال حملات القمع الاستباقي من سجن، وقتل ، ونفي المعارضين، والرشوة والمحاباة وإفساد الذمم لشراء الولاء، بما في ذلك تأسيس جيش مواز من المخبرين. تلك وغيرها من أعمال القمع والإفساد هي برنامج الجنرال اليومي لقطع طريق الإذاعة أمام الجنرال الجديد، ومن هنا يبدأ مشروع عسكرة الدولة وما جره علي العالم العربي من فساد وخراب، دفع الناس للخروج في الشارع تطالب جَهْرًا بإسقاط نظام الجنرالات المأزوم.

نجحت كثير من دول العالم في تحصين مجتمعاتها ضد متلازمة (نطة الجنرال)، أما عندنا فقد وفرت أوضاع ما بعد ثورات الربيع العربي حقنة قوية لتحفيز غدة النطة الانقلابية لدى الجنرالات، فدغدغت في نفوسهم الحنين إلى ماضي مجد العسكر التليد، غير البعيد، عندما كانت مدرعاتهم تطوي الأسفلت من الثكنة إلى القصر الجمهوري مرورا بالإذاعة حيث تتم تلاوة البيان رقم واحد مصحوبا بالموسيقى العسكرية. يا لها من مفارقة مؤلمة، حين يصبح السطو على ميكرفون البث في الإذاعة بمثابة السطو على دولة وشعب وأحلام ومستقبل.

وإذا الفئران تقافزت مذعورة من نطة الحاج “قطوس”، فإننا سنجد الفئات الأدنى ثقافة ديمقراطية والضعيفة تعليميا والمهمشة اقتصاديا قد نطت إلى حضن الجنرال في حنين طفولي بائس وساذج لثدي الاستبداد الهزيل والبغيض، فهى ترى في الجنرال أمان القوة القاهرة المجربة حتى بمظالمها ووحشيتها، في مقابل أمان قوة مؤسساتية عادلة ولكنها غير مألوفة، ومازالت في طور التشكل. وهي ترى فيه الاستبداد الذي يحافظ على الوضع القائم الساكن الراكد حتى بإخفاقاته وثقل وطأته على الصدور، في مقابل الحرية الواعدة بالتغيير نحو وضع إنساني أفضل، لكنه ملتبس في خيالها، عسير على إدراكها. كذلك فإن الجنرال يتماهى مع إرادتها الخانعة العاجزة، في مقابل الحرية التي تستحتها على النهوض والمبادرة والمشاركة والمنافسة والتغيير المستمر.

ستشجع (نطة الجنرال) كذلك قوى الفساد الجشعة للقفز في حضنه، ذلك لأنها تخشى أنظمة الشفافية والمكاشفة والمنافسة الموعودة في النظام الديمقراطي، فتتقرب من الجنرال ليحميها ويسهل أعمالها مقابل ولائها ، واستفادته من شبكة علاقاتها المصلحية، واستعدادها المجرب للتخلي عن شرفها مقابل خدمته.

ستنط في حضن الجنرال كذلك القوى الأصولية الدينية التي ترفض الانتخابات باسم الدين وتؤيد الاستبداد باسم الدين كذلك. في المنبر تدعو صباحا لجنرال “علماني” حليق الذقن،وفي ذات المنبر، تتحدث في المساء، عن عدل عمر وعن فضل إعفاء اللحية. قبل هؤلاء جميعا، سينط في حضن الجنرال، الشعراء والكتبة والصحفيين المداحين. هؤلاء السحرة سيعيدون على مسامعكم موعظتهم الأثيرة، بأن الشعب مثل قطيع أغنام يحتاج لراعٍ يعلفه ويعنفه ويحميه من شر الذئاب. لكن سحرة الجنرال لن يقولوا لنا بأن سيدهم لن يتوانى كذلك عن ذبح القطيع قربانا لوهم أمجاده، وأن الإنسان خلق ليكون خليفة الله على الأرض، و ليس بهيمة في حظيرة الحاكم.

في وسط حفلات النط الهوجاء تلك، سيتم وصم القوى المناهضة للاستبداد بالنخبة النرجسية الغارقة في الوهم، ثم تاليا وصفها بالعمالة، وسيتم تشويه مصداقيتها ، وضرب مشاريعها التنويرية، والتحريض عليها وسجنها ونفيها وحتى تصفيتها جسديا.

نصيحتي لكم، أن نحمي كرسي الرئاسة من نزق وطيش ونطة الجنرال، ذلك لا يتحقق إلا بدستور ديمقراطي يتوافق عليه الشعب، وثقافة ترسيخ الديمقراطية في المدارس والإعلام ونشاطات المجتمع المدني، وبناء مؤسسات كفؤة للفصل بين السلطات، والأهم بناء مؤسسة جيش محترفة منضبطة، تفتخر بحماية الديمقراطية، لكنها لا تتدخل في السياسة.
يجب أن نحفظ لكرسي الرئاسة شرعيته هيبته وفاعليته، بأن لا يصل إليه إلا من انتخبه الناس في منافسة شريفة عبر صندوق الانتخابات، وليس من يسطو عليه بالمدرعات في فجر الانقلاب.

إن النكوص لحكم العسكر باسم فرض الأمن ومكافحة الاٍرهاب هو لعبة خطرة، لن تفضي إلا لتكرار نفس الأخطاء التي ارتكبها العرب، أملا في الحصول على نتيجة مختلفة، وهو الجنون بعينه وأنفه. فلا تصنعوا دكتاتورا بحجة الأمن، ثم يثور عليه أبناؤكم باسم الحرية لاحقا، عندما لا تساوي قيمة الأمن، ثمن الحياة تحت عفسة دكتاتور أحمق. إن فعلتم ذلك، فأنتم تصنعون بأيديكم فتيلا لثورات دموية قادمة، بل وتتركون بقربه زيت الاشتعال الثوري، أنتم بذلك كمن يضيع وقته الثمين في صناعة دكتاتور من تمر، فإذا جاع أبناؤه التهموه.

قد يقول لكم الجنرال، لا تذهب بكم الظنون السيئة بعيدا، كما قالها الحاج قطوس للفئران المذعورة. فلا تصدقوه، إنه حقا ينوي القفز علي الكرسي، ومن ثم الاستفراد بكم، هو وحاشيته، وقهركم وإفساد حياتكم كما فعل أسلافه ، وذلك لن يتأتى للجنرال، إذا حصنتم مجتمعاتكم بالحرية وقبول التنوع الثقافي، والتعدد السياسي، ودعم مؤسسات المجتمع المدني، وحكم القانون.

علي جماعه علي
 الاثنين 10 أبريل 2017

اتمنى للعالم كله قراءة الكتاب الأخضر

   foto-2-copy

 

     للأسف ، المركز العالمي الدراسات والأبحاث من الكتاب الأخضر ، ومقره طرابلس ، مهتم بعقد الندوات بدلا من توزيع ” الكتاب الأخضر ”  خارج الجماهيرية وجعله متاحا للشعوب  . في حين أن ذلك هو واجبه . نشر وتوزيع “الكتاب الأخضر” في جميع أنحاء العالم . وينبغي التعامل مع القضية ذاتها من قبل المكاتب الشعبية للجماهيرية العظمى بالتعاون مع الناشرين المحليين . وينبغي لها توفير التمويل اللازم لنشر الكتاب وتوزيعه على الجامعات والمؤسسات التعليمية والمكتبات الوطنية والمنظمات الاجتماعية والسياسية ، بل ويجب ان يحصل الجميع على “الكتاب الأخضر” مجانا بتمويل من الجماهيرية .

     في إندونيسيا، كثير من الناس لا يعرفون عن ” الكتاب الأخضر” .  لأنه من الصعب الحصول عليه . وفي عام 2002 قمت بنفسي وبمجهود شخصي لترجمة الكتاب الاخضر من العربية الى اللغة الاندونيسة .. وتم تسجيله من قبل المكتبة الوطنية في اندونيسيا يوم 2 أغسطس 2002 ومنحه ISBN 979-96536-1-4 والفهرسة في بيانات النشر ، بما في الرقم الدولي 9789799653611. وقمت بجميع تكاليف وإعداد النشر بما في ذلك تكلفة الترجمة وغيرها ، وعندما زرت طرابلس يوم 2 مارس 2002 بدعوة من الدكتور عبد الله عثمان عبد الله ، المدير العام للمركز الكتاب الأخضر، عبر عن استعداد المركز للمساعدة في تمويل نشر الكتاب . ولكن حتى الآن (  2010 ) لم اجد اي استجابة ، ولم تجد رسائلي اي اجابة عليها من قبل المركز .

      انا ككاتب الذي اكن إعجابا العقيد معمر القذافي وقرأت كل كتاباته ، وأنا حقا أشعر بخيبة أمل أن عملي الشاق لم يكن موضع تقدير . وأعتقد ان الشعب الإندونيسي وغيره من الشعوب في بلاد المسلمين في حاجة لقراءة ” الكتاب الأخضر ” .

   – يقدم الكاتب نبدة عن تاريخ ليبيا بالصور على موقعه هنا على الرابط ( اضغط )

الصادقُ النيهوم في الأسر!

بالمناسبة
حَظي أشهرُ الكتاب الليبيين، خليفة التليسي و أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني و،على الخصوص، الصادق النيهوم بعلاقةٍ مميزةٍ مع العقيد معمر القذافي، الذي عَقِبَ استيلائهِ على السُلطة بانقلابه العسكري سبتمبر 1969م عَقدَ لقاءً مُوسعاً بالمُثقفين الليبيين نُقلَ مُباشرةً عبر التلفزيون لعدةِ ساعات ولأيام وعُرف بـِ ” ندوةِ الفكر الثوري”، في ذاك اللقاء تحدث”الصادق النيهوم” الكاتب النجم عن علاقة القطيع بالملك، واصطدم بـ”الرائد عمر المحيشي” عضو مجلس قيادة الثورة المُشارك في إدارة الندوة، وقد تدخلَ”القذافي” وانحازَ إلى جانب”الكاتب النجم”، وعلى أثر ذلك توطدت العلاقة بينهما، بعدها بمدةٍ قصيرةٍ أمسى”الكاتبُ المُتمرد الصادق النيهوم” أمينَ لجنةِ الدعوةِ والفكر في الاتحاد الاشتراكي،التنظيم السياسي للعقيد القذافي لقيادة البلاد، لم يُرض ذلك الكاتب والفنان إلا لمدةٍ قصيرة ليخرُج من البلاد قاصدا قبلة المُثقفين والمُبدعين العرب”بيروت” دون أن يتركَ منصبه، في الفترة تلكم كتب خُطاطةً فكريةً نظرية كحل للمشكل السيوسياسي قُدمت في كُتيب تحت عنوان”نقاش” للاتحاد الاشتراكي ولم يتم تداولها بشكلٍ عام في حينها، تقريبا هذه الخُطاطة المرجعية التي اعتمدها القذافي لما أسماها بـ”النظرية العالمة الثالثة” مع إضافات للبُعد القومي عند الكاتب المصري”عصمت سيف الدولة”، وإضافات للبُعد الإسلامي من الكاتب السوداني”بابكر كرار”، وكل منهما كان على علاقة مميزة ومعروفة بالقذافي والدولة الليبية.

في لقائي مع القذافي بمعية الصادق النيهوم لاحظت أن الأول يُنصت للثاني، وأن ثمة إعجابا يُضمرهُ القذافي للنيهوم وعلاقة فيها حميمية بينة، وكأنما القذافي يعتبر النيهوم من أنارهُ ونورهُ وأن هذا جعل في نفس الديكتاتور تضادأ، فكأنما وهو السلطة المطلقة صنيعة هذا”الهيبي”، وهذه الحقيقة جعلت من علاقتهما كما علاقة المثقف بالسلطة فيها الفكر”رأس المال الرمزي” الذي يشكل سلطة تقارع سلطة، وبمعية هذه العلاقة المُشكل وقع”النيهوم” في الأسر.

رئيس تحرير ميادين 

أحمد الفيتوري
– See more at: http://www.alwasat.ly/ar/news/kottab/90717/…

بهدوء | إعتذار متأخّر إلى معمر القذافي

 

بهدوء | إعتذار متأخّر إلى معمر القذافي

 
ناهض حتر
 

«ركزوا رُفاتَكَ في طرابُلُسٍ
كما ركزوا، قديماً، في الرمالِ، لواءا
ما شأنُهُم
إنْ كنتَ شِدتَ مُخَيّماً
أو نالَ شعبُكَ، خبزةً، وثراءا؟
تلك الرصاصةُ
غدْرُ مَن غدَروا …
لو كان صدرُكَ لانتحَوا جبَناءَ …
إفريقيا،
مهدُ الأسودِ ولَحْدُها،
فاهنأْ
لقدْ بلَّغْتَنا الجوزاءا!»

مذ كتبَ شاعري الكبير، سعدي يوسف، هذا النص القصير الكثيف الذي سمّاه «مرثية إلى معمر القذافي ــــ استعادة أحمد شوقي عن عمر المختار»، وأنا أعود إليه، حيناً بعد حين، متفكّراً؛ فسعدي، هذا «الشيوعي الأخير»، لا ينطق عن الهوى، بل عن خزانة فكر ورؤيا وأحاسيس رافقت حركة التحرر الوطني العربية، شعراً ليس كمثله شعر في نقائه الأدبي وصلابته السياسية معاً: معمر القذافي، إذاً، في المأساة الليبية، سليل شهيد الأمة الكبير، عمر المختار؟

لم أحبّ القذافي يوماً؛ كان أداؤه بدوياً، وشطارياً، وفي أحيان كثيرة، هزلياً؛ ثم أنه، في عهد القطبية الأميركية الوحيدة، لم يصمد كما سوريا والعراق؛ بل سعى إلى استرضاء الإمبرياليين؛ تقرّب إليهم، وأغراهم، وقدّم الرشى لزعماء أوروبيين، وكان يظن أنه، بذلك، قد يحافظ على نظامه؛ نظام عجز عن بناء دولة حديثة أو جيش منظّم في مؤسسة عسكرية ذات هيكلية وتقاليد.
لم يكن القذافي مثقفاً بالحد الأدنى اللائق بزعيم؛ ومع ذلك أراد أن يفرض على حركة التحرر العربي والليبيين، كتاباً أخضر مضحكاً لشدة هزاله الفكري، وكان يراوغ، ولا يلتزم بوعوده التي يغدقها، ثم يعود عنها، ولا يترك لأحد فرصة توقّع سياساته وقراراته. وبلغ نفوري منه حداً منعني من الاستجابة لأي من الدعوات الاعلامية للمناسبات الليبية؛ لذلك، حين انطلقت «الثورة» ضد نظامه، لم ألتفت، في البداية، إلى خيوط المؤامرة الإمبريالية على ليبيا؛ اعتقدت أن التغيير سيمنح الليبيين فرصة للتقدم، أنى كانت، هي خير مما كان يبدو لي جنوناً؛ إنما سريعاً، مع اعلان الحرب الإمبريالية ــــ الإسرائيلية ــــ الرجعية العربية ضد ليبيا، أصبحت خيوط المؤامرة تتضح، ولكنني ــــ وأعترف بذلك ــــ لم يتملكني شعور دفاعي عن نظام العقيد، وحتى في لحظة مقتله الدامية الخسيسة، انتابني الاشمئزاز من المجرمين المهووسين، بينما ظللتُ أرى أن نهاية القذافي المأساوية، هي النتيجة المريرة لثقته بالغرب، تلك الثقة التي ظلت تداعب أوهامه حتى اللحظة الأخيرة للترتيبات الغامضة مع جهات غربية، لخروج موكبه من طرابلس في اتجاه منطقة آمنة أو بلد مجاور؛ لكنهم خدعوه، ورصدوه، وأصدروا الأوامر للوحوش البشرية، باصطياده وذبحه والتمثيل بجثته في حفل انفلات غرائز حيوانية، تبين أنها تكتظ في صدور «الثوار» الإسلاميين التكفيريين الذين ظهر، أيضاً، مقدار استعدادهم لأن يكونوا عملاء للإمبريالية.
لا تزال الجريمة الأطلسية ــــ العربية ضد ليبيا، وقد راح ضحيتها أكثر من خمسين ألف مدني، طيّ التجاهل والتناسي عند المثقفين الوطنيين العرب؛ إنما آن الأوان لفضحها. كانت الخطة واضحة: ضرب عناصر الكيان الليبي وتفتيت المجتمع، ونشر الفوضى وتفكيك مؤسسات الدولة والجيش، باستخدام الفاشية الدينية التي اتخذت في ليبيا مساراً خاصاً ارتبط بالتمزق الاجتماعي والعشائري والتدخلات الاستخبارية العديدة؛ والهدف واضح: تحويل ليبيا إلى كانتونات لنهب النفط الليبي، وتحويل الفوضى الليبية إلى منصة إرهابية وزّعت السلاح والمسلحين على نطاق المنطقة، من تونس والجزائر إلى سوريا، ثم إلى مصر، المخطط لإشعال الحرب الإرهابية فيها انطلاقا من الجوار الليبي.
اليوم، يحاول ضبّاط الجيش الليبي، الانتقال من الدفاع عن الذات ضد الاغتيالات الإرهابية، إلى شن الحرب على الإرهاب، وإعادة السلام والاستقرار والتماسك إلى البلد المنكوب؛ هل ينجحون؟ المأمول أن تلعب مصر والجزائر، دورين جريئين في دعم الاتجاه إلى إعادة بناء الجيش الليبي وسيطرته على البلد، وعلى مخازن السلاح، وعلى حقول النفط، ليس من أجل ليبيا فقط. ضرورة الحفاظ على أمن ومستقبل مصر والمغرب العربي، تتطلب تدخلاً عسكرياً عاجلاً في ليبيا، لإلحاق الهزيمة بالمنظمات الإرهابية، وتمكين العسكر من السيطرة على البلاد، والحيلولة دون تحوّلها إلى صومال أخرى؛ ذلك قد يستعيد جزءاً مما كان يوفّره النظام الليبي لمجتمع اتضح أنه غير مؤهل للثورة؛ فالثورة التي لا تتضمن عناصر إعادة بناء الدولة الوطنية، ليست سوى انفلات للغرائز الاجرامية والولاءات المحلية الصغيرة والجهوية والفاشية الدينية والتدخلات الاستخبارية الإمبريالية ونشر الرعب ومنع السياسة؛ وهو ما يشكل حواضن الإرهاب.
كان العقيد القذافي يقول ــــ وإنْ بخطابات مضطربة ــــ حقائق سخرنا منها؛ قال: هي مؤامرة لا ثورة، وعدوان إمبريالي لا عملية تغيير، وتفكيك للدولة يتركها ركاماً ويحطم استثماراتها ويخلق الأرضية لنهب ثرواتها بلا حساب.
كان العقيد يخاطب ــــ بقدرٍ من الجنون ــــ العقلاءَ من أبناء شعبه : ليس «الثوار» سوى جرذان وعملاء، تسيّرهم الاستخبارات الأجنبية، سيهدمون الدولة والسيادة، ويتصرفون، كالقطيع الهائج، تحت تأثير الحبوب المخدّرة!
كنّا نسخر من ذلك الخطاب؛ تبين الآن أنه صحيح، وأننا مدينون باعتذار ــــ ولو متأخر ــــ للعقيد الذي لم نكن نحبه، ولكنه كان يحافظ على سيادة ليبيا ووحدتها واستقرارها.

سياسة
العدد ٢٢٩٩ الأربعاء ٢١ أيار ٢٠١٤

التعليقات

لا ليست المؤامرة فقط

أتسأل في نفسي ماذا لو تآمر العالم على سويسرا أو الدنمارك؟ هل ستقوم شعوب تلك الدول بتدمير بلدها و هدمه كما يفعل العرب في بلدانهم الآن؟
الحقيقة الراسخة إن العرب و بمجرد أن يتخفف عنهم نير الدولة يستعيدون كل غرائزهم و يتحولون الى قطاع طرق و رقاب و عندها لن تجد في ثوراتهم إلا تعابير القتل و الدم و السلب و النكاح.قديماً قال ابن خلدون “العرب أمة وحشية ، أهل نهب وعَبَث ، وإذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب ، يهدمون الصروح و المباني ليأخذوا حجارتها أثافيَّ للقدور ( ما يوضع تحت القدور وقت الطبخ ) ، ويخربون السقوف ليعمّروا بها خيامهم ، وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ، وأنهم أبعد الناس عن العلوم و الصناعات” ….. صدقت يا بن خلدون و هم ما زالوا كذلك ايضا”.
المؤامرة هي إطار للمشهد المكتمل أصلاً.

حمق وتخلف اتباع الثورة لا يجعلا من القذافي صادقاً

لا يا أخي, غباء وتخلف بعض الثوار لا يجعل من الثورة مؤامرة ولا من مجرم مجنون كالقذافي قديساً يوصّف اعداءه بما يليق بهم. هؤلاء ثوار محقون بثورتهم ولكنهم يحملون فكراً لم ينضج مفهوم الدولة فيه ولا أمكنهم التوصل الى تسوية لعقد اجتماعي جديد يحفظ وحدة ومصالح مجتمعهم, وها هم يتجهون لهدم كل شيء في بلدهم وعلى نفي الاخر.

نعم هذه سنن الثورات, فراجع التاريخ, يأكل بعضها بعضاً بعد أن يشارك فيها فئات غير منسجمة ولا متفقة بالضرورة على كل شيء..فان انتصر او تمكّن غبي بعدها لا يجعل ذلك من أصل الثورة مؤامرة ولا من الثوار جرذان.

القذافي كصدام مجرم استحق ما أصابه.. وفي حالة القذافي, رغم التحفظ على همجية الخاتمة , ولكن هذه الهمجية او الغباء او الانحراف اللاحق على الانتصار لا يغيّر في اصل حقانية الثورة ولا يطعن في كل الثوار وسلامة هدف حركتهم عند انطلاقهم .. في كل الثورات تجد المشاركين فيها ينحرف بعضهم بعدها او ينخرط في تحالفات او تسويات تخدم مصلحته الفئوية دون ان يكون ذلك داخلاً في اصل حركته الثورية بداية ولا ذا تأثير فيها عند الانطلاق.
كلا الثوار لم يكونوا جرذاناً ولم تجرّهم للثورة استخبارات اجنبية .. فلنحترم عقولنا. الاستغراب هو كيف صبرت الشعوب على اصنام وهياكل عظمية ومجانين عظمة يقودونها كالقذافي ومبارك مصر وزين العابدين بن علي … حتى اذا حدثت الثورة نعتنا ثائريها بالجرذان وبالعمالة فقط لانهم أساؤا حبك المشهد النهائي لها؟!.. ما هذا من الانصاف.
تفسير الظوهر الاجتماعية ونتائج الثورات اكثر تعقيداً من هذا التسطيح الذي قُدّم ..مع العذر والتقدير لمواقفك الاخرى ووعيك السياسي المعروف.

انت فهمت الموضوع غلط اخي.

انت فهمت الموضوع غلط اخي. كلنا مع التغيير والثورات كمبدأ. ولكن الذي شهدته بلادنا ما هي بثورات، او ثورات استغلت من الإمبريالية العالمية لإبقاء شعوبنا الجاهلة في الدرك الاسفل بين الامم.
القذافي لم يكن قديسا، لكن الذي اسقط القذافي لم يكن ثوريا بل مطيعا ﻻسياده في الناتو.
لقد خربت ليبيا بعد ان كان شعبها من الشعوب الاكثر ترفا بين الشعوب. غاب عنهم الامن والامان وباتوا يعيشون في القرون الوسطی من قتل ودمار وتشريد.
افتحوا اعينكم لتروا عدوكم الحقيقي ولا تنغشوا بالمظاهر.
وانا اضم صوتي لصوت الاستاذ ناهض وأعتذر للقذافي، مع العلم اني غيرت رأيي بالثورة الليبية مجرد ان تدخل الناتو.

هذه الانظمة كان يجب ان تسقط ولا تنظِّروا لخلاف ذلك ..

يا اخي يبدو انك أنت من فهم تعليقي خطأ. فأنتَ قلتَ “ما هي بثورات او ثورات استغلت من الامبريالية العالمية..” بالدقة هذا ما قصدتُه. اصلها ثورة لكن غياب خبرة العمل السياسي وغياب القيادة الجامعة الرشيدة وممارسة نفي الاخر والتسرع في السعي لقطف الثمار ومسك السلطة كيفما كان وعدم مراعاة الاولويات, وبشكل خاص عدم تحديد العدو, فضلاً عن فساد فكري هنا وهناك, كل ذلك اوصل الامور الى ما وصلت اليه من انحراف في التطبيق.
كل هذه عوامل أدت الى أن “يصوّب” الغرب بوصلة الثورات, في غفلة من أهلها أحياناً, بما يخدم مصلحته ولو كان هناك قيادة ناضجة تاريخية تقود هذه الثورات لرأيت نتائج مذهلة كما حصل في ثورة ايران التي تعرضت للمخاض نفسه لكن القيادة التاريخية والواعية منعت انحراف المسار قبل قطف الثمار الكاملة.
نعم اميركا والغرب حرفوا مسار الثورات في مصر وتونس وليبيا, واليمن, واحبطوا مسارها في منتصف الطريق ولم تكن قد وصلت الى اهدافها بعد. وهذا لا يعني ان الثوار خططوا ليخربوا بلدانهم أو انهم عملاء وان كان قد تعامل بعضهم مع الغرب بعد الانطلاق .. إنه يا أخي تحالف الجهل ومكر الغرب.
إضافة أخيرة, هذه الانظمة كان يجب ان تسقط ولا تنظِّروا لخلاف ذلك .. لكن الثوار كان يجب أن يكون أداؤهم أكثر نضجاً وحكمة. كما انه ليس من الحكمة مقاربة ما آلت اليه الامور للقول إن انطلاق الثورة كان خطأ ومطلقها عميل قافزين فوق الاخطاء في الممارسة كسبب .. هذه مغالطة كبرى.

أسباب معارضة المواطن لنظام دولته

 - كتائب القدافي وكتائب الصلابي

2/1/2014

أسباب معارضة المواطن لنظام دولته – رحلة عبر محطات في سنواتٍ مضت

إن ما دفعني إلى التطرق لما سأسرده اليوم هنا، كان سؤالا موجّها لي من قِبَلِ شخصٍ محسوب على النظام السابق، بعد أن ذاب الثلج بيننا وجلسنا لنستمع إلى بعض أملا في أن نفهم كيف أصبحنا أعداء لعلنا نجد للإخوة عذراً من خلال ما يرد:

“ما الذي دفعك للانضمام للمعارضة ضد نظام القذافي؟”

إن الغرض هنا ليس لتحليل أسباب معارضة المواطنين لأنظمتهم، بل هي محطات يمكن للقارئ من خلالها أن يرى كيف تخلق الأنظمة معارضيها؟. سأقسّم إجابتي إلى محطات، لأهمية بعض النقاط، وللمقارنة بين الأنفس، إذ أجد في نفسي نموذجا لشخص عاش حقبة ثلاثة أنظمة متتالية، كان لي فيها تفاعلاً يدور اليوم بعضا من شبيهه مع آخرين..

المحطّة الأولى:

أتحفّظ الآن في ذكر إسم صاحب السؤال، فهو لا زال لا يستطيع العودة إلى ليبيا، لأنه عمل في موقع أكاديمي قيادي خلال فترة النظام السابق، فهوجم بعد الثورة وأوقفت مرتباته هو وأسرته، الأمر الذي اضطره للهجرة طلبا للجوء في أرض الله الواسعة.. هذه محطة من المحطات التي اطلب من القارئ الكريم أن يتوقف عندها، وأن يرجع لها بعد أن أسرد ما سيلي. كذلك فيما حدث لهذا الرجل تكرار لقصصٍ أخرى مشابهة، لآخرين من أبناء شعبنا، لا يقل عددهم عن المليون ليبي، هُجِّروا بعد الإعلان عن نجاح الثورة بعيدا عن ديارهم، ومنهم الآن مَن بخارج الوطن. ومنهم مَن بداخله. بعضٌ من هؤلاء مهجّرون لانتمائهم الفكري إلى القذافي، وبعضهم الآخر لا لأي سبب سوى أنهم عملوا خلال سنوات حكمه في منظومة النظام. وأجد لزاما عليّ أن أشير إلى نقطة هامة هنا، سبق لي أن كررتها عدّة مرات خلال حوراتي مع أصدقائي بالمعارضة، وذلك إنصافا للشرفاء الذين كانوا يعملون مع النظام السابق: أحترم كل من بقي وصمد وواصل جهاده ضد أساطيل الفساد التي كانت ولا تزال تنخر في عمق الدولة الليبية كالسوس فتضعف بنيانه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فمن هاجروا ذلك الوقت أصناف: منهم من هاجر طلباً للعلم واستقر حيث طاب له العيش أو الأمن أو كلاهما معا، ومنهم من هاجر مطاردا ومطلوبا من النظام السابق لمعارضته له أو لعدائه له، ومنهم من ركب الموجة ووجد في هذا وسيلة للعيش عالة على الدولة التي لجأ إليها، بدون أن يبذل جهدا للعيش الكريم، وأثر تلقي المعونات الإجتماعية من تلك الدول مع الراحة والسلامة، وأُدرِجوا جميعا في قوائم المعارضين رغم الفروق بين الثرى والثريا.. واليوم نجد مئات الأسر في تونس وفي مصر وفي دول أخرى من شتى أنحاء العالم، غالبيتهم يعانون ضيق العيش ومرارة الغربة والشعور بالذل. لنسأل أنفسنا: هل تقوم الثورات لهذا؟ الشعب الليبي شعب عزيز، فيكف ترضى قلوبنا أن يُذَلّوا؟

المحطة الثانية:

لو أن كل من رفض ما كان يعيثه من فسادٍ من سُلِّمَت لهم المسؤولية لتسيير الدولة، قام بمغادرتها وتركها لهؤلاء، لما بقيت بذور خير بالوطن ولما كان بالوطن من يحميه ويحافظ عليه، بل ولما كان هناك اليوم وطن. وعليه، فهؤلاء الذين يُنظر لهم اليوم بعين النقص، وتُدرج أسمائهم في قوائم العزل السياسي، ومنهم من حتى في قوائم العزل الإجتماعي وقوائم التصفية الجسدية، ظلما وبهتانا، وحرمانا من حقوقهم المدنية، وإفراغا للدولة من كوادرها الخبيرة بها وبالكثير مما يجهله القادمون الجدد! هؤلاء، منهم من كان العمود الفقري الذي حفظ قامة الدولة من أن تنحني. إن البت في هذه الأمور يجب أن يُترك في يد لقضاء، وليس بسطوة دكتاتوريةٍ جديدة تحرق الأخضر واليابس ولا ينجو منها أحد.. لا يجوز أن نكرر نفس ما حصل في بداية الأربعين سنة من نظام الجماهيرية، لن نحصل إلا على نفس النتيجة، ولا يجوز أن يُنَصِّبَ أحدٌ نفسه قاضيا على الآخر، وجلادا، وسجانا، وبيده صحيفة الاتهام! لنسمح أولا بقيام دولة القانون، ثم: لكل من أذنب حُكمُه.

المحطّة الثالثة:

عودةً إلى السؤال الذي طرحه عليّ الأخ الكريم، بعد أن أجبته، أيقنت أن تاريخنا يجب أن تعاد كتابته من جديد بأيدي أمينة وصادقة، لكي نأخذ منه الدروس والعبر، ولا تكرر الأجيال المتلاحقة أخطاء الأجيال السابقة فقط لجهلها بها.. إن ما يحدث اليوم في ليبيا وما نسميه بثورة السابع عشر من فبراير بوجه عام، هو تكرار يكاد يكون نسخة طبق الأصل لما حدث في ليبيا عام 1969، أسميه أنا بالإنقلاب العسكري، ويسميه آخرون بثورة الفاتح من سبتمبر.

كان ردي عليه كالتالي: أردد دوما بأني من القلة المحصّنة ضدالقذافي ونظامه، فلم أرضى به ولم أهلل له يوما منذ لحظاته الأولى.. فهو بالنسبة لي كان إنقلابا عسكريا، وتم الدفع بالناس للخروج في الشوارع والتهليل له ليبدو كأنه ثورة.

لقد كان عمري حينها عشر سنوات فقط، ولكني لا أنسى التفاصيل خلال تلك المرحلة: فقد سٰجِن والدي ليلة الأحد 31/08/1969 مع عدد من رفاقه، وحين سمعنا البيان الأول صبيحة اليوم التالي، عرفنا أن غياب والدنا تلك الليلة كان لأمر جلل، ولم نكن نعلم حتى إن كان حيا أو ميتا.

كانت بداية السنة الدراسية، فتم نقل طلبة المدارس من مدارسهم إلى الشوارع وتم تلقين البعض بعض الهتافات، وبالفعل فرح الطلبة بالخروج من المدارس وكانت هذه الفرحة بادية على وجوههم، فقد كان خروجهم من المدارس بالنسبة لهم بمثابة الإذن الرسمي للهروب من الحصص، وبدون أن يحسب ذلك لهم غيابا، إنها الفرصة الذهبية وبإذن رسمي بالإنصراف والابتعاد عن الواجبات المدرسية وما يتبعها من روتين ممل وبدون عقاب، بل وبمباركة المدرسة والدولة! إنه نعيم المجانين!

ركِبَت الشعب الليبي خلال تلك المظاهرات “هستيريا جماعية”، وقد كنت شاهدا على ذلك، فقد كانت الهتافات قوية ورددتها الجموع بملء حناجرها إلى أن بحّت.. ولم يكن غالبية من رددوها يفقهون ما كانوا يقولون، لقد كانت مجرّد جنونٍ مباح شاركت فيه حشود تم نقلها إلى الشوارع من المدارس ومحال العمل الحكومية… لم يحدث ذلك في تاريخ ليبيا من قبل! أما نحن، فقد كنا نعود بهدوء إلى البيت ولم نكن نشارك في ذلك الهرج.. وكنا ملتزمين الصمت والهدوء خوفا من أن يطالنا أذىً.

هنا من جديد، أطلب من القارئ أن يتوقف في هذه المحطّة أيضاً.. ألا يسمع البعض ممن ناصروا النظام السابق أو حُسِبوا عليه، في هذا صدىً لأنفسهم اليوم؟ خلال أسبوع من إعتقال الوالد، سُمِح له بأن يتصل بنا ليطمئننا بأنه بخير وأنه لا يزال حيا يرزق، ولكنه أعلمنا أيضاً أن غيابه قد يطول إلى أجلٍ غير مسمّى.

المحطة الرابعة

إنفضَّ من حولنا أقاربنا وأصدقائنا، وعُزلنا بالكامل من المجتمع.. كانت والدتي جميلة وصغيرة في العمر، وكان حد تعليمها الإبتدائية، ولكنها نجحت في العناية بنا، وأصبحت تؤدي دور الرجل والمرأة بالبيت، فكانت خير مثل للمرأة الليبية الشريفة المناضلة في صمت، وحفظت لوالدي الأمانة، لم نتغيب يوما عن دراستنا، وكنا من الأوائل في تحصيلنا العلمي طوال السنوات التي قضاها والدي في السجن. طوال تلك السنوات، لم يبق معنا إلا ثلاثة أصدقاء فقط: فلم يكن يزور بيتنا إلا عائلتين: أسرة صديقٍ لوالدي استلم سيارته لإيصالنا للمدارس ولنقل والدتي لقضاء ما تحتاجه من أعمال، وأسرة إحدى خالاتي شقيقة الوالدة، أما بقية الأهل والأصحاب فقد أعلن بعض منهم صراحةً لنا أنهم يخشون فقدان وظائفهم إذا ما تترددوا على بيتنا، فانقطعت صلتنا بهم جميعا. الصديق الثالث كان “كلبة” تحرس البيت وتمنع أن يقترب منه أحد، ومعها شعرنا بالأمان! قد يستغرب القارئ هذا، ولكنها كانت فعلا تجبر حتى المشاة أن يغيروا طريقهم ليسيروا على الجانب الآخر من الطريق خوفا من نباحها عليهم وهجومها متى اقتربوا من البيت. تم نعتنا بالرجعيين المتعفنين، وبالبرجوازيين.. وتم التعدّي على بيتنا في الساعات الأولى من الفجر وترهيبنا من مجهولين لاذوا بالفرار بعد بث الرعب في قلوبنا.. كان بقرب بيتنا مركز شرطة الحدائق، فقام آمر المركز بإعطاء أوامر لدوريات حراسة المركز بأن توسع من مجال حراساتها الى المنطقة التي تشمل بيتنا، ثم أعلمنا بهذا لطمأنتنا، وطلب منا التكتّم بالخصوص حتى لا يطاله أذىً. وبالفعل وفى بعهده إلى أن رجع الوالد من سجنه في نهاية عام 1973، بعد تبرئته من جميع التهم المنسوبة له خلال محكمة الشعب الأولى، والتي أقيمت بعد أن قضى في الحصان الاسود قرابة الأربع سنوات، بدون محاكمة وبدون تهمة.. كان شعورنا بالظلم أكبر من أن يوصف بالكلمات.

المحطة الخامسة:

كان تاريخ الأول من سبتمبر بالنسبة لنا بداية لسلسلة من المظالم التي لم تنته، وتغيّرت حياتنا وانقلبت رأسا على عقب.. لم تكن الهجرة حينها أمرا واردا، فوالدنا كان بالسجن، ولم نضطر لها: فمرتبه لم ينقطع، وهذه تُحسَبُ للنظام السابق، حيث أنه لم يقم بما يقوم به اليوم “الفبراريون” من قطع الأرزاق لمجرد أن أصحابها كانوا يعملون من ضمن منظومة النظام السابق! وبالمناسبة، أود أن أشير هنا إلى أني، خلال فترتي بالحكومة الانتقالية، قمت بإعادة صرف مرتبات لأطباء وجدت أنها قد أوقفت بعذر أنهم كانوا باللجان الثورية.. والحقيقة فإني أستغرب جداً، كيف تم إصدار هذه القرارات وتنفيذها رغم علم من تولى إقتراف هذا الجرم بأنه بذلك يعاقب أسرٍ بكاملها ويمنع عنها مصدر رزقها الذي تقتات منه، منصِّبا نفسه الإدّعاء والقاضي والجلّاد في آنٍ واحدٍ، ناسيا أنه بذلك الفعل يتقمّص نفس الشخصية لخصمه والتي دفعته للمشاركة في “الثورة”! فعلت ذلك بقلبٍ مفعمٌ بالألم، واعتذرت لأحدهم حين تمكّن من الوصول إليّ.. كنت افكّر: ماذا لو أن ذلك قد حدث لنا عام 1969، كيف كنا سنستطيع الإستمرار في الحياة بدون دخل يؤمن لنا المأكل والمشرب والملبس والمسكن؟ لا حول ولا قوة الا بالله.. كيف تغلظ القلوب بهذا الشكل وتقسو، وتتقمص الضحية روح جلادها لتصبح أشد تنكيلا وقسوة بدافع الانتقام؟!

المحطة السادسة:

تم في البداية إحتجاز ضباط الجيش الليبي في قصور الضيافة لمدة شهرين قبل نقلهم إلى سجن الحصان الأبيض، فقد سُمِّيَ بهذا الإسم نسبة لتمثال حصان لونه أبيض في مدخل السجن، ثم تم طلائه بعد عام باللون الأسود وتغيرت تسميته إلى سجن الحصان الأسود.. أذكر ذلك جيدا، فرغم صغر سني ذلك الوقت إلا أن قلبي انقبض لدى رؤيتي للحصان بالطلاء الجديد، فقد كان ذلك بالنسبة لنا إشارة ضمنية بأن ما خلف تلك الأبواب الموصدة لم يعد أبيضا، بل سواد وظلام ومصير مجهول.. نظر ضباط الجيش الليبي إلى بعضهم البعض في المعتقل، فوجدوا أنهم كانوا جميعا هناك، تعجبوا: من قام بالإنقلاب العسكري إذن؟ فالكل هنا! حين تبيّن لهم لاحقا بأنه الملازم امعمر القذافي، تأكد لهم أن اللعبة أكبر من انقلاب مدبّر من الجيش الليبي أو ثورة شعبية: فحسب التسلسل الوظيفي والإنضباط العسكري كان ذلك مستحيلا! لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يقود ملازم أول ضباط وجيش بكامله وينصاغوا له.. ليس هكذا تسيّر الأمور في الجيوش. كان هذا رأي الوالد رحمه الله منذ ذلك التاريخ إلى أن غادر الدنيا عام 2003 إثر خطأٍ طبي في مصحة المروى ببنغازي..

هنا اطلب من القارئ الكريم أن يتوقف لحظة ويقارن بين ما سُمّيَ ب “ثورة الفاتح من سبتمبر” وما سُمِّيَ ب “ثورة السابع عشر من فبراير”، وما سبقها وما لحقها.. علينا إعادة التمعّن في تاريخنا، وإعادة كتابة ما سقط منه أو أُسقط عمداً، فبهذا الجزء الذي لم يقال، توجد الحقيقة الكاملة لهذه الثورات. ورغم أن “السابقة الأولى” لم تسفك فيها دماء، بينما الثانية كانت دموية جداً، إلا أن التشابه في أمورٍ كثيرة بينها يفرض علينا أن ننظر بعين الموضوعية للحدثين، ونصارح أنفسنا بكل مصداقية: هل فعلا كانت هذه ثورات؟ بالنسبة للبعض نعم، وقد شاركوا فيها بروح الثورة وبدافع التغيير والقضاء على الفساد واستبدال نظامٍ غير مرضيٌّ عليه بآخرٍ أفضل، وقد كانت لهم بالفعل ثورة، وأنا منهم.. أما بالنسبة لآخرين فلا. وبعيدا عن توزيع شهادات الخيانة على أبناء شعبنا، علينا أن نعي بأن نفس من حرّك الشعوب لتخرج ولتعطي تلك الأحداث صفة “ثورة”، مزج هاتين “الثورتين” أيضا بأحداث أخرى وشخصياتٍ مريبة، أبعدت عنها صفة الثورة، ووضعت الإثنتين في خانة “المؤامرة”.

المحطة السابعة:

سأعود بالذاكرة قليلا إلى الخلف: عام النكبة: 1967، حين خسر العرب حربهم ضد إسرائيل، خرج الشعب الليبي غاضبا بشكل تلقائي في الشوارع منددا بما جرى، وسأحكي هنا عن بنغازي فقط لعلمي ببعض التفاصيل بالخصوص:

حين تم إطلاق النار على المتظاهرين سقط بعضهم شهداء، كان مصدر إطلاق النار من الشرطة، فقام الجيش بتفريق المتظاهرين ومنع الشرطة من الاستمرار في هجومها عليهم. وبالفعل كان موقف الجيش رائعاً حينها، إذ منع المزيد من الفوضى ووقف سدا منيعا بين الشرطة والشعب. خلال تلك الساعات، كنت بالمدرسة، وقد كان الجدار الخلفي لها هو محلات “بدوسة” اليهودي التي تم حرقها ذلك اليوم، فوصلت النيران إلى المدرسة. كان حينها أهالي جميع الطالبات قد رجعوا بهن إلى بيوتهم، إلا أنا، فقد كان والدي في حال مختلف: كان والدي رحمه الله من ضمن ضباط الجيش المتواجدين لحماية المتظاهرين، فما كان من الجموع الهائجة إلا أن لف بعض منهم الوالد في علم ليبيا وداروا به لمدة ساعة حول المدينة فرحاً بموقف الجيش تجاههم، وكاد يقضى عليه اختناقا، إلى إن إنتبه أحدهم لذلك فتم إنزاله من على الأكتاف.. خلال نفس العام مثل القذافي أمام الوالد في المحكمة العسكرية ببنغازي بتهمة تعذيب جندي خلال التدريب، وقد ثبتت التهمة وأصدر الوالد حكمه على القذافي بالسجن الانفرادي لمدة لا اذكرها بالتحديد، ولكنها كانت بين الثلاثة أيام إلى الأسبوع، وترتب عليها حرمان القذافي من ترقيته ذلك العام. كذلك، بدأنا نلاحظ على الوالد تذمراً واضحا من سياسة النظام تجاه الجيش، فقد بدأ الملك رحمه الله يعطي الأفضلية للشرطة بقيادة السيد عبدالعزيز الشلحي، أعتقد انه كان على صلة قرابة بالملكة فاطمة، بينما كان الجيش يفقد ميزاته ودعمه المالي، فقرر تقديم استقالته إعتراضا على ما يتعرض له الجيش الليبي آنذاك من إهمال ونقص ذخيرة بينما كانت الشرطة تنال جميع الامتيازات، وقد كان رأيه منذ ذلك الوقت أن هذه يهدد أمننا القومي ويجرٰد الجيش من قوته ويضعفه. في عيد الجيش 9 أغسطس 1969، دخل علينا الوالد بلباسه العسكري وعلى أكتافه شارات الترقية من رتبة مقدم إلى رتبة عقيد، فكانت فرحة الوالدة غامرة، وبدأت في الزغاريد، ولكن فوجئنا بردة فعل الوالد: أوقفها عن الاستمرار واقتلع الشارات من على أكتافه، ثم رماها على الكرسي وارتمى على الكرسي المجاور وهو يقول لها: “لقد كنت أطمح في قبول استقالتي وليس في ترقية!” ألجمنا جميعا وعم الوجوم بالبيت…

لقد كان والدي من ضمن عدد من الضباط في الجيش الليبي المعارضين لسياسات الملك، وأود ان اذكر شيئا هنا لم يسبق لي أن سجلته كتابيا رغم أن بعض الاصدقاء يعلمون بهذا:
حين كنا ننشد النشيد الوطني، لم نكن نردد الفقرة الخاصة بالملك مع البقية، فقد كان الوالد قد علّمنا أن لا نفعل، كان ذلك لكي لا نمجّد الأشخاص بل الوطن فقط.. وهنا المفارقة العجيبة!

ما ارغب أن أشير إليه هو النظر إلى أوجه الشبه والإختلاف بين ما تعرّض له الضباط في الجيش الليبي تلك الحقبة والحالية: فالوالد كان من الرتب العالية بالجيش الليبي، وتم سجنه لذلك السبب (وزاد الامر تعقيدا رغبة القذافي في الانتقام الشخصي منه بسبب سجنه له)، كذلك تم عزله وعزل أسرته عن المجتمع بهذه التهمة إيضا.. ورغم هذا كله، لقد كان في قرارة نفسه معارضا لسياسات النظام الملكي، وكان يزرع ذلك في قلوبنا.

المحطة الثامنة والأخيرة

عودة إلى أسباب التحاقي بالمعارضة الليبية ضد نظام القذافي، مما يتبين أعلاه، فقد كانت لي أسبابي الشخصية في البداية، ولكن ذلك تطور إلى أسباب تخص رفضي للمظالم للغير، منها الأحداث التالية:

♦ ممارسات اللجان الثورية إبتداء من منتصف السبعينات،
♦ الزج بأبنائنا في أتون حروب أوغندا وتشاد.

♦ الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له ليبيا بسبب ضلوع ليبيا في تفجير مقهى لابيل في ألمانيا وما تعرضنا له كشعب من نقص في ابسط الاحتياجات اليومية، إضافة إلى المهانة التي كنا نتعرض لها في المطارات عند السفر.

♦ إذلال شعبنا ببرنامج التشاركيات في الثمانينات، ووقوفنا في طوابير طويلة لا داعي لها، للحصول على بضاعة لا داعي لها أيضاً، والمعاناة التي تلحقها لاستبدالها مع الآخرين بما يتناسب مع الإحتياجات الشخصية.

♦ تعريض الشعب الليبي للغارة الامريكية.
♦ حادثة لوكربي.
♦ حادثة الخطوط الجوية العربية الليبية فوق سيدي السايح.
♦ جريمة بوسليم.
♦ جريمة الإيدز.

♦ الأساليب التي كانت تحل بها الدولة أزماتها مع العالم: كانت تنعكس بشكل سئ على كرامتنا واحترامنا في المجتمع الدولي.

♦ تدني المرتبات وانتشار الفساد.
♦ تدهور مستوى التعليم.
♦ تفشي الفساد بدون رادعٍ جدّي.
♦ الفساد المتفشي في جميع الدوائر الحكومية بما فيها الهيئات القضائية.
♦ انعدام حرية التعبير.
♦ تدني مستوى إحترام حقوق الإنسان.

لقد كانت هذه هي الأسباب التي عارضت لأجلها النظام السابق، ولم أعارض أشخاصا لشخصهم بل سياسات أشخاص تسببت فيما ذكرت أعلاه.

د. فاطمة الحمروش
Dr Fatima Hamroush
FRCS(Ed) Ophth, DO, MBBS

نشر بصحيفة ليبيا المستقبل

– القذافي ، حرائقنا ، وكارثته الصوتية


8 / 8 / 2010 23:27

: القذافي، حرائقنا، وكارثته الصوتية
علي الصراف
مَنْ هم الذين يستحقون الحصول على مساعدات في مواجهة كارثة إنسانية أو بيئية في عالمنا؟
دع عنك أفريقيا.
هناك أولاً، الفلسطينيون المحاصرون في غزة. فعلى الرغم من حملات التضامن الدولي، إلا أن الحصار الإسرائيلي ما يزال يمثل جحيما، بجميع المقاييس، حتى على أبسط مظاهر الحياة. ثم هناك الفلسطينيون في الضفة الغربية الذين، حتى وإن كانوا يحصلون على مواد غذائية وأدوية وقرطاسية لمدارس أطفالهم، إلا أن حالهم، في الحرمان والجوع، لا يرتفعُ كثيراً عن حال أشقائهم في غزة.
هناك، ثانيا، الملايين في اليمن الذين يعيشون تحت خط الفقر. وبينهم مئات الآلاف من المشردين. والبلد برمته يعاني من نقص في كلّ مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، وأولها شحة المياه، وثانيها، شحة الكهرباء، وثالثها، شحة الزراعة، ورابعها شحة الوظائف، وخامسها، شحة التمويلات لمشاريع التنمية المعطلة، و….
هناك، ثالثا، مصر نفسها، التي يبلغ معدل الفقر فيها نحو 40% من مجموع السكان. أي أن هناك نحو 35 مليون نسمة يعيشون على الحد الأدنى لمتطلبات الحياة، بينهم 14 مليون نسمة (حسب تقرير للأمم المتحدة عام 2007) يعيشون “تحت خط الفقر”، وبين هؤلاء 4 ملايين نسمة لا يجدون قوت يومهم أصلا ويعيشون على الفضلات.
وهناك، رابعا، السودان، الذي تقول منظمة اليونيسيف أن 31% من أطفاله دون الخامسة يعانون من نقص حاد في الوزن، وأن معدلات وفيات الاطفال تزداد طرديا مع زيادة مستويات الفقر، في ظل انتشار الاسهالات والملاريا ومحدودية فرص الحصول على مياه الشرب النقية والصرف الصحي. وتضيف “ان الفقر (في هذا البلد) لا يعني الحرمان المادي فقط ولكنه يشمل انعدام السكن الملائم وعدم القدرة على الحصول على العلاج وانتشارالبطالة وتفشي الامية”.
وهناك خامسا، الفقر والحرب الأهلية والتمزق الذي يجعل من الصومال واحدا من أكثر بلدان العالم اهتراءً وتفسخا، وذلك الى حد يدفع بالكثير من أبنائه لكي “يعيشوا” على الإرهاب والقرصنة. بمعنى أن هاتين المصيبتين هما “المؤسستان” الوحيدتان اللتان توفران دخلا و”وظائف” للفقراء!
وهناك، سادسا، المغرب الذي يبلغ معدل الفقر في مناطقه القروية نحو 22%، وتبلغ النسبة 14% على المستوى الوطني، من مجموع 32 مليون نسمة.
ولدينا، سابعا، على المستوى العربي العام، من مظاهر الفقر والبطالة ما يجعلنا ننحدر في سحيق كارثة حقيقية. إذ يقول تقرير للأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2009 بان هناك 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر، وان البطالة تعد من المصادر الرئيسية لانعدام الامن الاقتصادي في معظم البلدان العربية، وان معدلات الفقر العام تتراوح بين 28.6% و30% في لبنان وسورية في حدها الادنى، ونحو 59.9% في حدها الاعلى في اليمن، ونحو 41% في مصر.” وحسب بيانات منظمة العمل العربية (2008) فان نسبة البطالة في موريتانيا تبلغ نحو 22%.
ومن الجلي، فان هذه الأوضاع تنتجُ مآسي يومية كثيرة بالنسبة لعشرات الملايين، وهي تولد حرائق اجتماعية تلقي بظلال مدمرة المنطقة بأسرها دفعة واحدة، وتثير سحابةَ دخانٍ خانقةٍ تجعلُ كل إنسانٍ يعيشُ فيها يتنفسُ هواءً ملوثا.
ولكن إذا صحا الزعيم الليبي من غفوته كرئيس للقمة العربية، فما هي الكارثة التي سوف تلفت انتباهه أكثر من غيرها؟ وما هي الحرائق التي ستدفعه ليبحث عن نجدة طارئة لها؟
الجمعة، 6/8/2010، ظهر العقيد معمر القذافي في خطاب تلفزيوني ليقول انه يدعو “القادة والزعماء العرب والإيطاليين” (لا أعرف ما هو الرابط) لتقديم “مساعدات لروسيا في كارثة الحرائق ولباكستان في كارثة الفيضانات”.
وقال التلفزيون الليبي “أن مناشدة القذافي للقادة العرب جاءت من خلال اتصالات أجراها معهم باعتباره رئيس القمة العربية”.
في ظل كل ما لدينا من أوجاع وحرائق، فالسؤال هو: هل يمكن للعار أن يبلغ مستوى أشد من هذا قُبحاً؟
هل يمكن للتفسخ الذهني أن يكون أكثر من هذا عُنفاً؟
روسيا دولة عظمى، لا بالمعنى الهوائي للعظمة (كما هو حال جماهيرية العقيد “العظمى”)، بل بالمعنى الإقتصادي المحض. إذ انها سادس أكبر قوة اقتصادية في العالم. وبالتالي، فمن الأولى بها أن تقدم المساعدات للآخرين، لا أن تتلقاها منهم.
وإذا كانت باكستان دولة فاشلة (على غرار دولة العقيد الفاشلة، بالمعايير التنموية الدولية) فلأنها حليفٌ وثيقٌ للولايات المتحدة وتخوضُ حربا بالنيابة عنها، ضد نفسها من ناحية، وفي افغانستان من ناحية أخرى. بمعنى آخر، باكستان حليفٌ وثيقٌ للإمبريالية (التي يزعم العقيد القذافي انه يعاديها و”يتحدى” سياساتها هوائيا). و”الامبريالية” أولى بأن تساعد حلفاءها، لا أن تدفع “أعداءها” الهوائيين لكي يخففوا عنها!
يزعم البعض، على غير الحقيقة ربما، ان الزعيم الليبي يتعاطى أشياء تجعله يفقد الوعي، فيهذي، ويدلي بتصريحات تنطوي على الكثير من شذوذ المفارقات المفجعة.
ولكن رجلا يرتجلُ أهواءَه وتقويماته الشاذة لا يحتاج، في الواقع، الى أن يتعاطى شيئا. فبيئة الهذيان، عندما لا يعود يضبطها قرار رشيد، هي “التعاطي”. ولا بد لها أن تُفضي في النهاية الى الإنطلاق من تصرف أهوج، وتقدير أعرج، ولسان أعوج.
وحيال كارثة الحرائق الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني عشرات الملايين من مآسيها اليومية، ونضطر جميعا الى أن نتنفس من هوائها الملوث، فمن الرعونة بمكان أن يدير “رئيس القمة العربية” ظهره لها، ليرفع سماعة الهاتف ليجري مشاورات مع “القادة العرب والإيطاليين” من أجل الذهاب لمساعدة روسيا وباكستان.
لقد كان من الجدير بالملاحظة، عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، أن “سفينة الأمل” الليبية سجلت نهاية مخزية لحملة التضامن العالمية لكسر الحصار ضد غزة. وبدلا من المواجهة (التي قادتها السفن التركية) لتحوّل الحصار الاسرائيلي الى جريمة تستحق المحاكمة، فقد قرر مرسلو السفينة الليبية أن يمتثلوا، بخذلانٍ ومذلةٍ، للأوامر الإسرائيلية، بل وأن يبرروا (من الناحية الموضوعية) الموقف الإسرائيلي القائل أن إسرائيل لا تعارض إيصال مواد الإغاثة الإنسانية الى غزة، سوى انها لا تريد تحديا يجعل ميناء غزة مفتوحا.
وهكذا، فبدلا من التحدي والمواجهة، اختار الخذلانُ أن يُرسي “تحدياته” في العريش.
وبدلا من محاكمة الجريمة، اختار الذلُّ، أن يكتفي بإيصال مواد غذائية.
وبدلا من الهزيمة التي تكبدتها إسرائيل، بفضل السفينة التركية “مرمرة”، جاءت السفينة الليبية لتمنح إسرائيل نصرا سياسيا وأمنيا ودبلوماسيا، مقابل منح المحاصرين ما تقول اسرائيل انها لا تمنع وصوله اليهم!
ولم يسأل الموريتانيون، الذين اختاروا العقيد القذافي بوصفه “قائدهم ومرجعيتهم”، لم يسألوا أنفسهم: على ماذا يا حسرة؟ على الظاهرة الصوتية التي يمثلها هذا “القائد” في عالم التحديات الهوائية الفارغة؟ أم على دولة الفشل التي يقودها في بلاده حتى أورثها الخراب والطاعون؟ أم على فضيحة الدعوة لتقديم المساعدات، ليس لبلادهم، وإنما لـ… روسيا؟
هذا الرجل لا يفتح فمه، حتى يخرج منه شيءٌ مروعٌ، مرة، بعد مرة، بعد مرة. ومن المفيد للجميع أن يصمت، على الأقل لكي لا يُذكّرنا بوجوده كأقدم كارثة في السلطة العربية.
هل تعيش المنطقة، التي يرأس هذا الرجل قمتها، في ظل حرائق تطال بمآسيها عشرات الملايين؟
نعم.
ولكن لانه أولُ العار فيها، وأولُ الكارثة.
هذيانات الفضيحة، قد تدل على مدى التدهور الذهني الذي يعانيه “القائد”، ولكنها تضع الكثير من المسؤولية على شعب وجد نفسه ضحيةً لتبعاتها ومصائبها على امتداد 40 عاما.
لعله يمكن “للقادة العرب والإيطاليين” أن يقولوا له: “يا رجل، إتق الله فينا. مش ناقصينك احنا”. ولكنها مسؤولية الليبيين أنفسهم لكي ينجّونا وينجّوا أنفسهم من هذه الكارثة الصوتية.
من الأجدر بأحد أن يقف ليقول له: عندما تريد أن تهذي، في المرة القادمة، فمن اللائق أن تستشير أحدا، وليس من العيب أن تصغي لصوت العقل.
أو إسألوه: هل اتصل بك الأميركان، بوصفك رئيسا للقمة، لكي تقدم المساعدة لباكستان؟ فهببت مثل المفزوع لكي تنفذ الأوامر، يا أبا “التحدي”.
أو قولوا له على الأقل: إصح. لا تتكلم وأنت نائم في عز النهار. وبما أنك “أقدم كارثة” في السلطة العربية، أفلا تلاحظ أن الكيل قد فاض، وأن سيلُ الرعونة قد بلغ الزبى، حتى ذهبت به أبعد مما ينبغي؟
أفلا ترى أن أربعين عاما من الترهات تكفي، وأن الأوان قد آن لتُكرمنا بصمتك؟
على الصراف
عن جريدة وطن (يغرّد خارج السرب)
الأحد 8 أغسطس 2010
==============

التعليق على الموضوع

ولد الشيخ: يتابعوا في كل شعوب العالم..الا شعبنا مافيه من يتابعه مايتابعوش الا في فلوسنا ..لكن لم يقرأوا مواقعنا وأزمة المرتبات… يتابعوا في كل شعوب العالم..الا شعبنا مافيه من يتابعه مايتابعوش الا في فلوسنا ..لكن لم يقرأوا مواقعنا وأزمة المرتبات وحاجة الليبيين لكل درهم.
———————
ملاحظ: مع ملاحظة أنهم يدعمون ويستثمرون ويرصدون خارج الوطن وخارج البلاد العربية والاسلامية ويوهمون ويخدعون المواطنين… مع ملاحظة أنهم يدعمون ويستثمرون ويرصدون خارج الوطن وخارج البلاد العربية والاسلامية ويوهمون ويخدعون المواطنين والعرب بغير ذلك. المليرات التي تجد طريقها منذ عشرات السنين الى اروربا والامريكتين وافريقيا السوداء وغيرها من البلاد الغير عربية وغير اسلامية تبقى طي الكتمان بينما يملأون الدنيا ضجيجا حول شراء بيت للمطربة صباح او بيت لأرملة ياسر عرفات او بناء بيت لعجوز في تونس، او شحنة طائرة للشعب العراقي المحاصر غذائيا بعد عشر سنوات من بدء الحصار او شحنة باخرة للشعب لشعب غزة المحاصر بعد عامين من بدء التجويع، او بناء طريق بطول 8كم في تونس او مساعدة مدرسة لروض الاطفال في موريتانيا، او كما يقولون اخيرا اعمار غزة بخمسين مليون دولار او دعم موريتانيا بـ 80 مليون دولار او النيجر بـ 100 مليون دولار، علما بان كل هذا “الاموال” التي تبذل وتستثمر في الوطن العربي والاسلامي منذ اربعين عاما لا يتجاوز مجموعها قيمة احدى شركاتهم او مشاريعهم في بلد اوربي واحد (مثل شركة تاماويل التي تمتلك اكثر من 1750 محطة وقود وثلاث مصافي نفط في ايطاليا لوحدها بينما عدد محطات البنزين في الواطن الشاسع الذي تعوزه جميع وسائل الموصلات عدا السيارات الخاصة اقل من 1000).
—————
الغساني: اما كونه اكبر واقدم كارثة حكم عربي فنعم ، بل فوق ذلك هو اكبر واقدم كارثة حكم قاراقوشي على مستوى العالم .nاما عن المساعدات… اما كونه اكبر واقدم كارثة حكم عربي فنعم ، بل فوق ذلك هو اكبر واقدم كارثة حكم قاراقوشي على مستوى العالم .nاما عن المساعدات فان الشعب الليبي الفقير المعدم هو اولى بالمساعدة من كل من ذكرهم الكاتب .nاننا نحن الليبيين ندعو ونرجو ونلتمس من المحسنين ان يمدوا لنا يد المساعدة والرحمة والانقاذ من الجوع . اننا في ليبيا نتضور جوعا ونموت موتا بطيئا من الامراض التي لانملك القدرة المالية على التداوي منها . nوان ليبيا هي اولى بان يهب العالم المتحضر لاعادة اعمارها بعد ان دمرها نظام عصر الجماهير الذي عصر الليبيين عصرا استنزافيا تحت ثقل مدحلةالفساده ، اين منه عصر حبات الزيتون تحت المدحلة الحجرية.nان ليبيا الدولة الاغنى في افريقيا بل وفي العالم قياسا الى عدد سكانها ودخلها ، هي افقر من بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر على مستوى الواقع المعاش . فالخدمات الصحية في الحضيض والاطباء المتخرجون عاطلون عن العمل دون تعيين ، والخدمات التعليمية في الحضيض والمعلمون يطردون من وظائفهم والمناهج تتغير كل سنة واخيرا ختمها النظام بجريمة خصخصة التعليم . والبنية الاساسية في الحضيض والمصانع والشركات العامة بيعت لابناء النظام بسعر التبن ، ومشاريع الانتاج الزراعي والحيواني تقاسمها الحكام ومومسات النظام . والبطالة تفترس مئات الاف الشباب ، وازمة السكن تستفحل بصورة مرعبة تهدد بانقراض الشعب الليبي جراء عجز الشباب من الجنسين عن تكوين عائلات جديدة . nاننا نختنق ، ونسترحم مؤسسة بيل غيتس الخيرية لادراج الشعب الليبي على قائمة الفقراء والمنكوبين الاولى بالرعاية العاجلة.
——————–
سليم الرقعي تحية للكاتب: فقد أصبت كبدالحقيقة مع تحياتنا فقد أصبت كبدالحقيقة مع تحياتنا
—————
ولد الشيخ: اي حقيقة حرام عليكم..يعني أولويات هذا الكاتب وغيره هي العروبة.مالهم الباكستان أليسوا مسلمين ليستنكر نداء القذافي… اي حقيقة حرام عليكم..يعني أولويات هذا الكاتب وغيره هي العروبة.مالهم الباكستان أليسوا مسلمين ليستنكر نداء القذافي بمساعدتهم؟ كل هذه النقمة لأنه اعلن بانه سيستثمر مليارات في افريقيا وهي أحوج مناطق العالم كله. والكاتب علي الصراف اولوياته بأن يضع مصر والسودان وكل الدول العربية ولم يشير أبدا لفقراء ليبيا. والناس اللي داخلة على شهر رمضان بدون مرتبات ولم يشير أبدا لحال مستشفياتنا وحاجتنا للعلاج وللدواء ليضع كل الوطن العربي في مرتبة الحاجة لأموال الشعب الليبي قبل الشعب نفسه.علينا يا سيد سليم وياسيد علي الصراف بأن نطالب بأن يعطى المال لأصحابه لا بأن يهدر بطريقة عنصرية . أهل البيت أولى برزقهم ثم يأتي بعد ذلك المحتاج أيا كان مسلما ام افريقيا ام امريكيا.بنظرة انسانية لابنظرة عنصرية.
—————-
الحاج محمد: توصيف صحيح متقن لاغبار عليه وسهم .صادق أصاب . شكرا جزيلا * جيفة تحكم ليبيا* توصيف صحيح متقن لاغبار عليه وسهم .صادق أصاب . شكرا جزيلا * جيفة تحكم ليبيا

اما كونه اكبر واقدم كارثة حكم عربي فنعم ، بل فوق ذلك هو اكبر واقدم كارثة حكم قاراقوشي على مستوى العالم .nاما عن المساعدات… اما كونه اكبر واقدم كارثة حكم عربي فنعم ، بل فوق ذلك هو اكبر واقدم كارثة حكم قاراقوشي على مستوى العالم .nاما عن المساعدات فان الشعب الليبي الفقير المعدم هو اولى بالمساعدة من كل من ذكرهم الكاتب .nاننا نحن الليبيين ندعو ونرجو ونلتمس من المحسنين ان يمدوا لنا يد المساعدة والرحمة والانقاذ من الجوع . اننا في ليبيا نتضور جوعا ونموت موتا بطيئا من الامراض التي لانملك القدرة المالية على التداوي منها . nوان ليبيا هي اولى بان يهب العالم المتحضر لاعادة اعمارها بعد ان دمرها نظام عصر الجماهير الذي عصر الليبيين عصرا استنزافيا تحت ثقل مدحلةالفساده ، اين منه عصر حبات الزيتون تحت المدحلة الحجرية.nان ليبيا الدولة الاغنى في افريقيا بل وفي العالم قياسا الى عدد سكانها ودخلها ، هي افقر من بوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر على مستوى الواقع المعاش . فالخدمات الصحية في الحضيض والاطباء المتخرجون عاطلون عن العمل دون تعيين ، والخدمات التعليمية في الحضيض والمعلمون يطردون من وظائفهم والمناهج تتغير كل سنة واخيرا ختمها النظام بجريمة خصخصة التعليم . والبنية الاساسية في الحضيض والمصانع والشركات العامة بيعت لابناء النظام بسعر التبن ، ومشاريع الانتاج الزراعي والحيواني تقاسمها الحكام ومومسات النظام . والبطالة تفترس مئات الاف الشباب ، وازمة السكن تستفحل بصورة مرعبة تهدد بانقراض الشعب الليبي جراء عجز الشباب من الجنسين عن تكوين عائلات جديدة . nاننا نختنق ، ونسترحم مؤسسة بيل غيتس الخيرية لادراج الشعب الليبي على قائمة الفقراء والمنكوبين الاولى بالرعاية العاجلة.