عن زمن الحسرة

فهمي هويدي Headshot
 

صحيح أننا فى زمن «الحسرة»؟ ــ السؤال لى والتشخيص لغيرى والخلفية تستحق أن تروى. ذلك أننا كنا مجموعة من الباحثين والأكاديميين قدموا من سبعة أقطار عربية استجابة لدعوة مركز دراسات الوحدة العربية لمؤتمر فى تونس. وما أن التأم جمعنا ذات مساء حتى انفتح الباب واسعا لمناقشة أوضاع العالم العربى وأخباره المثيرة التى باتت مخضبة بالدماء. فقال واحد إننا كنا نحلم قبل ثلاثة أو أربعة عقود بتحرير الأمة بعد تحرير الأوطان من المستعمرين والغزاة، إلا أنه لم يخطر على بال أحد أننا سوف نستدعى المستعمرين السابقين لنحتمى بهم.

ثم وجدنا أنظمة «وطنية» تحارب شعوبها، بل أصبحنا نقرأ فى الصحف أن ثمة معارك لتحرير أحياء المدن وبعض القرى والنواحى. وكما حدث فى اللوثة اللبنانية التى احتدم الصراع فيها بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية، فإننا وجدنا النموذج مكررا فى حلب والموصل وتعز وبغداد ذاتها. وهو ما نقل الحوار إلى مستوى آخر، حين قال أحد الجالسين إن الحالة الفلسطينية لا مثيل لها ذلك أنه بعد كارثة القطيعة بين الضفة الغربية والقطاع، فإن نشطاء الضفة أصبحوا يلاحقوق من جانب أجهزة السلطة الفلسطينية ومن الإسرائيليين فى الوقت نفسه، حتى أصبحت القيادة «الوطنية» تتباهى بقمع وإجهاض المقاومة التى تستهدف العدو الإسرائيلى.

قال آخر إن القمع صار عنوانا عريضا لما جرى فى العالم العربى من أقصاه إلى أقصاه، حتى أن البعض فى الجزائر صاروا يتحسرون على زمن الاحتلال الفرنسى. فعقب ثالث قائلا إن هؤلاء لهم أقران كثر فى ليبيا، إذ رغم بؤس الأوضاع التى فرضها معمر القذافى، فإن الناس حين عانوا مما هو أشد بؤسا بعد الثورة، فإنهم أصبحوا يتحسرون على أيامه، حينئذ انبرى رابع قائلا إن الحاصل فى العراق لا مثيل له. لأن حنين كثيرين إلى زمن صدام حسين مشهود فى قطاعات عريضة، خصوصا بين أهل السنة الذين عانوا من ظلمه لكنهم صاروا يتامى فى غيابه.

بعدما تكررت الملاحظات عن الأوضاع فى اليمن والسودان وعن حنين البعض فى مصر إلى عصر مبارك سألنى أحد الجالسين: هل حدث فى التاريخ المصرى أن صدر حكم بحبس نقيب الصحفيين أو تم اقتحام الشرطة للنقابة، وحين أجبت بالنفى انبرى الأكاديمى الجزائرى المخضرم قائلا إننا فيما يبدو نعيش زمن الحسرة على ما فات، لأن ظاهرة الحنين إلى الماضى على سوئه باتت ظاهرة يتعذر تجاهلها فى أغلب الأقطار العربية، وربما كانت تونس استثناء فى المشهد العربى.

كان لدى تحفظ أساسى على هذه المقولة، يتلخص فى أن ذلك حكم متعجل لأنه لم تمض على هبوب رياح التغيير فى العالم العربى سوى خمس سنوات فقط، وتلك فترة قصيرة للغاية فى أعمار الشعوب خصوصا حين يتعلق الأمر بمراحل التحول التاريخى. فضلا عن أن تلك السوءات التى يشار إليها ظهرت فى الأقطار التى تعثر فيها الربيع العربى، ونجحت قوى الثورة المضادة فى صد موجاته. وهو ما فجر صراعات شرسة لاتزال مستمرة فى تلك الأقطار، ولابد أن نلاحظ فى هذا الصدد أن استنفار قوى الثورة المضادة لم يكن على المستوى القطرى فقط، لأن احتشادها كان على مستوى الإقليم، حيث عبأت أطراف عدة كل ما تملك من عناصر القوة والبطش لكى تجهض عملية التغيير، ليس دفاعا عن الأنظمة الاستبدادية «الشقيقة» فحسب وإنما دفاعا عن نفسها أيضا.

لم اختلف حول وجود الحسرة المذكورة بدرجات متفاوتة، ولكننى اعتبرت أنها تعبير عن اختيارين ما هو تعيس وما هو أتعس، فى حين أن حلمنا كان ولايزال يتطلع إلى الأفضل وليس إلى أى من الخيارين البائسين.

كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى

13 04/12/2016

الخبر من ليبيا يقرأ حسب الهوى

    الصحيفة الاجنبية ذكرت ”  أن هذه التصريحات يمكن اعتبارها تهديدا صريحاً، للاتحاد لإرغامه على الاعتراف بحكومته .. ” … يمكن اعتبارها .. بصيغة الاحتمال والممكن  .. وصياغة صحافتنا للخبر ” المؤتمر يهدد.. جازم  ” .. كل ما في الامر ان كل جهة اعلامية تنتمي لداعمها .. اما المؤتمر او البرلمان ولا مكان لحل وسط .. اما ابيض او اسود .. هذا ليس خدمة وتماهيا مع المؤتمر الذي حسب قول المتحدث باسمه انهم من اجل ابقاء اوروبا بعيدا .. وقطع ذرائع تدخلاتها دفعوا الملايين من امولنا لمنع المهاجرين من العبور ، بل وتحدث عن اعادة توطين .. وتلك كارثة .. لكن الصحيفة الليبية التابعة لقناة البرلمان الجديدة .. يهمها ان تلحق الادى بالطرف المنافس للبرلمان .. المؤتمر .. وان على حساب مصلحة الوطن .. لا يهم ما قد ينجم عن تاكيد هكذا خبر بلغة اهله .. وطن ينتحر بايدي اهله ولا ضير في استخدام المعول الاجنبي  .. نص الخبر بصياغة الصحيفة الليبية الجديدة بالافق والمرافة لقناة .. يعني امكانيات بلا حدود .. ولا يوجد منبر اعلام بلا هدف  :

“المؤتمر” يهدد أوروبا بتحويلها إلى قارة سمراء

هدد المؤتمر الوطني، الاتحاد الأوروبي بإغراقه بالمهاجرين، في حال لم يقدم اعترافا بحكومته، وقال مسؤولون في “المؤتمر”، بحسب مقابلة نشرتها “التلغراف” البريطانية، إن المؤتمر قادر على  إرسال مهاجرين أفارقة عبر البحر الأبيض المتوسط للشواطئ الأوروبية، وذكرت الصحيفة إلى أن هذه التصريحات يمكن اعتبارها تهديدا صريحاً، للاتحاد لإرغامه على الاعتراف بحكومته.

وقال المتحدث الإعلامي للمؤتمر، جمال زوبية، لـ “تلغراف” إن النفقات التي يتكفل بها المؤتمر لإيقاف المهاجرين عبر طرابلس تبلغ عشرات الملايين في كل عام من خلال استخدام مراكز الاحتجاز وبرامج إعادة التوطين.

وأضاف: “نحن نحمي بوابات أوروبا، وإذا لم يتم الاعتراف بنا، فليس لنا مصلحة في إيقاف المهاجرين”.

وقال: “لقد اقترحت على حكومتي باستئجار قوارب لهذه الغاية”.

وأكد “زوبية” أن تصريحاته هي ذات التصريحات، التي أطلقها القذافي في عام 2005 حين هدد بتحويل القارة الأوروبية إلى أوروبا السمراء في حال رفض الاتحاد دفع مليارات له على شكل منح ومساعدات.

وذكرت الصحيفة أنه يقدر عدد المهاجرين من خلال ليبيا العام الماضي بحوالي 170 ألف مهاجر عبروا عبر المتوسط إلى إيطاليا.

في حين لفتت إلى أن الأمم المتحدة أعلنت يوم الاثنين الماضي بأن 220 ألف مهاجر عبروا المتوسط إلى اوروبا في شهر أكتوبر فقط، وهو أعلى رقم يسجل حتى الآن.

الغارديان: ديكتاتور في ضيافتنا

Image copyrightAFP
Image caption

الوجوه التي شاهدها كاميرون في ميدان التحرير لن تطالعه ضمن الوفد الذي سيرافق السيسي

“عام 2011 حيا كاميرون الديمقراطية في ميدان التحرير، والآن يستقبل الزعيم المصري المستبد في لندن. لماذا يأتي عبدالفتاح السيسي إلى لندن؟” يتساءل جاك شينكر في صحيفة الغارديان الصادرة صباح السبت، في مقال اختار له العنوان “ديكتاتور في ضيافتنا”.

بعد عودته من مصر قال كاميرون لبي بي سي “التقيت قادة الحركة الديمقراطية، إنهم أشخاص يتحلون بالشجاعة، عملوا أشياء غير عادية في ميدان التحرير”، يقول الكاتب.

وأكد كاميرون في تصريحه أن “بريطانيا تريد أن ترى مصر تخطو نحو مستقبل قوي وناجح، نريد أن تتحقق آمال المصريين بالديمقراطية والحرية والانفتاح، تلك الأشياء التي أصبحت مسلما بها هنا”.

بعد مضي نصف عقد من الزمان يستقبل كاميرون زائرا من مصر، وستصطف كاميرات التلفزيون لتصوير اللقاء.

بعد اسبوع يصل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ويحل ضيفا على داوننغ ستريت، ستفرش له السجادة الحمراء، وسيتبادل الهدايا مع كاميرون.

سيدور الحديث عن الأمن والاستقرار، أما الديمقراطية والحرية والانفتاح فلن تذكر هنا.

السيسي، الذي قتل في عهده 2500 شخص من معارضيه منذ التخلص من محمد مرسي،، الذي لم يمكث طويلا كرئيس لمصر، يجوب العالم ليعزز شرعيته في العالم، وهو ما تحرص هذه الحكومة على مساعدته في تحقيقه ، كما يقول كاتب المقال.

هذا يستند إلى رواية جرت صياغتها بعناية، كما يقول الكاتب، ويرى أنه من أجل فهم ما حصل في مصر منذ زيارة كاميرون للقاهرة عام 2011 يكفي التساؤل عن مصير أصحاب الوجوه التي رآها في ميدان التحرير في ذلك الوقت.

لقد جرت مطاردتهم على يد نظام يعزز قبضته على السلطة.

الثوريون يعذبون على يد أجهزة الأمن، أما زعماء الحركة الديمقراطية فلن يرافقوا السيسي في زيارته.

وينسب الكاتب إلى ليلى سويف،المحاضرة الجامعية ووالدة الناشط علاء عبدالفتاح الذي يقبع في أحد السجون، القول ” السيسي هو رأس النظام الأكثر قمعا وإجراما الذي عرفته البلاد منذ ولدت، وأنا الآن أقارب الستين”.

وقالت سويف إنها ليست مندهشة من استقبال بريطانيا له.

أطفال مهجرون

وفي صحيفة الإندبندنت نطالع تقريرا عن حوالي عشرة آلاف طفل بريطاني جرى تهجيرهم إلى أستراليا بين عامي 1947 و 1967، بعضهم دون موافقة والديهم.

كان الهدف تفريغ دور الأيتام في بريطانيا وإمداد المستعمرات السابقة بسكان بيض البشرة.

توفي معظم أولئك الأطفال، وبقي ألفان منهم على قيد الحياة.

تروي الصحيفة قصة مورين، إحدى أولئك الأطفال، التي تبلغ الآن 67 عاما.

كانت في الخامسة من عمرها حين أرسلت إلى أستراليا عام 1953، وقضت طفولتها في ملجأ كاثوليكي للأيتام في إحدى ضواحي مدينة ملبورن.

انتقلت بعد ذلك للإقامة مع إحدى العائلات، ثم تزوجت في سن الثانية والعشرين.

في السنوات الثلاثين الأولى لم تكن تدرك أين ولدت ومن هما والداها الحقيقيان.

تتحدث مورين عن شعورها بالوحدة، بالرغم من أن العائلة التي ربتها كانت لطيفة، لكنها لم تحس يوما أنها تنتمي للعائلة، وحتى حين تزوجت فإنها لم تحس بانتماء حقيقي لزوجها.

“معظم الأطفال ينشأون في عائلة، يعرفون من هو أبوهم، من هي أمهم. أنا افتقدت ذلك الكيان العائلي”، تقول مورين.

“تخلص من لكنتك”

وفي صحيفة التايمز تكتب نيقولا وولكوك عن أطفال المهاجرين وبماذا ينصحون لتحقيق النجاح في المجتمع البريطاني.

فويلا بنجامين، إحدى أول المذيعين التلفزيونيين السود تقول إن تخلصها من لكنتها الأجنبية كان مفتاح نجاحها، وتشجع الأطفال المهاجرين على التخلص من لكنتهم الأجنبية في المدرسة.

لكن كاوزر جان من فرع المدرسين السود في الاتحاد الوطني للمدرسين، ينتقد هذه الرؤية ويقول إنها ترسل رسالة مفادها “العنصريون يساعدونا”

من الثورة المضادة إلى الإصلاح الوقائي

  لو أقلع الأشراف (النبلاء) عن امتيازاتهم قبل ذلك ببضع سنين لاجتُنبت الثورة الفرنسية، ولكن ما العمل وقد وقع ذلك بعد أوانه؟ ولا يفيد ترك الحقوق كرها غير زيادة رغائب من تركت لأجلهم، فيجب في عالم السياسة كشف عواقب الأمور، ومنح المطالب طوعا قبل أن يحل الوقت الذي تمنح فيه كرها”. (غوستاف لوبون، روح الثورات والثورة الفرنسية، ترجمة عادل زعيتر، ص 113).ما أعظمها من حكمة فرنسية! وما أحوج حكام الدول العربية وقادة الجيوش العربية إلى استيعابها اليوم! لقد توصل غوستاف لوبون (1841-1931) عالم الاجتماع الفرنسي ورائد الدراسات المعاصرة لنفسية الجماهير إلى هذه الحكمة العميقة بعد تأمل طويل في تاريخ الثورة الفرنسية، غاص فيه على المزالق التي وقعت فيها فرنسا خلال قرن ونصف قرن من المواجهات الدامية.
وتألم ضمير الفيلسوف الفرنسي الكبير من المصائر التي صارت إليها الثورة الفرنسية، فتحدث عن “تلك الفاجعة العظمى” و”ذلك التاريخ المحزن” (ص 28)، التاريخ المضرج بدماء الفرنسيين التي انسكبت مدرارة على عتبات الاستبداد دون ضرورة.
وكان السبب الجوهري لكل ذلك “التاريخ المحزن” هو جهالة ملك فرنسا لويس الـ16، وتأخيره الإصلاح السياسي عن وقته، وعدم إدراكه عمق الموجة التاريخية التي بدأت في بلاده.
وربما تكون تجربة الثورة والثورة المضادة في فرنسا خلال الأعوام 1789-1794 من أثمن التجارب التي تحتاج أمتنا استخلاص العبرة والخبرة منها اليوم، وهذا ما نحاوله هنا بقدر ما تتسع له مساحة المقال.
ترجع أسباب الثورات إجمالا إلى سبب عام هو تخلف الدولة عن المجتمع، وهو ما يؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية للأنظمة الحاكمة في أذهان المحكومين، مع انفتاح تلك الأذهان على بدائل أفضل وأنبل.
فإذا كان الحكام ورجال البطانة المحيطون بهم يتسمون بالوعي التاريخي أدركوا مخاطر البركان الثوري الخامد قبل أن ينفجر، وتبنوا إصلاحات وقائية توجه طاقة البركان في اتجاه بناء مجتمعات أكثر عدلا ورحمة فجنبوا أنفسهم وشعوبهم دفع ثمن الثورات من الدماء والأموال.
وإذا اتسم الحكام وبطانتهم بالجهالة قرؤوا البركان الثوري قراءة سطحية، فاعتبروه سحابة صيف عابرة، وتلكؤوا في الإصلاح، بل ربما تمادوا إلى محاولة الوقوف في وجه البركان وصده بثورة مضادة لمطامح الشعوب، وهو ما ينتهي بانفجار البركان في وجوههم حمما مدمرة تحمل الخراب والدمار للحكام والمحكومين والدول والشعوب.
وقد كان تخلف الدولة عن المجتمع في فرنسا في النصف الثاني من القرن الـ18 يتجسد في استبداد وفساد الملك لويس الـ16، واحتكار طبقة النبلاء الإقطاعيين وطبقة الإكليروس (رجال الكنيسة) للمال والجاه مقابل تهميش عامة الشعب وممثليهم في البرلمان الذين أطلق عليهم ازدراء لقب “الطبقة الثالثة”.
وحينما نشبت الثورة الفرنسية عام 1789 -وهو المكافئ للعام 2011 من الزمن العربي الحاضر- لم يدرك ملك فرنسا ولا النبلاء ورجال الكنيسة عمق التحول التاريخي الذي تمر به فرنسا، سواء من حيث فاعلية الشرارة الفكرية التي فجرها فلاسفة السياسة الفرنسيون مونتسكيو، وفولتير، وروسو، أو البركان الاجتماعي المتفاعل في أحشاء المجتمع الفرنسي.
وربما يكون أكثر ما يتذكره الناس عن الثورة الفرنسية اليوم هو تلك الأحداث المهولة المعبرة عن راديكالية الثورة، مثل اقتحام سجن الباستيل، وقطع رأس الملك لويس الـ16، ثم قطع رأس زوجته الملكة ماري أنطوانيت، بيد أن هذه الأحداث لم تقع في يوم واحد، بل جاءت متباعدة زمنيا، وضمن سياق متدرج لا يفهم منطق الثورات ومآلاتها بدونه.
فما بين سقوط الباستيل يوم 14 يوليو/تموز 1789 -أي بعد اندلاع الثورة بثلاثة أسابيع- وميتة السوء التي انتهى إليها الملك والملكة يومي 21 يناير/كانون الثاني 1793، و16 أكتوبر/تشرين الأول 1793 على التوالي درب طويل ومتعرج، انتقلت فيه الثورة الفرنسية من ثورة سياسية إصلاحية إلى حرب أهلية هوجاء.
لم تبدأ الثورة الفرنسية راديكالية -على نحو ما توحي به الأحداث المثيرة التي اختزنتها الذاكرة الشعبية على مر القرون- بل كان المسعى الذي انتهجه الفرنسيون في بداية ثورتهم مسعى إصلاحيا محضا، وهو تحقيق ما توصل إليه جيرانهم الإنجليز قبل ذلك بقرن من الزمان من إقامة ملكية دستورية تضمن للشعب حقه في حكم نفسه بحرية وعدل، وتحفظ للأسرة المالكة أمجادها التاريخية وكرامتها.
وحتى حينما نجح الثوار في الإمساك بزمام الأمور، وقرر البرلمان الفرنسي اعتبار نفسه مجلسا تأسيسيا، وبدأ بكتابة دستور جديد للبلاد صيغ هذا الدستور ليكون أساسا قانونيا لملكية دستورية في فرنسا، لا لإلغاء الملكية.
وقد عبر غوستاف لوبون عن ذلك في كتابه فقال “لا شك في أن أكثرية الأمة الفرنسية كانت ملكية أيام المجلس التأسيسي الذي هو ملكي أيضا، وكان من المحتمل أن يظل الملك قابضا على زمام الحكم لو رضي بنظام ملكي دستوري، ولم يكن عليه إلا أن يأتي بعمل قليل ليتفاهم هو والمجلس” (ص 114) “ومن كان يجرؤ من رجال سنة 1789 على طلب قتل لويس الـ16؟” (ص 120).
وقد صبر الثوار الفرنسيون كثيرا على جهالات الملك لويس وخياناته المتكررة وغدره بالثورة وتحالفه مع أعداء فرنسا “فلم يمقت الشعب الملك لطيشه واستغاثته بالأجنبي إلا بالتدريج، ولم يفكر المجلس الاشتراعي الأول (برلمان الثورة) في إقامة الجمهورية، وكل ما كان يحلم به هو أن تحل ملكية دستورية مكان الملكية المطلقة” (ص 93)، ولذلك لم يلغ الثوار الفرنسيون الملكية إلا يوم 21 سبتمبر/أيلول 1792 أي بعد ثلاثة أعوام من الملكية الدستورية.
فالثورة المضادة هي التي حولت الثورة الفرنسية من مطالب إصلاحية تخدم الحاكم والمحكوم إلى حرب وجودية لا تبقي ولا تذر، فقد قاوم الملك الإصلاحات الدستورية رغم تظاهره بالموافقة عليها، وخادع الثوار وهو يتظاهر بتلبية مطالبهم، ثم حاول الهرب من البلاد من أجل الاستظهار بالقوى الأجنبية ضد الثورة، كما قاوم النبلاء ورجال الكنيسة مبادئ “الحرية والمساواة والإخاء” التي اتخذتها الثورة شعارا لها، ولم يتنازلوا عن امتيازاتهم إلا بعد فوات الأوان كما لاحظ غوستاف لوبون.
ولم يتحسر غوستاف لوبون على شيء أكثر من تحسره على الفرص الضائعة في تاريخ الثورة الفرنسية، فرص الانتقال المرن من الاستبداد إلى الحرية دون تدمير الأمة الفرنسية، وهي فرص ضيعتها الجهالة والأنانية السياسية وقصر النظر الذي اتسم به كل من الملك لويس وطبقة النبلاء ورجال الكنيسة المستأثرين بالمال والجاه.
ثم توسعت ظاهرة الثورة المضادة الفرنسية، فالتحقت بها الملكيات الأوروبية التي أرعبتها شعارات الثورة الفرنسية، فتدخلت لصالح الملكية في فرنسا، وتشبه الثورة المضادة الفرنسية الثورة المضادة العربية التي نعيشها هذه الأيام بنية وأداء، فقد تشكلت الثورة المضادة للثورة الفرنسية من محاور، أهمها:
أولا: متحزبون للنظام الملكي الفرنسي من داخل فرنسا، خصوصا من طبقة النبلاء ورجال الدين الكاثوليك، وهم المكافئون لبقايا الحزب الوطني في مصر، والتجمع الدستوري في تونس، والمؤتمر الشعبي العام في اليمن، وكتائب القذافي في ليبيا، وحزب البعث والقوى الطائفية المستترة بستاره في سوريا.
ثانيا: منفيون من رجالات النظام القديم، أرغمتهم ظروف الثورة على الهرب من فرنسا فلجؤوا إلى الدول الأوروبية المجاورة، واتخذوها قاعدة انطلاق للثورة المضادة في بلدهم، واستظهروا بحكام تلك الدول في مسعاهم لوأد الثورة، وأمثال هؤلاء معروفون في عالم العرب اليوم، فالهاربون من وجه الثورات الذين لجؤوا إلى عواصم عربية معادية للثورات معروفون بالأسماء والعناوين.
ثالثا: الملكيات الأوروبية التي أصابها الهلع من سقوط ملك فرنسا، ومن المضمون الكوني لمبادئ الثورة الفرنسية فانخرطت في عداوة مجانية للجمهورية الجديدة بدلا من إصلاح أنظمتها السياسية واستيعاب شعوبها، والشبه بين تلك الملكيات الأوروبية وبعض الملكيات العربية التي تزعمت الثورة المضادة اليوم واضح للعيان، فقد أنفقت ملكيات عربية خزائن دولها لوأد ثورات العربي، وربما يكون أدق تعريف للثورة المضادة العربية هو أنها سفك الدماء العربية بالأموال العربية من أجل إبقاء الشعوب العربية في نير العبودية.
رابعا: مجموعة من “رجال 1789” كما دعاهم الباحث الأميركي في الثورة المضادة الفرنسية سوثرلاند في كتابه “فرنسا 1789-1815.. الثورة والثورة المضادة”، وهو يقصد بهم ثوارا سابقين ارتدوا عن الثورة بدافع الأنانية السياسية، والانتصار للنفس على المبدأ بعدما لم يجدوا في الثورة ما توقعوه لأنفسهم من مناصب وأمجاد شخصية، وأمثال هؤلاء من أهل “الردة الثورية” معروفون، خصوصا في حالة مصر بعد انقلاب السيسي.
ومع أوجه الشبه بين الثورة المضادة الفرنسية والثورة المضادة العربية لا غرو أن يكون الحصاد في الحالتين مرا ومتشابها، لقد تحول الفعل الثوري الفرنسي -بسبب الثورة المضادة- من مسعى إصلاحي منطقي إلى غريزة انتقامية هوجاء، وهو ما حدث للربيع العربي اليوم مع استحكام همجية الحكام، وصعود السلفية الجهادية ردا على ذلك.
وكان من الثمار المريرة للثورة المضادة الفرنسية انتقال زمام الثورة من أيدي قادتها الإصلاحيين، من أمثال لا فاييت، ودانتون، ومونيي إلى قادتها الراديكاليين المتعصبين، من أمثال روبسبيير الذي كان يقول “إن الجمهورية لا تقوم إلا بإبادة مخالفيها” (ص 123)، وكاريه الذي كان “يكره ضحاياه على حفر قبورهم ليدفنهم فيها أحياء” (ص 139) كما يفعل تنظيم الدولة أحيانا في أيامنا هذه.
ووصل الأمر إلى “اعتداء زعماء الثورة الفرنسية على المباني والآثار الفنية التي عدوها بقايا ماض ممقوت” (ص 140)، وهو أمر يشبه أفاعيل تنظيم الدولة ببعض الآثار الدينية والتاريخية بناء على تصوراته الفقهية التي جمعت بين السذاجة والعنف، فالظواهر الاجتماعية تتشابه في كل زمان ومكان مهما اختلفت العقائد والأمزجة الثقافية.
على أن روبسبيير وكاريه ومن لف لفهما لم يولدوا راديكاليين، بل إن الثورة المضادة -بما اشتملت عليه من تواطئ الداخل والخارج على المثل والقيم الإنسانية التي دعوا إليها- هي التي جعلتهم كذلك.
وقد لاحظ غوستاف لوبون -وهو الخبير بنفسية الجماهير- الأثر السلبي الذي خلفته الثورة المضادة على نفسية الثوار الفرنسيين فكتب “إن كثيرا من رجال الإصلاح والقضاء -الذين كانوا موصوفين بالحلم- انقلبوا أيام الهول إلى أناس متعصبين سفاكين للدماء، حقا قد يصير المرء بتأثير البيئة الجديدة امرأ آخر” (ص 55)، وهذه ملاحظة ثمينة تفسر لنا كيف تحول الشباب العرب اليوم من الاحتجاجات السلمية إلى المفاصلة الجهادية.
لقد عانى الحاكم والمحكوم من الثورة المضادة في التاريخ الفرنسي، ويمكن القول إنه لولا الثورة المضادة الفرنسية لكانت أسرة آل بوربون لا تزال تنعم بالتاج الفرنسي بكل ما يحيط به من المجد والثروة، كما هو حال الأسرة المالكة في بريطانيا اليوم، ولما كان مصير ملك فرنسا لويس الـ16 هو قطع رأسه بالمقصلة، وقطع رأس زوجته الشابة ماري أنطوانيت التي وصفها أدموند بورك في كتابه “تأملات في الثورة الفرنسية” الصادر عام 1790 -أي بعد عام من اندلاع الثورة- بأنها كانت “مثل نجمة الصبح مشرقة بالمجد والسعادة”، ولما كان الشعب الفرنسي دخل مسارا دمويا طويلا ومضنيا.
ليس من اللازم أن يكرر العرب محنة الفرنسيين، ولا أن يخوضوا تلك المسارات الدموية المرهقة التي خاضتها الثورة الفرنسية، فقد تعلمت أمم كثيرة من التجربة الفرنسية كيف تنتقل من الاستبداد إلى الحرية بثمن أرخص ووقت أخصر.
أما نحن فليس أمامنا إلا أن نردد على أسماع قادة الدول والجيوش العربية حكمة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون التي صدرنا بها هذا المقال “يجب في عالم السياسة كشف عواقب الأمور، ومنح المطالب طوعا قبل أن يحل الوقت الذي تمنح فيه كرها”، فلا يزال في وسع الرؤساء والملوك وقادة الجيوش في البلاد العربية أن يتعلموا من تاريخ الثورة الفرنسية ما يجب تجنبه في لحظة الثورات فيتوبوا توبة نصوحا من الثورة المضادة، ومن العداوة الخرقاء لآمال شعوبهم في بناء مجتمعات أكثر حرية وإنسانية.
وسيظل الأمل قائما في ظهور حكماء من قادة الدول العربية والجيوش العربية ينتقلون من منطق الثورة المضادة إلى منطق الإصلاح الوقائي، ويلتقون مع شعوبهم في منتصف الطريق كما فعل ملك المغرب محمد السادس، فيحموا دولهم من آلام الانتقال، ويجنبوا أنفسهم لعنة التاريخ.
أما الجهلاء منهم فلا أمل فيهم، إذ سيظلون يجهدون في رفع ثمن التغيير على شعوبهم، وفي تأجيل انتصار الثورات حتى تجرفهم رياح التاريخ العاتية غير مأسوف عليهم، فلا أحد يستطيع كبت أشواق الحرية التي تفجرت في البلاد العربية ختام العام 2010، والتاريخ لا يرحم من لا يتعلمون منه.

محمد بن المختار الشنقيطي

المصدر : الجزيرة

السياسي الليبي و الطريق الى الثــراء الـفاحش

السياسي الليبي و الطريق الى الثــراء الـفاحش

من متعطش للسياسة في 10 يناير، 2012‏ في 11:21 صباحاً‏‏

بـــعد التحيــــة والســـلام

امــــا بـــعد ,,,,, كلنــــا نعرف خطورة واهميـــة ممارسة السياسة في هذا العالم كونهـــا هي المتحكم في كل شي عند البشر بغض النظر عن نوع الانظمة ان كانتــ ديمقراطيــة او ديكتاتورية وكيفية صناعة السياسيين جيديين كانوا او قذرييـــن , لكن هنا اريد التركيز ع الثراء الفاحش وماعلاقته بالسياسيين ؟ و ما السر في العلاقة الطردية بين السياسي والثراء الفاحش؟

خصوصا نحن ف العالم العربي حيث لا توجد ضوابط ولا محاسبة للمسؤوليين العربـــ فلا تعرف من اين اموالهم او كيف تثمتر اموالهم وكيف تتصاعد وتزداد

السياسة تلك المرأة الفاتنة الساحرة الخلابــة التي يذوب الرجال امامها  كما يذوبــــ الملح ف الماء الدافئ, من ذا سعيد الحظ الذي يستطيع الزواج منها , او مواقعتها , او بناء علاقة شرعية او غير شرعية معها

السياسيين انا اعتبرهم من اكثر البشر حظوظا  ف الحياة بغض النظر عن اجنداتهم او الوانهم او نفاقهم

السياسيين ف ظرف سنوات معدودة بصبحون مليونيريين ! يستغلون الفرص وبابشع الطرق لان السياسة كما قلت سابقا فرصة لا تعوض وتأتي مرة ف العمر لا اكثر

لكن هذا ليس مبررا ان تضيع بلدك او تزيد من الآمها او خرابها , كما يفعل الكثير من السياسيين ف العالم العربي خصوصا ما نراه من السياسيين ف لبنانـــ والعراق وفلسطين و الان ف ليبيـــــا

اخطر شي ف السياسيين الذين يدعمونـــ من الخارج , فهؤلاء ف الاغلبـــ اجنداتـــ لمشروعاتـــ خارجيـــة ولا يهمهم مصير بلدهم او الى اين سيؤول بلدهم واكبر مثال ع ذلك السياسيين اللبنانيين! البعض مدعوم من ايرانــ والاخر مدعوم من السعودية ولهم عقود ع هذه الحالة ولبنان البلد يعاني من الانقسام الطائفي ومن عدم وجود سياسة حقيقية للتطوير والتعمير في البلد اما السياسيين اللبنانيين فهم اثرياء ثراء فاحش لا مثيل له ويملكون الملايين هنا وهنــــاك خصوصا ف اوروبــا ويزيدون من حالة الطائفية ف لبنان والتقسيم الطائفي للمجتمع وكل سياسي ف لبنان يلعبـــ ع الطائفية لانه بنى امواله وشهرته من الدول الاخرى ع حساب امن ومصير بلاده وع حسابـــ طائفته ان كانت مسيحية او مسلمة

اما الشعبــــ فقد تخذر من حالة اليأس التي ركبته من هؤلاء السياسيين فاصبح كل مواطن ينتخب او يصوتــ لابن طائفته ليس لشي وانما من اجل الفتاتـــ رغم ان حال اللبنانيين لم يتغير للأحسن وانما للأسواء خصوصا من الناحية الاقتصادية  اما السياسيين فهم المستفيد الاكبــــر من معاناة شعبـــهم وسيبقونـــ كذلك مادام لا يوجد ارادة حقيقية من قبل الشعبـــ لانهاء مهزلة الطائفية ف لبنانــــ تلك الطائفية التي لم يستفيد منها الا السياسيين القذرييــــــن

استمر في القراءة

– رسالة الى الرئيس حسني مبارك من دود الارض

السبت, 20 نوفمبر, 2010
رسالة من دود الأرض إلى الرئيس مبارك

السيد الرئيس حسني مبارك،

لوّ كانَ الصبرُ حَشـَرَةً لـَكـُنّاه، فمنذُ أنْ عَالَجَ الدكتور ماير في ميونيخ غضروفَك ونحن في حِيرةٍ من أمْرِك، فأبناءُ شَعْبِك يرفعون أيديَهُم إلىَ السماءِ راجين العليَّ القديرَ أنْ يَشْرُق صَباحٌ مصريٌّ جَمْيلٌ بدونكَ، فإذا بملايين الأدْعيَة التي تصل إلىَ سِدْرةِ المـُنْتَهىَ تخترق أيضا باطنَ الأرضِ وَتصُمّ آذانـَنا!

صحيحٌ أنه يتساوىَ لدينا الجميعُ، ونأكل في باطنِ الأرض موتـَاكُم بِغَضِّ النظر عن الدين والعقيدة والمذهب والجنسية، ولو اِلتفَ المَيّتُ في سبعين كَفَن لا جيوب لها، وفْقا لتعبيرِك الذي استخدمته من قبل ليكون دليلا على زُهْدِك في الدنيا، فوجبةُ الطعامِ التي نعيش عليها أربعين يومًا لا مَفَرَّ من الاستعدادِ لها إلاّ أنْ تُنَافسنا أسماكُ القرشِ أو حوادثُ الطيرانِ أو إذابة الجسدِ في حامض الأسيد كما يفعل بعضُ طغاتِكم ضد مُعارضيهم.

نحن لا نعلم الغيبَ، وبالأمس القريب قُمْتَ أنت بمصاحبةِ كمال الشاذلي، وودّعته قبل أنْ نتسلمه منكم، وأزحتَ عن ذهنِك أيَّ فِكرة تقوم بتذكيرك أنك آتينا ما طال بِكَ العُمرُ، وأنك لو جددتَ لولايةٍ سابعةٍ وتاسعة وعاشرة فلن تكون في يوم من الأيام وجبةً شَهية لدودِ الأرض، لكنك أخطأت، كعادتـِك، وظننتَ أنَّ قَصْرَكَ صَرْحُكَ، ومنه اِطـَّلَعْتَ إلىَ إلـَهٍ لم يَدُر بذهنِك قَطّْ أنك مُلاقيه، فوزارة ُالعدل في السماء ليست سلطةً قضائية تأتمر بأمرك.

عندما رفع كمال الشاذلي قضيةً ضد من سَرَّبَ شائعةَ وفاتـِه كان يشبهك تماماً، فَخَدَمُكَ وعبيدُك وكلابُ قَصْرِك يوهموك أنَّ صحتـَك خَطٌّ أحمر، وأنَّ جريمةَ إبراهيم عيسى عندما تجاوزها، وحَكـَمَ القضاءُ عليه بشهرين سِجْناً، كان ينبغي أنْ تنتهي بالمسكين إلى حبل المشنقة.

عاد أقدم برلماني مصري إلى بيتِه غاضباً، فالمرضُ كما تظنون أنتم الطغاة يحصد الفقراءَ فقط، وأنَّ باطنَ الأرض للغلابة و أيضا ليدفن فيه أحمد عِزّ نِفايات الحديد!

نتحدى أنْ يهمس في أذنـِك أحَدُ مستشاريك ويقول لك بأن آلافَ التعليقات على الإنترنت لم يكن من بينها من تَرًّحَم علىَ روح كمال الشاذلي، وأن أجَلَك إذا جاء فستتهتك أسلاكُ الهاتف، وتتعطل ستالايات الموبايلات التي يربح منها رجالُ ابنك مليارات، فالمصريون سيبعثون التهاني التي لم يعرف مثلها عيدا المسلمين و .. كريسماس الأقباط!

أرسلنا من باطن الأرض إلىَ سطحِها دوداً يتجول في أنحاء أم الدنيا لعله يأتينا بنبأ يقين، ونعرف أن حفـَّارَ القبور ستكون لديه مهمةٌ سامية، فهي المرة الأولى التي لن يكون بجانبك وزراؤك، وكتيبةُ النفاق، وسينزلق نعشُك بطيئاً .. بطيئاً، وستنتهي آلامُ ظهرِك تماما، ولن يكون في استقبالـِك غيرنا نحن دود الأرض.

عاد الدودُ إلى باطن الأرض وحَكَىَ لنا ما لم تـَحْكِهِ قَصَصُ الأوَّلين والآخرين من طغاة متغطرسين لم يقرأوا نهايات هتلر وموسوليني وسالازار وسوموزا وبول بوت وديفالييه، الأب والابن، وهيلاسلاسي ومنجستو هيلامريم وبينوشيه وباتيستا وجان بيدل بوكاسا وأنور خوجة وتشاوشيسكو وعيدي أمين دادا وجعفر النميري ومئات غيرهم سَحَلَ بعضَهم الذين اتَّبَعوهم، وبعثرتْ قبورَ البعضِ الآخرِ شعوبٌ لـَمْ يَشْف غضبـَها غيابُ طغاتـِهم في أحضانـِنا.

قالوا لنا بأنَّ المصريين يَصُبُّون حِمَمَ لعناتـِهم علىَ عَهْدِك الأغبر، وأنك إنْ جلستَ مُتَخَفيا بجوار أيِّ مصري في حافلة أو ترام أو مترو، فستسمعه يصيح أو يتمتم بكلمات تترجمها السماءُ كأنها دعوات باللعنة، ويترجمها رجالُ أَمْنـِك كأنها ثغاء غنمٍ أو ضغيبُ أرانب أو مأمأةُ خِرافٍ لا تؤذي ولا تخدش أو تَضُرّ!

قالوا لنا إنَّ رَبَّةَ أيِّ أُسرة مصرية تدعو اللهَ أنْ يحفظ أولادَها، لكنها لا تنسى أنْ تدعوه أيضا أنْ يُعَجّل في يوم الخلاص منك، وهو أيضا يومُ احتفالِنـا بنزولك وحيداً في قبر مُظلم ليس فيه أوامرُ أو تهديدات بِقَطْعِ رقبة خُصومِك أو سجون ومعتقلات تشهد جدرانـُها أنها سَمِعَتْ في عهدِك الأسّوَد صراخاً لمْ تسمعه في مئات السنوات التي مَرَّتْ علىَ أرضٍ حَكَمْتَها، وخَرَّبْتَها، وأفسَدتها، وسَلَطت عليها أوغاداً نهبوها، وهبروها، ومصمصوا آخرَ عودٍ أخضر في يَدِ يتيمٍ أو لقمة كادتْ تدخل فَمَ مسكين فخطفها شريكٌ لابنك أو أحد حيتان زمنك الكابوسي الجاثم فوق صدور المصريين لثلاثة عقود.

قالت لنا كتائبُ دود التفتيش بأنها تجولت في سجون ومعتقلات مصر كلها، وشاهدت ما يتبرأ منه الشيطان من ظلم، وفساد، وقسوة، وغلظة، ورأت سجناء مَضَت علىَ وجودِهم في الزنزانات أعوامٌ كثيرة دون أن يتم عرضُهم علىَ القضاء، وبعضهم قامت المحكمةُ بتبرئتهم، لكن وزارةَ الداخلية أعادتهم إلى المجهول مرة أخرى، وسمعنا أنهم يرجون اللهَ، ليلا ونهارا، أنْ يُعَجّل بأخذِك أخذ عزيز مقتدر، فالظلم الواقع عليهم جاء بمعرفة شخصية منك، ولا يتحرك عسكري أو ضابط أمن أو مخبر أو بلطجي أو مأمور قسم أو لص أو مُقترِض ملايين أو هارب من مطار القاهرة الدولي أو مُحتكر حديد أو مُسمم أرض زراعية أو مستولٍ عليها إلا بمعرفتِك، فأنت الأب الروحي لكل خراب في هذا الوطن الصابر.

لم يحدث من قبل أن تكدست السماوات السبع وأديم الأرض وباطنها بلعنات على زعيم مصري كما هي عليك، ولو سألتَ فقيرا مُعْدَماً أو مظلوما أو مواطنا انتهكوا حُرمَتَه أو حتى جدران قسم شرطة المنصورة أو سيدي جابر أو باب شرقي أو ….. لما سمعت غيرَ اسمِك وخوف إبليس أن يقولوا عنه بأنه وسوس إليك، فالعكس هو الصحيح.

سمعنا بقُرْب تَرَشُحِك لولاية سادسة تنتهي بالاقتراب من عامك التسعين، وهذا الترشح يحمل يقيناً منك بأن أجلـَك غيرُ آتٍ، وأن عشرات الآلاف من جرائمك في حق شعبك لم تراود ضميرَك لعلك تتوب، وأن ذكرياتك تَصُبّ في خانة واحدة وهي الغطرسة والغرور وكراهيتك المقيتة للمصريين.

السيد الرئيس،

ننتظرك في باطن الأرض بصبر نافد، وسينزلق نعشُك ولو سَجَّلَتْ عقيلتُك مِئَةَ حلقةٍ في الفضائيات تقول فيها بأنَّ صحتَك زيّ الفُل، ولن يخرج في جنازتك إلا حفنة من المنتفعين والأفاقين وبعض البلهاء الساذجين الذين يظنون أن للموت حرمة أكبر من حرمة الحياة.

اقرأ مرة أخرى ماذا كتب الناس عن كمال الشاذلي، ثم تخيل يوم يسابق خبرُ رحيلِك الريحَ، فلا تعرف الشبكةُ العنكبوتية غيرَ شهقات وزفرات الملايين الذين يتنفسون الصُعداء برحيلك.

ننتظر أيضا كل الصامتين والمشاركين في تصعيدك فوق رؤوس أبناء شعبك، ولن نفَرّق في باطن الأرض بين عُضو من حزبك وآخر وفدي أو اخواني أو قبطي أو تجمعي أو ضد الترشح أو مع الترشح، فكل من برر جرائمَك أو غضّ الطرفَ عنها أو شارك في اغتيال الشعب المصري تحت قبة البرلمان، مع الحكومة أو ضدها، سيكون جسده معنا قبل أن يقرأ كتابَه في يوم الحشر.

السيد الرئيس حسني مبارك،

تلك هي كلمات مضيفيك من دود الأرض، ولن ننتظر حتى يذوب كفنُك، لكننا سنبدأ فورَ توقف دموع التماسيح من عيون الذين ساروا في نعشك وهم يرتدون نظارات سوداء يُخفون بها حزنَهم على أنفسِهم و.. ليس عليك.

لم تُصَدّق أنك ستموت، وأنَّ شهقةَ الروح أسرع من طرْفَةِ العين، وأن مكانك في باطن الأرض أظلم من زنزانات في أقبية سجون ألقيت فيها آلافا من المظلومين وحَرَمْتَهم من حياةٍ أعطاهم إياها ربُّهم.

مئات المرات ونحن نحلم بوليمة أنت على رأسها، خاصة ذلك اليوم الذي قمتَ فيه بتوزيع أوسمة الاستحقاق على ثلاثة من ضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب، واليوم الذي ودّع الحياةَ الشاب خالد سعيد، واليوم الذي قفز أبُ من الطابق الرابع بعدما فشل في العثور على لقمة خبزٍ لأولاده، واليوم الذي نام عجوز بين أيدي طلاب الطب ليتعلموا في جسده النحيل ما لم تُعَلّمَهم كتبُهم في مقابل جنيه لكل طالب، ثم عاد المسكينُ بطعام العشاء لأسرته، واليوم الذي دفن فيه صديقُ ابنِك نفايات الحديد تحت سطح أرض زراعية في دمنهور للتعجيل في تسميم المصريين الذين لم تصل إليهم مزروعات عهد يوسف والي، والتي ظلت عشرين عاما تُسَرّطن أبناءَ وطنك لتسعدك، وتبهجك، وتُثْبِت للشيطان أنه تلميذُك.

السيد الرئيس حسني مبارك،

نحن في انتظارِك حتى لو نشر رئيسُ تحرير أكبر صحيفة قومية بأنك أكلت من شجرة الخُلـْدِ ولم تهبط من جنة شرم الشيخ إلى حيث يعيش المصريون!

ليس للكفنِ جيوبٌ، ومع ذلك فكل دودِ أرضِ مصر الطيبة يريد حضورَ تلك الوليمة الكـُبرىَ التي لم تُصَدّق أنت أنك ستكون ضيفنـَا لأربعين يوما أو أكثر!

أيها الميّت الحي،

لقد بَلـَغَنا نَبأُ تبرئةِ إبليس نفسه من الوسوسة إليك، وقيل بأنَّ لديه ثمانين مليوناً من الشهود على صِدْقِ كلامِه، وهذا يضاعف فرحتَنا بقُرْبِ انزلاق جسدك في تلك الحُفرة الضيّقة التي لن تستطيع منها تجديد ولايةٍ رئاسية أو تعذيب أبناء شعبك.

للمصريين أعيادٌ إسلامية وقبطية ووطنية وقومية، أما يومُ اختفائـِك في باطن الأرض فهو عيدٌ لـَنا و .. لـَهُم.

أوسلو في 17 نوفمبر 2010

Taeralshmal@gmail.com

طائر الشمال