إفريقيا بين الأطماع الفرنسية وتطلعات المستقبل 

فادي قدري أبو بكر Headshot
 

شكلت إفريقيا على الدوام أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للقوى الاستعمارية العظمى؛ لما تملكه القارة السمراء من خيرات طبيعية ومواد أولية، ولا سيما النفط الذي أصبح العنصر الحيوي المحرك للاقتصاد العالمي.

وقد كان لفرنسا عبر التاريخ نشاط استعماري بارز في القارة الإفريقية، حيث احتلت عدداً من دول إفريقيا مثل: (تونس، الجزائر، المغرب، بالإضافة إلى موريتانيا)، والسنغال، وغينيا، ومالي، والنيجر، وتشاد، وكوت ديفوار (ساحل العاج)، والغابون، والكونغو برازافيل، وبنين (داهومي)، وبوركينا فاسو (فولتا العليا)، وإفريقيا الوسطى، والكونغو الأوسط (كنشاسا)، وكذلك مدغشقر، وجيبوتي (الصومال الفرنسي)، فضلاً عن جزر كومورو (جزر القمر)، وعدد من جزر المحيط الهندي الأخرى.

تقلص الدور الفرنسي في القارة الإفريقية أواخر القرن العشرين بعد أن نالت الدول الإفريقية التي كانت تابعة للاستعمار الفرنسي استقلالها، وبعد التغيرات التي لحقت بالنظام الدولي مع نهاية الحرب الباردة، والتي نتج عنها انفراد الولايات المتحدة بوضعية القوة العظمى والقطب الأوحد في ظل النظام العالمي الجديد.

إن هذه الظروف لم تعنِ أن فرنسا تخلت عن أحلامها الاستعمارية في إفريقيا، فقد استمرت فرنسا بعد مرور 40 عاماً على استقلال مستعمراتها القديمة بإفريقيا، في منحها أهم عنايتها ومساعدتها، حيث لا تزال فرنسا إلى اليوم بأشكال مختلفة، مباشرة أو عن طريق الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وباقي المنظمات الدولية، تمنح لهذه البلدان أكثر من ثلثي مساعدتها المقدرة بأكثر من 5 مليارات من الدولارات سنوياً.

إضافة إلى ذلك، هناك 14 دولة إفريقية ملزمة من فرنسا، من خلال اتفاق استعماري، على وضع 85 في المائة من احتياطاتها الأجنبية في البنك المركزي الفرنسي تحت سيطرة الوزير الفرنسي للرقابة المالية. حتى الآن، توغو و13 دولة أخرى ملزمة بدفع ديون فترة الاستعمار الفرنسي لفرنسا. إن هذا يدفعنا باتجاه افتراض أن إفريقيا لم تتحرر بعدُ من الاستعمار الفرنسي، بغض النظر عن شكل هذا الاستعمار.

تحاول فرنسا اليوم العودة إلى إفريقيا تحت راية مكافحة الإرهاب، حيث أعلنت فرنسا أواخر عام 2013 إعادة تنظيم قواتها العسكرية بالصحراء والساحل الغربي الإفريقي، في مؤشر على تغيير باستراتيجيتها العسكرية في القارة الإفريقية وعلى نحو يتيح وجوداً إقليمياً أكثر قوة، رداً على تزايد التهديدات المتطرفة في تلك المنطقة، وهو ما ظهرت بوادره في مالي، وبعدها في إفريقيا الوسطى، بعد التدخل العسكري على أراضيها، في ظل أزمات سياسية كبيرة تعصف بالبلدين.

ولم تأتِ هذه الاستراتيجية الفرنسية فجأة، ففي عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، دشنت الخارجية الفرنسية عام 1997 مشروعاً عُرف باسم “مشروع إفريقيا”، لإعادة تنظيم الوجود العسكري الفرنسي في القارة السمراء، بحيث يضم خبراء، ومستشارين، أكثر مما يضم وحدات عاملة.

أما فرنسوا هولاند الرئيس الفرنسي الحالي، فقد أرسى تعديلاً طفيفاً على مبدأ شيراك، وعُرف باسمه “مبدأ هولاند”، ويقوم على فكرة التدخل الفرنسي المحدود، استناداً إلى تأييد دولي ومحلي، بهدف ظاهري، وهو الهدف الإنساني وآخر أساسي غير ظاهر، وهو تحقيق أهداف فرنسا، والحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية، لا سيما في مواجهة نفوذ الدول الكبرى الأخرى، خاصة الولايات المتحدة والصين، وهو ما يمكن أن ينطبق على حالة جمهورية إفريقيا الوسطى.

استغلت فرنسا حاجة بعض الأنظمة الإفريقية للمساعدات الغربية، إضافة إلى خشيتها من تنامي النزاعات الإسلامية المتطرفة، بدعم هذا التوجه الجديد في محاربة الإرهاب على الساحة الإفريقية، إلا أن المساعي الفرنسية الظاهرية في حفظ الأمن الإفريقي تخفي نوايا جدية لعودة فرنسا إلى إفريقيا.

لقد حصلت الصين، خلال حكم الرئيس السابق أمادو توماني توري في عام 2010، على حق التعدين عن اليورانيوم بشمال مالي. وعليه، فإن أحد الأهداف الكبرى للتدخل الفرنسي في مالي ربما يتمثل في قطع الطريق أمام تزايد النفوذ الصيني بإفريقيا.

ومن هنا، يمكن فهم سياسة هولاند التي تحارب الإرهاب في مالي وليبيا ومناطق أخرى، وتدعمه في سوريا، أنها تأتي من منطلق المصلحة الفرنسية بإفريقيا، ففرنسا ستبقى ملتزمة بدعم التوجه الأميركي بسوريا في مقابل الدعم الأميركي لفرنسا في إفريقيا. وبما أن الصين حليفة روسيا اليوم، فإنه من الطبيعي أن تكون فرنسا في المعسكر المضاد لروسيا والصين.

انطلاقاً من مقولة فرنسوا ميتران في بداية الخمسينات من القرن الماضي حين كان وزيراً لفرنسا ما وراء البحار في الجمهورية الرابعة: “دون إفريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ خلال القرن الواحد والعشرين”، يبدو أن الاستراتيجية الفرنسية الجديدة تقوم على صناعة تاريخ فرنسا الاستعماري من جديد.

– فادي قدري أبو بكر
كاتب وباحث فلسطيني
fadiabubaker@hotmail.com

المراجع:
• بيارنيس، بيير: القرن الحادي والعشرون لن يكون أميركياً، ترجمة مدني قصري، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003.
• “14 دولة إفريقية ما زالت تدفع ضرائب استعمارية لفرنسا !”، أمة بوست. https://goo.gl/iOctos (الدخول بتاريخ 25 فبراير/شباط 2017).
• هيئة تحرير صحيفة العرب، “أطماع فرنسا في القرن الإفريقي تعود تحت راية مكافحة الإرهاب”، صحيفة العرب، 21 فبراير 2014.
• “فرنسا وإعادة غزو إفريقيا”، الجزيرة نت، https://goo.gl/GkDdtd (الدخول بتاريخ 25 فبراير 2017).

أُخوانُ ليبيا إلى أَين؟

أحمد الفيتوري

راشد الغنوشي يقول:”إن الإسلامي بصفةٍ عامة واقعٌ في مُفارقةٍ عجيبة، فهو من ناحية ضحية القمعِ والإقصاء ولذلك فهو يُطالبُ بالحرية، وقد يعتمدُ حتى على مبادئ حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في الضغط على الحُكام المُستبدين، ولكن كأني به هو الآخر يحملُ عقليةً إقصائيةً لخصومِه، أو هو يخشى تلك الحرية التي يطالب بها، لذلك بمجرد أن يظفر بها يخنقها ويُضيق نطاقها”.

غسان شربل يقول:” الأشدُ قسوةً أن أي حل في سورية لا يُمكن أن يُوفر لأي طرف مكاسبَ أو ضماناتٍ تُوازي ما تكبدهُ. لن يحصل أي طرف بالمفاوضات على الحد الأقصى الذي تعذر عليه تحقيقهُ في ميدان الحرب، ربما لهذا السبب هناك من يُفضل ويلاتِ استمرار الحرب على الخيبات التي سيحملُها الحلُ السياسي، علماً أنه المخرج الوحيد من الهاويةِ الحالية.”

يُنكرُ الأُخواني أنهُ أُخواني
في ليبيا ظهرتْ جماعةٌ صغيرةٌ في الخمسينات كرديفٍ لجماعةِ الأخوان المسلمين المصرية التي من المُعروف كيف حمى الأمير إدريس السنوسي ثُلةً منها فرت من مصر عقب اغتيال”النقراشي باشا” في مصر آخر الأربعينات، وغض النظامُ الملكي الليبي الطرف عن”جماعة الأخوان الليبية”إن لم نقل احتضنها في مواجهةِ المدِ القومي القوي حينها، في ما بعد قام النظامُ السعودي بمعاضدةٍ إنجليزيةٍ أمريكية بدعمِ هذه الجماعة بقوة، وكانت قد توطدتْ العلاقات بين الملك إدريس السنوسي والملك سعود الذي قام بُعيد الاستقلال بزيارةٍ لليبيا استقبل فيها بحفاوة.

“غض النظامُ الملكي الليبي الطرف عن”جماعة الأخوان الليبية”… في مواجهةِ المدِ القومي القوي حينها”

رغم هذا، بل بسببهِ، ظلت جماعةُ الأخوانِ في ليبيا جماعةً سرية، وظل الأخواني يُنكر أخوانيته حتى الساعة بعد أن أتاحت ثورةُ الشعبِ الليبي للجماعة العلنية، بل وكونتْ حزبا أسوة بجماعة الأخوان في مصر واستعارت حتى الإسم كما الأهداف وأنكرتْ صلةَ الحزبِ بها.

بهذا وبضعفِ العملِ الجمعي، والقمع الذي وجههُ النظامُ العسكري، بل والملكي أيضا، لأي عمل سياسي علني أو سري ظلت جماعةُ الأخوان في ليبيا ضعيفةً وهشة، ولم تُبرز أي قيادات فاعلة ومميزة سواءً في العمل أو الفكر، وبه ظلت رهينة منشئها الخارجي الذي منه تستمدُ وجودها وواقعها واستمرارها. عليه لم تُجدد نفسها، لم تُنتج أي اجتهادٍ محلي، فما بالك على مستوى التنظيم الدولي، وإن برز أفرادٌ منها لا يصلون عدد أصابع اليد فإن أولئك الأفراد كانوا عليها ثقلا لا خفةَ له، ومما زاد الطين بلة أن هؤلاء الأفراد استخدمُوها لدعمِ ذواتِهم على المستوي العربي على الأقل، وجرجروها وراءهم في تبعية، حتى الشخصية منها، مما زاد من رهنها لقوى أحيانا ليست من القوى الإسلامية بل ومن أعدائها، وقسمها هذا الى جماعتين على الأقل: جماعة سويسرا وجماعة بريطانيا، وهي جماعات ذات هوي تعصف بها رياح السياسة بين السعودية والإمارات وقطر ومُؤخرا تركيا، ورغم أنها من بلد نفطي إلا أنها دخلت تحت خيمة”إسلام البترو دولار” برعايةٍ دوليةٍ غربية(بريطانيا-أمريكا)، فكانوا رهينةً وأداة، وجماعةً صغيرة محدودةَ الفعالية، وإن كانت مُنظمةً ومبنيةً على علاقاتٍ اجتماعية فيما بينها بالمُصاهرة، ومالية بالتشاركِ في العمل التجاري.

أُخوانُ القعقعةِ دون طحين!
حين تأسست الجماعةُ في ليبيا تأسستْ في الأردن جماعةٌ مُماثلة لكن الجماعة الليبية لم تُفلح أن يكون لها الدور الذي تبوأتُه الجماعة الاردنية، فأمست كما الجماعة في لبنان قعقعة دون طحين. ولم تنتج شخصية بارزة كما التُرابي أو الغنوشي بل شخصياتٍ عادية لا ألقَ لها، وقد سحب القذافي كما النظام الملكي- الذي هو ابن الحركة السنوسية- البساطَ من الجماعة فكان الإمام والمُفكر الإسلامي، جاعلا من البلاد الدولة الإسلامية التي تُنافس السعودية في إسلامها”البترودولاري”، حرم الخمر، وأقام الحُدود وصلي في الميادين، واتخذ من القرآن شريعة للمجتمع، وأقام المثابة الإسلامية العالمية، وحج الصُبح إلى الباكستان وجعل من نفسه مدماكاً لمُقارعة الشيوعية الدولية … إلخ، ويوم انقلابه جاءهُ”يوسف القرضاوي” يسعى وخلفه علماء المسلمين، وأنشأ لهم”جمعية الدعوة الإسلامية” التي وظف فيها أفرادا كُثرا من الجماعة على رأسِهم”أحمد الشريف”.

“ظلت جماعةُ الأخوان في ليبيا ضعيفةً وهشة، ولم تُبرز أي قيادات فاعلة ومميزة سواءً في العمل أو الفكر”

قبل ذلك انقسمت الجماعة مبكرا، وفرخت جماعاتٍ مُتطرفة كما حدث في التنظيم المصري الذي أنشأها. وقد ذكر لي المرحوم”حسن الكردي، ” أمير الجماعة في”حزب التحرير الإسلامي” في سجن”بورتا بنيتو” مطلع الثمانينيات: أنه انتمى للجماعة بل وتدرب في طرابلس في الستينات على السلاح على يدي”الشيخ الشويطر”، لكنه وجد الجماعة لا وجه لها ولا فعل وأن مبدأ التقية جعلها”جماعة الإسلام المُهادن”، ولهذا خرج عنها وساهم في تكوين حزب” التحرير الإسلامي”، الحزب الذي دعا القذافي للانخراط فيه من خلال مُكاتبته من السجن وفي قفص المحكمة، وقد كُفر القذافي بعد ان استُتِيب ولم يستجبْ!!!.

ميكافيلية الأخوان
وعليه فإن الضعف يُورث الوهن، ومن وهن الجماعة الليبية دخولها في تحالف مع نظام القذافي من أجل التوريث، وهذا المنهج، أي”الغاية تُبرر الوسيلة ” دفعها للتقاعس في البداية والخروج ضد إرادة الشعب الليبي حين ثار على النظام الفاشي في فبراير 2011م، وفي أثناء الثورة اتخذوا من إنكار ماهيتهم وسيلة للعمل، وفي هذا كانوا”الاجتهاد الليبي الخالص”، وتلبسوا لبوس المُجتمع المدني حتى بات تقريبا المجتمع المدني في ليبيا يعني”أخوان ليبيا”، وأذكر أني حينها كتبتُ مقالا تحدثتُ فيه عنهم مخاطبهم بالقولةِ الليبية”اطلع وبان عليك الأمان”.

أما أنهم جعلوا مثابتهم مدينة مصراته التي كانت ساعتها مدينة المواجهة لعسكر القذافي فإنهم بهذا ساهموا بقوة في أن تعسكر الثورة وأن تتخذ المآل الذي آلت إليه البلاد من حربٍ أهليةٍ ضَروس مرةً ، ومرةً أخرى تحالفوا مع الثروة والسلاح وجعلوا هدفهم الأوحد: السُلطة، ولاعتبار أنهم دخلوا في مشروع”التوريث القذافي” أرادوا أن يكونوا”سيف القذافي”، لقد جعلتهم رائحة الجُبن على دراية بالوسيلة لالتهام الجُبن، جعلوا من مصراته”القاعدة” أي”مُعسكر قاريونس” للاستيلاء على السلطة، وفي مشروعهم هذا تجمعت المُمكنات: السلاحُ والمالُ والدعمُ الدولي، مثل ذلك زيارة”أردوغان خليفة المسلمين لمصراته” وغيرها من زياراتٍ ومواقفَ دولية معروفة لكل مُتابع حصيف أو غير حصيف، لقد توفرتْ لجماعةٍ صغيرة من المُمكنات ما جعل منها كما لو كانت”تنظيم القذافي للضباط الوحدويين الأحرار من كان متوسط أعمارهم 25 سنة! ومن صغار الرتب”.

الأخوان على دين ملوكهم
لكن انقلاب الجماعة العسكري اتُخذ على خطوات تذكرني بخطوات الأميركي الاستراتيجي ووزير الخارجية الأشهر”هنري كسنجر”، وبهذا كانت”دبابات حلفاء” جماعة أخوان ليبيا تنقلب على”صناديق الاقتراع”، لكن الجماعة الليبية أثقلت بمهام ليست مُؤهلة لها ولا خبرة لها فيها، كان مُصابها السيكولوجي على غرار مُصاب القذافي الذي”موقفهُ الكئيب من العالم قد تشكل بفعل مطالبهِ القاسية من نفسه”، ظهر أن الأخوان على دين ملوكهم: الجماعة الليبية أرادت أن تجعل من نفسها الكفيل والراعي لأخوان الشمال الأفريقي، عليه دخلتْ في تحالفات مع الشيطان بل باعت نفسها له، في حرب أهلية شعواء كما أكلت”الأخضر” تأكل “اليابس” من لا يمتلك السبل.

“سحب القذافي كما النظام الملكي- الذي هو ابن الحركة السنوسية- البساطَ من الجماعة فكان الإمام والمُفكر الإسلامي”

الآن جماعة الأخوان الليبية في حيص بيص من أمرها تتنافس على”الهروب إلى الأمام”، لقد تحولت على أياديها وبفضلها واحدة من أكبر مدن جنوب البحر المتوسط”طرابلس الغرب” إلى وكرٍ لكل ما يُعيبه البشر وما يُهدد السلامة العامة أو السلام، وتاجرت ببضاعة القذافي الهجرة والإرهاب، جعلت من طرابلس الكُبرى”باب العزيزية”، وذلك حدث بإرادتها وغصبا عنها فهكذا وسائل تصل إلى هكذا غايات. وبنجاحها في مهمة التدمير التاريخي للبلاد والاستثنائي باتت ليبيا أسوءَ حالا من سوريا والعراق، أصبحت”صومال” الشمال الأفريقي، وفي هذا الحال تكون” المسودة الرابعة الدولية” هي”القشة” التي طالها الغريق، فهل سيتعلق”أخوان ليبيا” حقاً بهذه”القشة” بل هل ينجحون في هذا التعلق؟، أما أن”القشة” تنقذ ليبيا من عدمه فتلك المهمة المُستحيل التي تُشبه أن تكون بلاد إمبراطورية الرمل والفراغ، وليبيا كانت هذه البلاد

أحمد الفيتوري | الخميس 6 أغسطس 2015, 9:55 AM

– See more at: https://us4.proxysite.com/process.php/joV9rFmP/UFlekMrM/VEOdgt0J/NmlPhG5l/vYq8zz6f/vfDpTzH5/PDh1/b1/fnorefer#sthash.LdTO20EU.dpuf

مبادرة جديدة لاجل ليبيا .

 - عندما يبكي الرجال الرجال

   حديث عن مبادرة للشيخ عبدالجليل ، لعلها وصفة جديدة للخروج من المأزق المتأزم والممتدة جدوره الى فترة المجلس الانتقالي ، فأي وصفة غابت عنه بالأمس وحضرت اليوم بعدما اصبح الواقع يتحدث لغة الصدام القبلي والحزبي والجهوي ، وصراع على السلطة ، وكنوز المصرف المركزي .. هل اختار الشيخ العودة للمشهد وقد ساوره ندم الانسحاب ، ام ان هناك من يعول على شيء من توقير للرجل للملمة ملفاته .

    انتهى وقت المبادرات سيد المستشار . وبكا توقير ووقار ، يبدو انك لا  تدري او لا يدري من يدفع بك ، انك فقدت الكثير مما اضمرت اليك  النفوس ودا بالأمس .

    اليوم وقد تفاقمت الاوضاع الى حد يصعب العودة ، عادت الاسئلة المؤرقة الى الواجهة ، فالشيخ لن  يعد يجد اذن صاغية لما سيقول ما لم يكن محصورا في الاجابة على الاسئلة التي تركها وراءه دون اجابة ، بل البعض يصيغها في صورة اتهامات ، ولا يقبل بوجهة النظر المطالبة بالكف عن تأثيم الرجل لقصر نظره ، ومحدودية معرفته .. لكنه كلما ظهر ثانية الى المشهد تتصدر الاسئلة الواجهة  ، وفي مجملها تتلخص في تحميله المسئولية عن ما جرى ويجري وما انتهت اليه البلاد .. خصوصا انه رفض الاستقالة بعد التحرير رغم مطالبات له بها ووعده بذلك . كان ذلك بوازع ضغط الثوار الذين شككوا فيما يجري بدهاليز المجلس الانتقالي ، واقتحموا مكتبه وحطموا سيارته .. مما حدا به والبقية الى خيار اللجوء الى طرابلس ونقل مقر المجلس حال تحرير الثوار لها .

     ذهب المجلس ولم يتعرف الشعب على بقية الاعضاء المستترين .. ولا اجابة عن من وراء اعتيال للواء عبدالفتاح يونس ؟ ومن وراء اطلاق سراح بشير صالح كامي اسرار اموال ليبيا بالخارج ، ورجل الخيمة الاول للمهام الخارجية الخاصة ؟..  ومن وراء الاعلان الدستوري ؟  .. وعن عدم اتخاد اجراء جمع السلاح او طرح مبادرات مجزية بالعفو اثناءالتحرير او مقابل مكافآت للثوار شرعها الشيخ ، واشعلت فتن ؟ .. ولما تاخر الحديث عن مصالحة ؟.. وكيف يعطى الضوء الاخضر للاحزاب لممارسة دورها دون قانون ينظم عملها ؟ .. ومن مكن الاطراف الخارجية وامتدادتها الحزبية من التهام العملية السياسية ؟ .. واين هي قيمة 350  مليار دولار التي اعلنت عن وجودها فى مصارف سويسرا بعد التحرير ؟ ، لنفاجأ بعد اشهر بتصريح الوزير القادم من قطر بأنها فقط  160 مليار دولار !! ، لتأتي الفاجعة فيما بعد وقد صرف منها 5 مليار على الاثات ، ومثيلها باضعاف على ملف الجرحى وحماية ارتال الشخصيات .. وعقود شركات تم انعاشها وهي ملك لنخبة العهد المنهار قسرا ، كما صرحت وزيرة الصحة الحمروش !! . وعن تدخلات المجلس ، بل تدخلاتكم في كل صغيرة وكبيرة من شان الحكومة ؟ .. وعن المؤتمر الذي طردتم مقدمته حفل افتتاحه يوم ابتهاجها بالعودة للوطن لمجرد انها فتاة غير متحجبة اعتمادا على رؤية ضيقة لا تجد في غير المرأة موضوعا وفي مظهرها نقيصة . وعن ميزانية بلغت  68 مليار وزعت على حملة السلاح واطلق سراح الصراف ليعود من حيث اتي . . وفي وقت انتظار لاستعادة الاموال المنهوبة ، لم نلحق باسترداد الاموال المرصدة ، بل وتبين مؤخرا ان المنظومة مخترقة من البداية كما افاد احد الناشطين الليبيين بالخارج ” بن عثمان ” .. وهذا ليس بالغريب ففي ريعان سطوة المجلس تعاقدات بمتابعة الاستثمارات في لبنان على سبيل المثال . بنسبة 10 % من قيمة ما يعاد .. فكم ثم هدره بمعرفتكم ، او بقيادتكم ،  او اثناء انتظار الشعب لكلمتكم .. فما عساه اليوم  ان تكون مبادرتكم .

    ان المبادرة الحقيقية المنتظرة منكم سيادة المستشار .. لا تزيد عن امر واحد .. الاجابة عن الاسئلة .. وكيف حدث بالامس .. كشاهد عيان .. اولى من التنظير الذي سيستهجن وسيطلق للالسنة العنان .

– هكذا قاد BHL… الثورة الليبية!

هكذا قاد BHL… الثورة الليبية!

ثلاث شخصيات، هي لورنس العرب، وأندريه مالرو، ودون كيخوته، تتناوب في مرآة الفيلسوف الصهيوني. في «الحرب دون أن نحبّها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي» (دار بدايات ـــ دمشق) يدوّن تجربته الليبية مقدّماً نفسه كمحرّض على الثورة، ولا
يفوته التطرّق إلى سوريا

خليل صويلح

يسجّل برنار هنري ليفي يوميات الثورة الليبية، من موقعه شاهداً عياناً أولاً، في كتابه «الحرب دون أن نحبّها: يوميات كاتب في قلب الربيع الليبي» (دار بدايات ـــ دمشق، ترجمة سمر محمد سعد). لكن ما إن يمضي ليفي إلى الأمام قليلاً، في توضيح كواليس ومجريات الأحداث في الفترة بين 23 شباط (فبراير) و20 أيلول (سبتمبر) 2011 حتى يحضر هذا الكاتب الفرنسي المثير الريبة كصانع للحدث، ومحرّك لخيوطه المتشابكة، منذ أن قرّر الذهاب من «ميدان التحرير» القاهري إلى بنغازي، ليس بوصفه صحافياً ميدانياً، بل محرّضاً على الثورة ضد القذافي.

سيرفع سماعة الهاتف طالباً التحدّث مع الرئيس الفرنسي حينها نيكولا ساركوزي بقصد تشجيعه على التدخّل لإنقاذ مناوئي القذافي من القتل. مكالمة قصيرة بين «الفيلسوف» الصهيوني والرئيس، تنتهي بموافقة ساركوزي على فكرة الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ومقابلة أعضائه في باريس. بدءاً من هذه اللحظة، سيستعير ليفي (1946) صورة «لورنس العرب» مفجّر الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين في عشرينيات القرن المنصرم، وبالطبع أندريه مالرو الذي استعار منه عبارته المعروفة عنواناً لكتابه، وسيتناسى عمداً صورة الفارس الجوّال «دون كيخوته» في مغامراته المجنونة. ثلاث شخصيات، إذاً، تتناوب في مرآة «فيلسوف الحرب» وهو يصنع التاريخ على هواه. سيطمئن أصدقاءه الإسرائيليين إلى أنّ ثوار ليبيا الجدد لن يكونوا أعداءً لدولة إسرائيل، ويبدد مخاوفهم من «الربيع العربي». يسأله وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان: «ولماذا سنُقلق ملك الأردن الشاب، فضلاً عن الملك السعودي العجوز الذي تُقيم إسرائيل معه علاقات سريّة، ويعيش الرعب من رؤية الربيع العربي يجرف عرشه؟»، ثم يعود إلى مواقعه في الميدان لتحريك خيوط اللعبة مجدّداً. مقابلات مع زعماء الثوّار، وخطابات حماسية في ساحات المدن الليبية الثائرة، تنتهي بحمله على الأكتاف بوصفه بطلاً، والمطلوب رقم واحد من القذافي مقابل مكافأة مجزية. لكنه لن يعبأ بالمخاطر، ولن يتردّد لحظةً واحدة في إكمال مهمته، فيما يتبعه الآخرون كالمسرنمين. يكتب البيان الرقم واحد لـ«المجلس الوطني الانتقالي»، ويكتب نصّاً آخر سينشره في صحيفة «لو فيغارو» بتوقيع رئيس المجلس مصطفى عبد الجليل، ويرافقه إلى الإليزيه، وحين لا يجد ما يتكلّم عليه في ما يخص ليبيا، يذهب بنا إلى البوسنة، ليذكّرنا بدوره هناك، ويعرّج أيضاً على أفغانستان، ورواندا، ودارفور، وتل أبيب، راسماً خرائط جديدة للعالم، قبل أن يعقد صفقات أسلحة لثوار ليبيا بموافقة الجنرال عبد الفتاح يونس قبل مقتله الغامض (يتّهم كتائب القذافي باغتياله)، كذلك سيستعيد ذكرياته عن أجداده اليهود في صحراء بني ساف، وموت جده شالوم بن يعقوب
كقديس.
بعد أن ينخرط ساركوزي في لعبة الحرب، لن يكف هاتف الفيلسوف عن الرنين للرد على استفسارات الرئيس وخططه واحتمالات الفشل والنجاح. ساركوزي هنا، أسير أفكار الفيلسوف، رغم اختلافهما الإيديولوجي. لعل هذا الانصياع التام، وهذه الثقة العمياء، تتعلق بشغف الرئيس بالشهرة أيضاً، فكلاهما ـــ في نهاية المطاف ـــ استعراضيان، وهذا ما حدا بهما إلى إبعاد وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه عن كواليس المطبخ الحربي. لا يتورّع هنري ليفي عن كشف أسرار ما حدث في ليبيا خلال وجوده هناك، وإضاءة وقائع الحرب بوصفها واقعاً: «سواء أراقتْ لنا أم لا، لم تطلب من أحد السماح لها بأن توجد، وتسلك المجرى الذي حدّده لها التاريخ».
هذه الحماسة، من جهة أخرى، تنطوي على أنا متضخّمة، ونرجسية، تزيح الآخرين من الصورة، ليقف هذا الفيلسوف وحده في إطارها المذهّب. لن ينسى في غمرة انشغاله في تصوير المعارك أن يستعير صورة أخرى له كمثقف متفرّد. هذه المرّة، يرتدي قناع جان بول سارتر، موجّهاً اللوم إلى مثقفين أوروبيين وقفوا ضد الحرب بمقولة لمارسيل آميه «نقطة ضعف الكتّاب كلّهم تقريباً أنهم يقدّمون أفضل ما عندهم، وأكثر ما كتبوه تفرّداً، وذلك للحصول على وظيفة ماسحي أحذية في السياسة». قد تتناسب هذه العبارة مع مواقف برنار هنري ليفي، لا الآخرين. يبرر انخراطه بأن «لا حرب عادلة»، لكنّ هناك شرطاً آخر هو «الأمل المعقول في النجاح». ويضيف: «هذا الأمل واضح في ليبيا، فهل سيكون واضحاً بالطريقة نفسها في سوريا؟ ماذا سيكون أثر الضربات الجويّة في هذا البلد كثيف السكان؟».
لا شك في أنّ نهم هنري ليفي وشهيته في صناعة «مونودراما الحرب» لن تتوقف عند حدّ، في منطقة ملتهبة، ستتيح له ببساطة أن يؤدي دور المحارب الأوحد فوق خشبة تاريخ مهتزّ، يحتاج إلى بهلوان مثله، فهل سيوافق على أداء دور جديد في دمشق كمحصلة لرجاء معارضة سورية أتته بوصفه «السيد ليبيا» لاستنساخ الشيء نفسه في سوريا؟ يجيب: «كان من المؤلم القول لها إن التاريخ لا يعيد نفسه إلا نادراً، والاحتمال ضعيف جداً بإيجاد الكوكبة نفسها من الأشخاص والظروف، أو من الخلافات والضرورات». ويضيف مُطمئناً محدثته: «ولكن، في المحصّلة، لا ندري». هنا يستعير دور خبير الأرصاد الجويّة: «ذوبان الثلوج المفاجئ يعني ربيعاً مجهضاً». بعد شهر من تلك الواقعة، سيوافق على «الاجتماع الأول من أجل سوريا» (4 تموز/ يوليو 2011)، وذلك في «سينما سان جيرمان» في باريس، كي لا يقال عنه إنه يكيل بمكيالين. هكذا، حشد شخصيات سورية وفرنسية من مشارب متعددة لإنجاح المهرجان.
ستتدفق سيول من الشتائم على شبكة الإنترنت العربية ضد «الصهيوني برنار هنري ليفي»، وسيفكر في إلغاء المهرجان، ثم يعود متحدياً، ومدافعاً عن مواقفه من إسرائيل: «العلاقة مع إسرائيل هي مُكوّن من مكونات يهوديتي، ولن أنكر نظريتي في مؤتمر القدس: يتعيّن أن نكون في منتهى القسوة مع الإسلام الفاشي، وقلت دائماً إن حرب الحضارات الوحيدة القائمة في الإسلام، هي التعارض بين الإسلاميين الفاشيين والمعتدلين، بين أعداء الديموقراطية وأصدقائها.
هذه هي الحرب التي أُلاحقها». فيلسوف أم جاسوس أم مغامر؟ تلك هي الصورة التي ستبقى ملتبسة حتى السطور الأخيرة من هذا الكتاب..

الاخبار اللبنانية

– مذكرات نوري المسماري – الحلقة ( 5 )

الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يرحب بالقذافي في تونس وفي الاطار المسماري (رويترز)

المسماري: رأى المعتصم الثورة في مصر فقال: هذه نهاية الديكتاتوريات (5)

عمان – غسان شربل

الأربعاء ١٨ يوليو ٢٠١٢

كاد نوري المسماري يقع في الفخ الذي نُصب له. لم يُطق معمّر القذافي فكرة وجوده بعيداً في باريس ومعه سنوات من الأسرار والمشاهدات. تدخّل لدى العائلة لإقناعه بالعودة. أرسل فريقاً لاغتياله. ثم أرسل نجله المعتصم لاصطحابه وإعادته. صدّقت العائلة، أو بعض أفرادها، تطمينات القائد وسلك المسماري طريق المطار لارتكاب رحلة العودة. أنقذَتْهُ نصيحة جاءت في اللحظة الأخيرة وعاد إلى باريس.

لا يغفر القذافي لمن يقفز من السفينة ويبتعد. لهذا كان المسماري مرشحاً لمواجهة مصير مشابه لما حلّ بعمر المحيشي يوم نجح العقيد في استعادته من المغرب وقتله. كان إسكات المسماري مهماً للقائد، ذلك أن أمين المراسم القريب من باب الخيمة ومن باب العزيزية سمع الكثير وشاهد الكثير، فضلاً عن انه كان يرافق القذافي كظله في الأسفار والمؤتمرات.

لم يكن في ليبيا دستور ولم يكن فيها قانون. كانت البلاد تعيش على ساعة مزاج القائد. وحين يعتكر مزاجه يعاقب التقصير البسيط بالسجن في المخالفات التي لا يرى انها تستحق الشطب الكامل والإلغاء. كان المسماري في السجن حين انعقد مؤتمرٌ في ليبيا. لاحظ الوفد القطري التحضيري غيابه فسأل وعرف. بعدها تدخّل رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني لدى العقيد فعاد المسماري الى عمله. خلال تنفيذه مهمة في مالي التي شهدت احتفالات حضرها الزعيم الليبي، شعر المسماري ان شيئاً يُدَبَّر له ونصحه ضابط ليبي بالفرار، وهذا ما حصل. وهنا نص الحلقة الخامسة:

> متى غادرت ليبيا ولماذا؟

– كانت لدي مشاكل خلال عملي مع القذافي وسجنتُ مرات عدة. كنت أحاول أن ألفته الى بعض المسائل لكن ذلك كان صعباً لأن المحيطين به كانوا من أقربائه، وكنا نسميهم «زبانية الخيمة». كان أعضاء جوقة المدّاحين هذه يهللون ويكبّرون اذا أطل عليهم بملابسه الأفريقية مثلاً وهو كان يحب المديح والمدّاحين.

> أعطنا مثلاً عن عملية سجنك.

– سُجنتُ مرات عدة بعضها لأسبوع ومرات لشهر. في المرة الأخيرة كان هناك مؤتمر في طرابلس. وكالعادة هناك وفود تحضيرية تصل باكراً. لاحظ أعضاء من الوفد القطري غيابي. استفسروا فأبلغهم أعضاء في المراسم أنني في السجن. السجن كان عبارة عن اماكن محددة للإقامة لكنه سجن.

كان ذلك في العام 2010 في فندق «ريكسوس» في الغابة في طرابلس. اتصل رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بالقذافي وطلب منه أن يعفو عني. ليلاً اتصل بي مدير السجن العقيد ع.س، وهو يعتبر من أكبر المجرمين في عهد القذافي وقام بتصفيات خارجية وكانت بأمرته مجموعة يُطلق عليها كتيبة الإرهاب. كان هذا الرجل يُطارد من أسموهم آنذاك «الكلاب الضالة». أبلغني بقرار إخراجي من السجن. طبعاً الدخول الى السجن والخروج منه مسألة عشوائية في عهد القذافي. أثناء وجودي في المعتقل التحق بي البغدادي المحمودي أمين اللجنة الشعبية العامة ورئيس الوزراء وكذلك وكيل وزارة المالية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي وعلى ما أعتقد مدير مصرف الأمان لموضوع مالي يتعلق بابن القذافي المعتصم بالله. م اطلق سراحي وفي اليوم الثاني التحقوا بي لأن المؤتمر على الأبواب.

ذهبت الى المؤتمر وأشرفتُ عليه وحضر حمد بن جاسم وسلمت عليه. قال لي القذافي عليك ان تشكر هذا الرجل الذي اطلق سراحك فلولاه ما كنت لتخرج من السجن. طبعاً حمد بن جاسم تحدث الى القذافي وقال له: نوري رجل مخلص ومحترم وطيب ولا يستأهل السجن. انتهى المؤتمر وعند مغادرة القذافي قلت له هل أعود الى السجن ام أذهب الى البيت، قال الى البيت. وكان بعدها العيد 41 لما يسمى ثورة سبتمبر، وللأمانة هي في البداية كانت ثورة لأن من قام بها هم ضباط احرار ومخلصون لكن القذافي سرقها لغرض في نفسه والدليل انه انشق عليه الكثير من الضباط الأحرار وأعضاء مجلس قيادة الثورة.

كُلِّفتُ بمهمة في مالي وكنا في شهر رمضان وقمتُ بالمهمة بنجاح. وبعدها كانت الاحتفالات الكبرى التي حضرها القذافي، وأثناء الاحتفالات بأعياد الاستقلال والحرية لمالي تعرضتُ لحادثة وأحسست بأن القذافي يبيّت لي شيئاً لأنه كان مشمئزاً مني.

> هل عبّر عن ذلك؟

– أذكر ان رئيس مالي امادو توماني توري الذي أطاحه لاحقاً انقلاب عسكري قال ان كل هذه الاحتفالات والاستعراض العسكري والقوات والإنزال المظلي الفضل فيها يرجع الى السيد نوري لما قام به، واستسمحكم بمنحه وساماً. رد عليه القذافي مستهزئاً وقال: «لو لم يفعل هذا لكنا قتلناه». أحسستُ بشيء من القلق. كان هناك ضابط اسمه العميد عبدالسلام الحاسين حضر إلى مالي على رأس مجموعة من القوات الخاصة الليبية لتأمين زيارة المقبور العقيد. جلستُ معه وسألني عن أسباب انزعاجي فأخبرته. والظاهر انه كانت لديه معلومة عما يدور. رده كان قطعياً اذ سألني هل بإمكاني ان اغادر ليبيا وأترك؟ الآن هو عميد يمسك العمليات للقوات الليبية. قلت له نعم. فقال هذه نصيحة أخ لك ان تغادر. ودعنا القذافي الذي طلب مني ان ارافقه كما يفعل دائماً. قلت لله انني مضطر للبقاء لأضمن ترحيل الجنود والآليات والطائرات. بعد مغادرة الطائرة قال لي الضابط الليبي: انا اهتم بالترحيل، وانت عليك المغادرة. سلمت عليه، وأخذت الطائرة الى تونس. مرضت ودخلت الى المستشفى. بقيت 3 أيام في تونس ثم توجهت بالباخرة الى مرسيليا في فرنسا، ونزلت في الفندق وكنت مريضا بالقلب وقال لي الطبيب انني احتاج الى علاج وقد يتطلب الامر اجراء قسطرة لتركيب دعامة. اخافني هذا الامر فسافرت الى ايطاليا وكان الكلام نفسه. اتيت الى الاردن واستُقبلت من جانب التشريفات الملكية وكانت المعاملة خاصة جداً. بقيت هناك، وبعد عشرة أيام تعبت وأخذوني الى المستشفى واضطروا الى إجراء قسطرة وركبوا دعامة، وتوقف قلبي لمدة عشر ثوانٍ عن النبض وتمت توعيتي بالصدمات الكهربائية وخرجتُ من المستشفى وتوجهتُ إلى فرنسا. آنذاك للأمانة لا أريد ان اتهم جميع الضباط وقيادات الأمن الخارجي بالعدوانية، لكن هناك من كان يوحي لهم من أقارب مجموعة القذافي لأن القذاذفة كانوا يخططون لإبعادي بأي شكل من الأشكال. فكانوا يحاولون الإساءة الى سمعتي دائماً. ذات مرة تمت تنحيتي وبعد أسبوع إعادتي من جديد بعد فشل مؤامرتهم. وكان سيف الاسلام القذافي يخطط لوضع شخص (في مكاني) من مجموعة تابعة له. أرسل مجموعة الى الأردن لدراسة شؤون البروتوكول ومراسمه، وكان بينهم واحد من القحصة (هم أقارب مباشرون للقذافي) واشترك في هذه المؤامرة لتنحيتي البغدادي المحمودي، وكان هناك صراع دائم بيني وبينه لأنه كان من مجموعة سيف الإسلام. لم تنجح المؤامرة وكان الصدام بيني وبينهم وقدمتُ استقالتي فرُفضت. وكان الصدام بيني وبين البغدادي المحمودي دائماً.

ما حدث أنني عدت الى فرنسا. هناك اتصلوا بالقذافي وأبلغوه بأنني هربت. القذافي خاف. وهو كان دائماً يخاف إذا سافرت حتى للعلاج. كان يتخوف ان أنشق خصوصاً انني تركت العمل معه في 1982 لمّا غادرت ليبيا. نُشرت مقالة ضدي في جريدة إيطالية وأعتقد أنها كُتبت بتعليمات لصحيفة إيطالية مأجورة، وفيها اتهام لي بالتخطيط للانقلاب على القذافي او للثورة في ليبيا.

> لكن الثورة لم تكن بدأت بعد؟

– صحيح. اتصل بي المعتصم نجل القذافي فقلت له إنني مريض وأخضع للعلاج وسأعود بعده. قال لي يا عمي نوري (كانوا دائماً يخاطبونني عمي نوري) استمر في علاجك وحين ترجع نستقبلك. بعدها حدّثني سيف الإسلام، وعلاقتي به محدودة الى أبعد حد. كنت ألتقي به صدفة في بيت والده أو في الخيمة. سألني عن أحوالي وقال: هؤلاء كلاب ومخابرات. وصدرت بعض المقابلات الصحافية نقلاً عن مصدر موثوق به مقرب من سيف الإسلام تقول ان هذه مؤامرة من الأجهزة الأمنية ضد السيد نوري المسماري.

> ماذا قال لك ايضاً؟

– سلّم عليّ. قلت له إنني متعب ومريض. فقال نأمل ان ترجع بالسلامة. وصدر هذا المقال. كانت المؤامرة تحاك بأن نوري سيهرب وينشقّ، فدبروا لي مؤامرة دنيئة مع النائب العام- تعرفون ان النائب العام يتبع وزير العدل لأن القضاء ليس مستقلاً- النيابات كلها تتبع وزير العدل وكان المستشار مصطفى عبدالجليل. وحاول عبدالله السنوسي وعبدالله منصور التنقيب في أوراق جهاز المراسم العام لتلفيق اي أي تهمة يمكن تلفيقها لكنهما لم يعثرا على شيء.

> من هو عبد الله منصور؟

– كان عميداً في الجيش ومديراً للإذاعة الليبية ومن بعده أتى علي الكيلاني. وهو قريب لعبدالسلام الزادمة الذي كان من الأمن الخارجي ومات. كان أكبر مجرم ومشترك في التصفيات. كان مجرماً وشارك في تصفيات عدة لليبيين في الخارج. فمنصور والسنوسي حاولا تلفيق أي تهمة لي ولم ينجحا فطلبا من النائب العام في الاجتماع تلفيق تهمة لنوري المسماري بأي شكل من الأشكال، وكان هذا للأسف في ذاك الوقت بإشراف وزير العدل وبتعليمات من القذافي، ولُفّقت لي مؤامرة واتُّهمتُ بالمس بالمال العام. وكانت مؤامرة غبية لأن ميزانية جهاز المراسم كانت اسميّة للمراسم العامة وكانت تُدار من اللجنة الشعبية العامة التي هي رئاسة مجلس الوزراء.

> لُفِّقت لك تهمة فاعتُقلتَ في فرنسا؟

– القذافي طلب من الفرنسيين ترحيلي الى ليبيا. رفض الفرنسيون. تم تدبير اتفاقية مالية (بين ليبيا وفرنسا) لشراء طائرات يشرف عليها محمد الحويج وزير الاقتصاد آنذاك، وتُقدَّر الاتفاقية بنحو مليار ونصف المليار يورو.

> لشراء الأسلحة؟

– طائرات وتكنولوجيا وأمور متطورة. وهذه وضعت كوسيلة ضغط لترحيلي، لكن للأمانة (الرئيس الفرنسي السابق نيكولا) ساركوزي رفض، وقال ان الموضوع بيد القضاء. هدد القذافي بإلغاء الاتفاقية. أجابوه افعلوا ما تشاؤون ونحن لا نستطيع ان نرحل إلا بأمر من القضاء. أرسل القذافي مجموعة تحت إشراف ضابط من جهاز الأمن الخارجي، وهنا لا أريد ان أجزم ان جميع ضباط الأمن الخارجي من أعوان القذافي، هناك طبعاً أقرباء عبدالله السنوسي وعبدالله منصور وأقرباء القذافي وهم بالطبع مخلصون له، لكنْ هناك في جهاز الأمن الخارجي عدد من الوطنيين والثوريين والشرفاء قاموا بمساعدة ثورة 17 فبراير بكل ما لديهم. وهذا الضابط اسمه الأول سعد كان يعرفني جيداً، فطلب (القذافي) منهم الذهاب على رأس مجموعة لاغتيالي. الضابط المكلف كان قنصلاً في فرنسا ويعرفها. لم يحاول جدياً الإيقاع بي لأنه كان يعرفني جيداً ويعرف وطنيتي.

> أُرسل الفريق الى فرنسا؟

– نعم. معظم القناصل كانوا ضباطاً في جهاز الأمن الخارجي وكانوا يمسكون مناصب قناصل عامة لهذه الغاية. السلطات الفرنسية عرفت ان هناك مجموعة وصلت لتصفيتي فتم اعتقالي وأُدخلتُ السجن وكانت المعاملة جيدة. هناك أمور أمنية وسياسية. كان المطلوب ان أبقى متحفّظاً عليها قدر الإمكان لأنه كان هناك تخطيط لقتلي بأي شكل من الأشكال. بدأت الاتصالات بي (من ليبيين) محاولين إقناعي بالعودة ورفضت. وتم تكليف محامٍ لي وبعدها اطمأنّ الفرنسيون حين اضطرت مجموعة الاغتيال الى المغادرة.

اتبع القذافي اسلوباً رخيصاً آخر بعدما أفرجَت المحكمة عني من دون كفالة مع حفظ حرية التنقل الى حين صدور الحكم، فأرسل إلي عبدالله منصور، وأذكر انني اجتمعت به في فندق «فوكيت» وصافحني وكان اللقاء جيداً وأبلغني تحيات «أخوك»- لا يقولون القائد بل يقولون اخوك. مثلاً طلب منك أخوك. اذا كان الحديث عن تعليمات او سواها. لهذه الكلمة معنى مختلف عن ذاك الذي يظنّه الناس انه يُستخدم للتقرُّب، بل هي بالعكس، تُستخدم كي لا تعود الكنية معروفة- قلتُ له انتم لفّقتم لي تهمة رهيبة هي المس بالمال العام، فقال انت تعرف ونحن لفّقناها تلفيقاً. فأجبته وتعترف بذلك. وكان هذا الحوار بشهادة ابنتي امال وثريا وشخص اسمه مالك بعيّو. قال انت تعرف أخاك. فقلت من اين هذه التعليمات؟ فأجاب: من أخيك، لكن ما ان تعود سنلغيها. فأجبته بأنني لن اتحرك من هنا إلا بعد ان تتنازلوا وتسحبوا هذا الاتهام شئتم أم أبيتم. ولم تنجح المحاولات. فقال: انت الآن علاجك على حساب الدولة الليبية وتعال اسكن في هذا الفندق «فوكيت» وإقامتك ستكون على حسابنا. المهم قَبِلت. لأنني كنت أريد ان أرى الى أين سنصل. مُنِعت عائلتي من مغادرة ليبيا. وأقاربي وأبنائي وأحفادي مُنعت عليهم المغادرة. وكانت هناك دائماً اتصالات بالهاتف من السنوسي وقال إنه يعطيني الأمان. لكن أنا كنت أقول: الثقة في محمد ومحمد مات. وحاولتُ ان أجد مبرراً وقلت إنني لا استطيع مغادرة فرنسا إلا بأمر من المحكمة، لكن هذا غير صحيح. حضر السفير الليبي آنذاك الدكتور صلاح الزارم وهو صديقي لكنه من مجموعة موسى كوسا، وحاول ايضاً إقناعي. ومن ضمنها كانت جلسة محكمة حضرها الزالم ومعه عضو من السفارة وأبلغنا القاضي بأن السفير ومجموعة موجودون، فأمر بتأجيل القضية. ورجعنا وحضر عبدالله منصور من جديد واجتمعت به وسألتُه كيف تقول لي «اخوك يطلبك ومنعتم أسرتي من السفر. حضرت ابنتي ثريا وآمال محاولتين إقناعي. وأثناء القضية حضرت ابنتاي ست الكل ومنال الى فرنسا للوقوف الى جانبي، وست الكل كانت مقيمة في الأردن لأن زوجها سكرتير أول في السفارة وامال وثريا كانتا في طرابلس ومنال حضرت من اميركا حيث تقيم ووقفن الى جانبي لأنني كنت مريضاً ايضاً. وأثناء ذلك اتصل ابني ايهاب المسماري الذي كان مستشاراً في سفارتنا في كندا وانشق. واتصل بابنتي آمال أكبر بناتي وقال لها ان كل مصاريف المحامي على حسابي ولا تقبضوا شيئاً من الحكومة الليبية وتحمّل كل التكاليف.

> وكرر القذافي محاولاته؟

– حضر عبدالله منصور وحاول إقناعي ولم أقتنع وكنت متخوفاً. ابنتي ثريا طلبها معمر القذافي للحضور وذهبَتْ لمقابلته وقال لها نوري مثل ابني وأخي وأحبه وليقل أي منصب يريده. بالطبع بناتي لا يعرفن خفايا هذا الرجل. فأتين مبتسمات. كانت ثريا في جهاز المراسم وفي الوقت نفسه انتدبت سكرتيراً اولاً في سفارتنا في السيشيل وابنتي غادة ايضاً في السيشيل وهي أيضاً انشقّت. لم أقتنع. ثم حضر ابنه المعتصم بالله وطلب مقابلتي، هنا بدأت أشعر بالخطورة.

> جاء المعتصم الى باريس؟

– نعم. وأقام في فندق «بريستول». وطلب مقابلتي وكان هناك تخوف من عملية خطف. فأبلغتُ السلطات الفرنسية، فطلبوا مني الذهاب وبصحبتي عناصر من الأمن الفرنسي.

> اين اجتمعت به؟

– اجتمعت به ليلاً في فندق «بريستول» وكانت معي آمال وثريا. اجتمعنا به وكان لقاء جيداً، ولا أنكر ذلك. قال المعتصم: أهلاً عمّي نوري كيف حالك وماذا حصل؟ أخبرتُه. وكيف تسجن. كانت في تلك الفترة احداث ثورة يناير(كانون الثاني) بدأت في مصر. وكانوا ينقلونها عبر شاشات التلفزيون. التفتُّ الى المعتصم وقلتُ له: انظر ما الذي يحصل. عندها رد المعتصم للأمانة رداً غريباً، وقال: «هذه نهاية كل الديكتاتوريات».

التفتُّ صوبَ ابنتي ثريا وآمال، وكان المعتصم ذاهباً لإحضار شيء من غرفته لاحظت وجود نحو 15 زوج حذاء اعتقد انها لجماعته الذين كانوا معه. قالت ابنتي: ما هذا الرد؟ كان الرد عدائياً على والده. عاد. لم نستمر في الموضوع. كان معترضاً على كل ما يقوم به والده من تدخلات في شؤون الدولة والأمن. وقال لي بالحرف الواحد: أنا مستشار الأمن القومي صورة فقط، لا حول لي ولا قوة.

> المعتصم الذي قتل لاحقاً؟

– نعم. قتله الثوار. قال لي المعتصم: طائرتي معي وغداً سأغادر فرنسا وأريدك ان تعود معي. قلت ان شاء الله سنرى وعدت الى البيت.

بناتي كن مهتمّات ورجونني ان أعود، وحاولن لكنني رفضت. اتصل بي مدير مكتبه وقالوا: نحن أجّلنا السفر وسنسافر غداً، فعمّي نوري جهز نفسك ومستشار المعتصم يُسلّم عليك ويطلب منك ان تجهز نفسك لأننا سنغادر. فقلت انه لا يمكنني المغادرة لأن لدي موعداً لكشف طبي. حصل صدام بيني وبين بناتي لأنهن كن مقتنعات بالكلام الذي سمعنه. سواء ما سمعته ثريا من القذافي في طرابلس وسواء ما قاله المعتصم او ما قاله عبدالله منصور ان عملية الاتهام تلفيق وبأمر من القذافي ستتم ازاحتها. لكنني أصريت. غادر المعتصم وأتى السفير ومعه محام ليبي مقيم في فرنسا محاولين اقناعي لكنني رفضت. طلبوا مني ان اقول للقضاء الفرنسي يوم المحاكمة انني قررت العودة الى ليبيا فيسمحون لي بذلك. مغادرتي فرنسا من عدمها قرار لي لأن المحكمة لم تضعه شرطاً ولا حتى كفالة. بالنهاية إرضاءً لآمال وثريا قررتُ المغادرة والعودة الى ليبيا، وخلال وجودي في المطار حضر احد أعضاء مكتب المحامي الفرنسي. قال إنه يفضّل ألا أعود الى ليبيا. وأضاف: العودة ليست في مصلحتك وقد تكون هناك أخطار. عندها ألغيتُ السفر واسترجعتُ التذكرة وعدتُّ الى الفندق وبدأت بوادر الثورة. وظهرتْ دعوات لجعل يوم 17 فبراير يوم غضب وبدأتْ التحركات على فايسبوك وكنت أُتابعها وكان يتصل بي بعض الأصدقاء. وكان يوم 17 يوم الغضب. حصلت الانتفاضة يوم 14 في البيضا حيث قبيلتي قبيلة المسامير والبراعصة وقبائل أخرى. منطقة الجبل الأخضر كلها قبائل قوية منها العبيدات… المهم بدأت الاحداث وحصل ضرب. يوم 17 مصادمات، 18 مصائب، 19 بدأ الضرب. انا انزعجت. يوم 20 كان القتل ساحقاً. في اليوم التالي ظهرتُ على «الجزيرة» وأعلنتُ انشقاقي.

> كنتَ أول المنشقين؟

– نعم أنا الأول. وبعدي مباشرة احد اعضاء المراسم كان منتدباً في الصين حسين المصراتي وبعدها انشق السفير في االهند… ثم السيد مصطفى عبد الجليل وبدأت الثورة.

> عملتَ مع القذافي مديراً أميناً لجهاز المراسم العامة من العام 1997 حتى العام 2010، هذا يعني أنك كنت الرجل القريب من القذافي؟

– وقبلها أيضاً عملت معه من العام 1977 حتى العام 1982، ثم غادرت.

> إذا أردنا ان نصف شخصية القذافي، كيف نصفها؟

– القذافي شخص مغرور يعتقد انه الوحيد الذي يعرف والوحيد الذي يفهم، وأنه شخص ضليع في القانون والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والسياسية. الكلمة الأولى والأخيرة له ولا يقبل ان يعارضه احد. يحب التباهي ويميل إلى من يشيد به ويقول عنه انه كبير وأنه أعظم شخص. ثم ان أي شخص ينصاع له يحصل منه علىا مكاسب وهذا ينطبق ايضاً على رؤساء الدول.

> على سبيل المثال، من هم رؤساء الدول الذين عنيتهم بكلامك؟

– بعض الرؤساء الأفارقة.

> لم تعد ثمة حاجة للتكتُّم؟

– لا أريد أن أتعرّض لتلك الأسماء. انا سأكتب كتاباً محاولاً عدم التجريح بأولئك الرؤساء.

> لكن تلك الحقبة ستتكشّف في النهاية؟

– إن شاء الله في فترات مستقبلية سأتحدث عنهم. كان هناك رؤساء أفارقة يؤثر عليهم القذافي، مثل رئيس الكونغو برازافيل ساسو نغيسو، ورئيس مالي امادو توماني توري، وكان رئيس نيجيريا اباسانجو متقلباً، مرة كان مع القذافي ومرة أخرى ضده. وكان من ضمن الرؤساء المؤثَّر عليهم من جانب القذافي ويمتصهم بأمواله رئيس ليبيريا الديكتاتور السابق المسجون تشارلز تايلور. وكان القذافي على علاقة وطيدة برئيس بوركينا فاسو بلايز كامباوري، لكن هذه الصداقة حصل فيها انشطار نتيجة زيارة كامباوري اسرائيل. وكان أيضاً مؤثراً على الرئيس الغاني جيري رولينغز، وكان له تأثير كبير على رئيس سيراليون كما كان للقذافي تأثير نسبي على رئيس ساحل العاج، وتأثير على رئيس افريقيا الوسطى بوزيزي، وهذا ايضاً كان مدعوماً من رئيس تشاد ادريس ديبي ووصل الى السلطة في ظله وانضم الى جناح القذافي. لكن بين القذافي وبين ادريس ديبي كان يحصل تقارب في بعض الأحيان وابتعاد في أحيان اخرى، وفي الفترة الأخيرة كان هناك تقارب بينهما.

> هؤلاء الرؤساء كانوا يتقاضون اموالاً من القذافي؟

– من دون شك، مساعدات واستثمارات في بلادهم. والاستثمارات والهدايا كانت من مسؤولية مدير مكتب القذافي السيد بشير صالح الذي كان يتصرف بتعليمات وأوامر، وكان يمسك المحفظة الافريقية.

> وعلى أيّ من الرؤساء العرب كان القذافي مؤثراً في السنوات العشر الاخيرة؟

– كان تأثير القذافي على الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مؤكداً. وبين القذافي والرئيس عبد العزيز بوتفليقه كان هناك نوع من البرود، لكن في بعض الأحيان كان يتم التقارب بينهما. في بداية الأمور كان هناك انشقاق بين بن علي والقذافي لكن عاد التقارب من طريق أنسباء زوجة بن علي وعائلة صهر بن علي، وخلال زيارات القذافي لتونس كانت تقام له حفلات كبيرة. كان القذافي في السنوات الأخيرة يدعم صاحبي القرار في تونس ومصر.

– محمود جبريل.. رهان الليبيين

يتطلعون إليه في بناء الدولة وترميم الشروخ وجبر الخواطر

القاهرة: عبد الستار حتيتةعاد محمود جبريل، أول رئيس لحكومة ليبية أثناء ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، بقوة، في الأيام الأخيرة، إلى واجهة الحياة السياسية في البلاد التي تعوم على بحر من الشكوك.رجع بأناقته وصراحته واسم قبيلته المرتبط أغلبها بالنظام السابق، بعد أن كان قد ترك موقعه الحكومي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.. عاد جبريل بكاريزما جديدة نضجت ملامحها في لحظة تاريخية من تاريخ ليبيا، مما جعل الأوساط العامة ترشحه رئيسا للحكومة من جديد، وترى أنه قادر على بناء دولة تتسع للجميع، خاصة بعد أن ظهر أن التيار الذي يمثله يمكن أن يحوز نصيب الأسد من أصوات الليبيين في أول انتخابات من نوعها تشهدها البلاد منذ نحو نصف قرن.حين ترك جبريل موقعه الحكومي، الذي يشغله حاليا عبد الرحيم الكيب، توارى عن الأنظار وعن الحياة السياسية المباشرة لعدة أشهر، حتى ظن البعض أنه هجر الحياة العامة وزهد في أي موقع قيادي في بلاده التي تحاول النهوض من كبواتها المتلاحقة.. إلا أن مقربين منه ظلوا في الفترة الماضية يتحدثون عن أنه سيرجع أقوى مما كان.. وهذا ما حدث.. حمل حقائبه وعاد ليستقر في ليبيا وليؤسس الحزب الوطني الديمقراطي ويخيف منافسيه في صناديق الاقتراع.لكن يبدو أن مكانته الشخصية وصورته التي كونها عنه الليبيون في وقت الشدة، أي في أيام الحرب ضد قوات النظام السابق.. عززت من مكانته في الانتخابات، إضافة إلى انتماءاته القبلية والجغرافية.. فهو من قبيلة الورفلة، أكبر القبائل المؤيدة للقذافي، والتي كان بعض أبنائها، خاصة في معقلهم بمدينة بني وليد في الوسط الليبي، جنوب سرت، حتى ربيع هذا العام، يرفعون علم القذافي الأخضر ويرددون الأناشيد المدرسية التي كانت شائعة في العهد البائد.وبسبب انتمائه القبلي لـ«ورفلة» لم تصوت مصراتة لجبريل، وهذا أمر لافت، خاصة أن مصراتة وثوارها يعتبرون أنفسهم أمناء على ثورة «17 فبراير»، بعد ما أبلوه من قتال ضد كتائب القذافي في العديد من المدن الليبية، إضافة إلى معاناتهم الأولى داخل مدينتهم بسبب الحصار والتجويع والقتل في بداية الثورة.وجبريل الذي يطلق عليه البعض لقب «الورفلي» من مواليد مدينة بنغازي عام 1952 وهي مدينة تعرف عنها طبيعتها الثورية، وذلك، كما يروي البعض، بسبب بعدها عن العاصمة وبسبب دور التعليم فيها وبسبب مثقفيها وشعرائها. وتقول المؤشرات إن الأصوات التي حصل عليها التيار الذي يتزعمه جبريل جاءت غالبيتها من مناطق كان يبدو أن الإسلاميين المتشددين والقبليين المحافظين يهيمنون عليها، مثل سبها في الجنوب، وطبرق ودرنة في إقليم برقة في المنطقة الشرقية، وهي منطقة تضم أيضا مدينة جبريل (بنغازي) التي يشتهر أبناؤها كذلك بالخيال والتمرد والرغبة الدائبة في التغيير.وتمتلئ أزقة بنغازي وشوارعها الضيقة والواسعة بالشكوك والريبة، ورغبة أهلها في إعادة تقييم الحركات والسكنات. ويمر بالمدينة العابرون إلى أقصى الغرب الليبي وأولئك المتجهون إلى المشرق.. وتبدو وجوه الغرباء فيها، من عرب وأفارقة وآسيويين أكثر مما ينبغي في كثير من الأحيان والظروف. لكن يظل أبناؤها الأصليون، من مختلف القبائل، بمن فيها ورفلة، على ولاء وإخلاص للمدينة حتى لو ابتعدوا عنها سنوات وراء سنوات.وعلى مر التاريخ بدأت الثورات من إقليم برقة، ومن بنغازي تحديدا، لا من طرابلس. وحتى القذافي انقلب على الملك انطلاقا من بنغازي، كما أن مركز عمليات التمرد المسلح ضد حكم القذافي نفسه بدأ من الساحة الرئيسية في تلك المدينة الواقعة بين البحر المتوسط والصحراء.يقول أحد أصدقاء جبريل القدامى، إن دراسته المبكرة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة الصاخبة، حين كان طالبا في جامعتها، أثرت على سلوكيات ابن الصحراء والقبيلة وابن المدينة الساحلية المتمردة، وجعلته أكثر قدرة على ضبط مشاعره وردود أفعاله.. «جعلته أكثر قدرة على التعامل مع الحياة العصرية بكل تشابكاتها»، خاصة بعد أن تزوج من زميلته بالجامعة، وهي السيدة سلوى شعراوي جمعة، ابنة وزير الداخلية المصري الأسبق»، مشيرا إلى أن الرجل أدرك المشكلات التي تعرقل التقدم في المجتمعات العربية سريعا، مما دفعه لمواصلة دراسته في الولايات المتحدة الأميركية بعد تخرجه في الكلية بمصر عام 1975.وبعد نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الثورة الليبية كانت الأوضاع في البلاد شديدة التعقيد.. ثوار يشكلون كتائب عسكرية سريعا على الأرض، ومنشقون من النظام السابق يبحثون عن ملاجئ آمنة في الداخل والخارج، وعملاء للنظام الجريح يندسون وسط المتمردين، ومجلس انتقالي يولد تحت قصف صواريخ القذافي ومدفعيته وكتائبه.. أجواء من الفوضى والاقتتال لا قبل لأحد بها.في هذه الظروف الصعبة، تولى جبريل في مارس (آذار) من العام الماضي، رئاسة المكتب التنفيذي التابع للمجلس الانتقالي، ليكون أول رئيس لحكومة ليبية لا تعترف بحكم القذافي بعد نحو 42 سنة من تولي العقيد الراحل الحكم. وبسبب خبرته في السياسة وفن التخطيط والإدارة، تحمل جبريل في تلك الأوقات العصيبة أيضا ملف العلاقات الخارجية في مواجهة الآلة الدبلوماسية والاستخباراتية الرهيبة لنظام القذافي. وإضافة إلى إدارة المهمة الصعبة الخاصة بتدخل حلف الناتو لمؤازرة الثورة، تمكن جبريل بمساعدة بعض الأصدقاء الدوليين ومنشقين كبار عن النظام السابق كسفراء ليبيا ومندوبيها بالخارج، من انتزاع الاعتراف الدولي بالمجلس الانتقالي وذراعه التنفيذية (حكومة الثورة).وطوال صيف العام المنصرم، وإلى أن حل الخريف الماضي بمقتل القذافي، تعرض جبريل لهجوم منظم من بعض أصحاب المصالح الذين رأوا أنه يمكن أن يهيمن على مقاليد الأمور في ليبيا مستقبلا، بسبب علاقاته الداخلية والخارجية، وأسلوبه الذي يستوعب الفرقاء ممن ظهرت المنافسة بينهم لجني ثمار الثورة حتى قبل الانتهاء من «تحرير» بني وليد والقضاء على جيوب كتائب القذافي في الجنوب والجنوب الغربي.كان نظام القذافي يتهاوي، وفي الوقت نفسه كانت الضغوط تزداد لإبعاد جبريل عن المكتب التنفيذي والحكومة المؤقتة، بحجج كثيرة منها القول بإهماله ملف التحقيق في قضية مقتل عبد الفتاح يونس، رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الذي تم اغتياله على أيدي «ثوار متشددين» وهو يقاتل قوات القذافي على جبهة البريقة، صيف العام الماضي.ومما تعرض له جبريل من انتقادات أيضا القول بأنه كان كثير السفر إلى خارج البلاد في وقت كانت تحتاج فيه الدولة الجديدة إلى وجوده في الداخل، حيث كان العهد الجديد يولد يوما بعد يوم من تحت النار والجثث والدمار. ووصف البعض حكومته حينذاك بـ«الحكومة الطائرة»، بسبب كثرة الأسفار، وهو أمر يرد عليه أحد المقربين من جبريل بالقول إن أسفاره كانت تهدف في الأساس لدعم الثورة.لكن استقالة جبريل من موقعه، بعد دحر النظام الديكتاتوري أواخر عام 2011، أشعر الكثير من الليبيين بوجود فراغ يتطلب ظهور رجل مثله. وربما يكون جبريل ورجاله في الداخل الليبي، قد أدركوا هذا الاتجاه وهذا المزاج العام، فسارع بالإعلان عن نيته تأسيس حزب التف حوله كثير من الناشطين الجدد، وأغلبهم لا خبرة له بالعمل السياسي الحزبي بسبب تحريم القذافي الأحزاب طيلة 42 عاما.يقول طارق القزيري، مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث، في تعليقه لـ«الشرق الأوسط» عن الدور الحكومي المرتقب الذي يمكن أن يقوم به جبريل: «للسيد محمود جبريل ميزة أنه من مواليد الشرق مع أصول من الغرب، حيث ينتمي لقبيلة ورفلة، لكن بعده القبلي ربما لا يدعمه كثيرا؛ فهو من جهة غير مرضي عنه من القبيلة (ورفلة) التي ما زالت تعد معقلا للقذافي، وهي كانت بين آخر المدن التي حررها الثوار، وهو من جهة أخرى سيكون محسوبا عليها مهما كانت الحال، ولعل هذا ما يفسر عدم انتخاب قائمته في مصراتة التي لديها حساسيات تاريخية مع ورفلة».وهذا لا يعني أن جبريل تغلب عليه النزعة القبلية أو الجهوية، ويقول مقربون منه إنه تخلص من مثل هذه التحيزات التي تربك أي فرصة للعمل العام أو المؤسسي، منذ وقت طويل، وأسهمت دراساته وانشغاله بالعلوم وعمله في العديد من البلدان العربية والأجنبية، في التأثير على نظرته للأمور في بلد لعب نظامه السياسي القديم لأربعة عقود على التمييز القبلي والولائي والمناطقي.وحصل جبريل على الدكتوراه في التخطيط الاستراتيجي وصناعة القرار عام 1984، من جامعة بتسبيرغ بولاية بنسلفانيا في أميركا، وأصدر في مجال تخصصه عدة كتب، وأشرف على تدريب قيادات بالإدارة العليا في عدة بلدان عربية وأجنبية، وحاول في السنوات الأخيرة من حكم القذافي، تنفيذ مشاريع لتأسيس بنية لدولة ديمقراطية تتعايش مع العصر الجديد، وذلك أثناء ظهور ما سمي قبل خمس سنوات «جيل الإصلاح» بقيادة سيف الإسلام نجل القذافي، إلا أنه أدرك سريعا على ما يبدو عدم وجود رغبة من النظام السابق وقياداته القديمة في التغيير، فانشق على القذافي وانضم للثورة رئيسا للمكتب التنفيذي.ويضيف القزيري قائلا عن جبريل إنه «على الرغم من أدائه الإعلامي الجيد، فإن محمود جبريل ليس شخصية إعلامية مميزة.. يشهد على ذلك فترة مكتبه التنفيذي. كما أن علاقاته الشعبية غير مميزة أيضا، فقد اتهم إبان الثورة بقيادة الحكومة الطائرة والسفر للخارج وإهمال قضايا محلية ملحة توجت بأزمة اغتيال عبد الفتاح يونس المعروفة».ويرى بعض المراقبين أن جبريل سيتوجب عليه مواجهة العديد من المشكلات العالقة، وأن هذا سيفرض عليه تشكيل تحالف وطني لوضع أسس الدولة الليبية الجديدة. ويوضح القزيري بقوله: «وبتحقيق جبريل غالبية تضمن له مباشرة – أو عبر تحالف إضافي – تشكيل حكومة وطنية انتقالية، فسيتعين عليه معالجة أزمة الميليشيات التي ستقوده لصدامات ظاهرة أو خفية مع كتائب الثوار التي تتبع شخصيات لا تنظر بعين الرضا لجبريل.. فعبد الحكيم بلحاج، القائد السابق لمجلس طرابلس العسكري، وكذلك أبناء الصلابي في بنغازي.. ولا ننسى كتائب مصراتة (التي).. ستحتاج (من جبريل) لخريطة توازنات معقدة للوصول لتفاهمات معها».وبتحقيق تيار جبريل الأغلبية التي تؤهله لرئاسة الحكومة، فإن هناك شكوكا في ما إذا كان سيقود الحكومة بنفسه، أم إنه سيكتفي بالعمل من خلف ستار، ويدفع بشخصية أخرى من تياره أو عبر توافق مع التيارات الأخرى، لتكون في الواجهة، وتتحمل ما يمكن أن يحدث من تداعيات في حال اتخاذ قرارات مفصلية مثل تفكيك الميليشيات والقضاء على مظاهر التسلح أو مواجهة طموحات الفيدرالية، وغيرها من مفردات بناء دولة متماسكة. ومثل كثير من المحللين الليبيين، يتساءل القزيري بقوله: «ثمة سؤال مهم؛ وهو: هل سيدفع جبريل بنفسه لقيادة المرحلة أم يقودها من الخلف؟ فخطورة أو إلحاحية القضايا المطروحة ربما تعني أن يظل خارج الصورة في حكومة عمرها الافتراضي عام واحد ولديها مهام انتقالية أبرزها صياغة الدستور، وما يرافقها من استهلاك تفاوضي مضن».ويتوقع القزيري أيضا أنه سيكون على جبريل «ملاحظة عثرة الإخوان المسلمين في ليبيا الذين دخلوا في صراع حقيقي مع الفيدراليين في الشرق، وكلفهم ذلك خسارة معقلهم ببنغازي، ونظرا لمعارضة جبريل للطرح الفيدرالي، فهو مطالب بمقاربة لا يخرج بها عن موقفه ولا يقطع شعرة معاوية مع الفيدراليين الذين يصمتون على مضض حاليا بعد نكستهم وفشلهم في معارضة الانتخابات ومنع قيامها، ولا شك أن لديهم رصيدا كافيا لإشعال حدة التوتر مجددا في برقة التاريخية».حين استعان المجلس الانتقالي بجبريل ليكون رئيسا للمكتب التنفيذي (الحكومة) في بداية الثورة، أصر جبريل على التمسك أيضا بشغل وزارة الخارجية.. لكن هذا أمر من المستبعد أن يحدث في حالة توليه موقع الحكومة الجديدة هذه الأيام، كما يقول القزيري، الذي يضيف أيضا أن جبريل «قد يسلط الضوء على استفهامات تتعلق بالصف الثاني من تحالفه، مثل علي الترهوني، وزير المالية والنفط أيام الثورة، وشخصيات أخرى ذات صلة بعالم الأعمال.. هل ستبرز على السطح أم لا؟ وإذا برزت هل ستكون تكلفة ظهورها الإعلامي مقبولة شعبيا، خاصة مع (فوبيا الفساد) غير المتزنة في أعقاب حقبة القذافي».ويتوقع مدير المركز الليبي للدراسات والأبحاث أن تفرض بداية المرحلة الانتقالية المنتخبة على جبريل «بيان قدراته والنضال ضد ما يقال إنه مبالغة إعلامية في هذه القدرات، حيث يتندر البعض على وصفه بأنه ضمن أفضل 10 مخططين استراتيجيين في العالم، وهو أمر حاول نفيه لكن على استحياء، كما أن علاقته برجالات ذوي علاقة بالنظام السابق، خاصة في مجال التجارة، وعلاقته هو نفسه بمشروع سيف القذافي، ربما ستكون مشاريع قنابل موقوتة في حقبة جبريل المقبلة».ومع ذلك، تشير بعض التقارير إلى أن قطاعات واسعة من الليبيين تضع كثيرا من الأمل والثقة في جبريل لإعادة بناء اقتصاد ليبيا. وإضافة إلى خبرته الإدارية والتخطيطية النظرية، تمكن جبريل من النجاح عمليا على مستوى مشروعاته الخاصة التي يستمد منها استقلاليته وقوته، أو هذا ما يتحدث عنه الليبيون، سواء من أصدقائه المقربين الذين يعيشون في القاهرة، أو من خلال المناقشات الجارية في المنتديات الليبية.وفي تقدير عوض عبد الهادي الشاعري، مدير تحرير صحيفة «المختار» الليبية، فإن «السيد محمود جبريل يعتبر رجل المرحلة بدرجة كبيرة». ويضيف الشاعري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلا إن «هناك توافقا كبيرا من الليبيين على هذه الشخصية لأسباب عديدة؛ لعل أهمها ما يتمتع به من خبرة في مجال الاقتصاد والتنمية والتخطيط المستقبلي، وهو ما تحتاجه البلاد فور الانتهاء من المرحلة الحالية».ويتابع الشاعري قائلا: «كما لا ننسى الصورة التي يحملها له الليبيون خلال فترة ترؤسه المكتب التنفيذي التي وإن شابها بعض القصور والارتجال واتخاذ بعض القرارات بشكل مرتبك، فإن رصانة وهدوء جبريل وتعقله؛ بل حنكته، استطاعت في أغلب الأحيان تخليص البلاد من الابتزاز السياسي أو ارتهان قرارات المكتب التنفيذي لبعض الدول أو الوقوع في أخطاء قد تعرقل مسيرة أي حكومة مقبلة كما وقع في دول أخرى تعرضت لظروف مشابهة للحالة الليبية».ويتمتع جبريل بكاريزما في أوساط الليبيين، بسبب بعده عن الاستقطابات والصراعات التي ظهرت بعد «تحرير طرابلس» في شهر رمضان الماضي، وجعلت كثيرا من الشخصيات المعروفة مثار شكوك، سواء بالنسبة لقادة الميليشيات أو التيارات الإسلامية المتشددة.. فهو رجل أنيق يتقن ارتداء الملابس الغربية ويضع رابطة عنق ملونة ونظارة طبية شفافة.. والآن يطل على الليبيين مجددا، من خلال شاشات التلفزة وصور المطبوعات، بصفته رجلا لديه حلول عملية، وهو يتحدث بترفع وثقة مثل مشاهير العالم.

ويقول الشاعري: «نحن إذا ما سلطنا بصيصا من الضوء على شخصية الدكتور محمود جبريل، فلن نكون مجانبين للحقيقة إذا ما قلنا إنه يمتلك كاريزما القيادة المرحلية القادرة على العبور بالبلاد من عنق الزجاجة وترتيب البيت السياسي الليبي بأفكاره البعيدة عن سياسة الاستئثار أو إبعاد العناصر الوطنية عن عملية المشاركة في الحياة السياسية كما تسعى بعض الكيانات الأخرى وإن لم تعلن عن ذلك صراحة».

وبينما كان قادة لبعض الميليشيات يتقاتلون في مناطق حول طرابلس والزنتان والمشاشية والكفرة وغيرها.. وبينما كانت تيارات دينية وحزبية تتجاذب وتتبادل الاتهامات، وتنشغل بقضايا مثيرة للقلق، مثل مشروعية «هدم قبور الأولياء»، والزوايا السنوسية (الصوفية)، كان الخطاب السياسي الذي تبناه تيار جبريل يأتي من بعيد، ويعلو، متحدثا عن قضايا جوهرية تتعلق ببناء الدولة والإنسان والاقتصاد، وترميم الشروخ وجبر الخواطر وحل المشكلات التي أثقلت كاهل الليبيين طويلا.

ويوضح الشاعري قائلا: «ربما وقوع بعض التيارات والكيانات السياسية الجديدة في العديد من الأخطاء، جعل الناخب الليبي أكثر حرصا في أن يمنحها الثقة الكافية للنجاح؛ مما عزز الفرصة أمام التحالف الوطني بقيادة جبريل».

ووضع تحالف جبريل ميثاقا ووثيقة لفتت الأنظار في الأوساط العامة جاءت تحت اسم «تحالف القوى الوطنية لإرساء دعائم الدولة المدنية الديمقراطية»، وتوحي بأن ما ورد فيها يمكن أن يكون هو مشروع الدستور الليبي الجديد. ووقعت على الالتزام بالوثيقة قوى وشخصيات متعددة من نسيج المجتمع الليبي، ولا يجوز تعديل الوثيقة أو إلغاؤها إلا بأغلبية ثلثي أعضاء الهيئة العليا للتحالف. وتركز الوثيقة على الوفاء لمبادئ وأهداف ثورة 17 فبراير في الكرامة والحرية والعدالة، وعلى أن ليبيا «جمهورية مدنية ديمقراطية تعددية قوامها السيادة للشعب، والولاية لمن ينتخبهم عبر الاقتراع الحر». ويضيف مدير تحرير صحيفة «المختار» الليبية: «يبقى أيضا أن نقول إن وصول محمود جبريل لرئاسة الحكومة الليبية المقبلة ربما سيمهد الطريق للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة إذا ما وضعنا في الاعتبار جذور الرجل التي تعود إلى قبيلة ورفلة، وهي ما هي عليه من ناحية الموقع والبعدين التاريخي والاجتماعي والمكانة السياسية في ظل تحالفها مع النظام السابق، وهذا في نظري سيشكل حافزا إضافيا لجبريل وحكومته في السعي بجدية لقفل هذا الملف الذي قد يعيق أي بوادر للتنمية والبناء أمام أي حكومة مقبلة». ولن يتمكن جبريل وحده من العمل في بلد مضطرب يبحث عن الثقة، وسيكون عليه أن يشكل تحالفا أوسع من بين التيارات الأخرى لتشكيل حكومة قادرة على فرض نفسها ونفوذها والسيطرة على جموح بعض الكتائب العسكرية وتطلعات قادة تيارات دينية وطموح مناطق وقبائل في الحكم الكونفيدرالي. ويقول عوض الشاعري إن الأمر يعتمد على الليبيين أنفسهم. ويزيد موضحا بقوله: «هنا يأتي دور الليبيين أنفسهم وقدرتهم على إعادة بناء دولتهم والخروج من هذا النفق باتجاه الضوء، وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها ليست بالمستحيلة في كل الأحوال».

صحيفة الشرق الاوسط

– خمسة أسئلة حرجة للثورة المصرية

لكل ثورة مَقاتِلُ، فلتنظر كلُ ثورة مقاتلها. هذا المقال يصب في إطار التفكير الهادئ الذي لا يخلو من تأمل وتراكمية في الرصد والتحليل خارج السياق الملتهب للفعل الثوري المصري، عله أن يسهم -وإن بقدر ضئيل- في نقل الرؤية من حيز الأشجار والأغصان إلى موضع الغابة وآفاقها القريبة والبعيدة، على حد سواء.

ومن زاوية الراصد “البراني” للثورة المصرية الاستثنائية، أتحسس ثلاثة أسباب يمكن أن تستحيل إلى مقاتل لهذه الثورة، وهي تحمل دروسًا -بالإشهار والإضمار- يمكن أن يفاد منها في تجنيب الثورة أكبر قدر ممكن من الخسائر والهدر والإنهاك. وأنا هنا أنبه إلى أن مساقات تلك المقاتل التي سأوردها هي مساقات عامة، ولذا فهي لا تختص بالثورة المصرية، ولكن الاختيار وقع عليها كجانب تطبيقي فقط، ولعلي أوجزها في عناوين كبيرة، كما يلي:

تسقط ثورة تقفز على مبادئها وأهدافها

مبادئ الثورة وأهدافها تنبع بشكل رئيس من الجواب “القاطع” عن سؤال “لماذا ثار الناس؟”، ومن ثم فهي تتواشج مع الحرية والعدالة الاجتماعية والنهضة ومجابهة الفساد والعطالة بكل أنواعها واستعادة الثروات المنهوبة عبر القنوات القانونية والحقوقية، وهذا يستلزم -ضمن أشياء كثيرة- عدم التناحر الفكري والسياسي داخل معسكر الثورة حول مسألة “هوية الجمهورية المصرية الثانية“، الأمر الذي يدفع بسرعة إقرار اللجنة التأسيسية للدستور على نحو يمنح تمثيلاً عادلاً لكافة الشرائح من جهة، ويخفف من حدة “المخاوف المشروعة” -وربما المتزايدة- من هيمنة الأغلبية الحالية في البرلمان على تلك اللجنة من جهة ثانية.

إن أي طيف سياسي أو فكري يجر الفعل الثوري بعيدًا عن تلك المبادئ والأهداف، فليعلم أنه إنما يحقن الثورة بمواد سامة تشبه سمية “الثورة المضادة” لا من حيث نواياها وبواعثها بل من حيث أثرها وانعكاساتها، وهذا يعني وجوب التلبس بالعقلانية السياسية والفكرية التي تتجاوز “طفولة الأدلجة” و”مراهقة الرهانات” و”شيخوخة الولاءات”. وهذا لا يتحقق إلا بالممارسة العملية، لا بالكلام العاري من الأدلة والتضحيات والقدوات الحقيقية.

تخفق ثورة تحرق مراحلها ورموزها

ثمة أمر آخر يكمل “الرشد الثوري” في التعاطي مع مبادئ الثورة وأهدافها، وهو متعلق بـ”مراحل الثورة”، وذلك أننا نشهد خطابات سياسية وشعبية تصور لنا أن الثورة مطالبة لا ببناء دولة بل بتشييد “يوتوبيا مصرية” تبهر العالم بأجمعه، وتتوسل تلك الخطابات بـ”النفخ السيكولوجي” المبالغ فيه، كما أنها تلوذ بتفكير رغبوي مسطّح من شأنه تخدير “العقلانية الواقعية” والنسف غير المبرر لـ”تراكمية الدولة العميقة” بقذائف عاطفية، كلامًا أو احتجاجًا.

ومن غير السائغ أيضا ما تشهده الساحة المصرية في بعض الأحيان من تجاوزات غير مقبولة على رموز الثورة وصناعها، فالاختلاف لا يفسد للثورة غاية، خاصة في المسائل المعقدة المتشابكة. ومن المسائل التي أرى أنها تعالج بشكل غير دقيق في الثورة المصرية ما يتعلق بديناميكية الثورة، حيث نشهد مبالغة مفرطة في تقرير “تلقائية الثورة وعفويتها”، مع ما يصاحب ذلك من نفي شبه مطلق لوجود قيادات للثورة، وهذا غير مقبول إطلاقًا في ضوء العلوم الاجتماعية والإنسانية التي تتضافر حقول معرفية عديدة فيها على إثبات الدور الطليعي للقيادات بشكل أو بآخر في أي تجمع إنساني، ومن ثم البرهنة على خرافة “اللاقيادة” (Leaderless) في السياق الاجتماعي.

ولذا يمكنني القول إن حرق مراحل الثورة أو رموزها لا يليق البتة بالتفكير العقلاني الواقعي الذي ينشد تحقيق أهداف الثورة في سياق يسلّم فيه بأن الفعل “الما بعد الثوري” يجب أن يكون مشدودًا بحتمية التغيير المتدرج ونواميسه، وفق منظور إستراتيجي يحدد الأولويات والمراحل الكبرى، التي أحسب أنه لا يسوغ عدم تحقيق إجماع أو ما يشبه الإجماع حولها، إذ ليس صحيحًا البتة القول إن مثل تلك المسائل تخضع لوجهات النظر، وذلك أنها تمثل البوصلة التي تحدد “الوجهة الثورية”، كي يتم رسم الخريطة وتصنيع القاطرة للانطلاق نحو الفعل والبناء. وكل ما سبق، يجعلني أقرر أن الفعل الثوري بأمس الحاجة إلى التأكيد على ضوابط عامة للفعل الاحتجاجي، وذلك أن تروس الإنتاجية والخدمات والمصالح العامة يجب ألا تتوقف، على أن تستهدف تلك الضوابط تضييق الخناق على “المطالب الفئوية” بكافة أنواعها، فعربة الثورة لن تتمكن من تغذية سيرها ما لم تؤمَّن لها جادة قاصدة.

وفي إطار التحليل السابق، يمكننا إدراك أنه قد حدث تأخر كبير في أشياء كثيرة، ومنها على سبيل المثال: إقرار قانون العزل، والمطالبة بتغيير النائب العام ومن يرتبط بعمله من طواقم. ويتخلق هاهنا سؤال ملح وخطير: وما الأشياء الكبيرة المماثلة التي يلزم الشروع فيها الآن كي لا تنضم إلى قائمة المسائل المتأخرة؟ وأعيد التذكير هنا بأن الثورة المصرية غير مطالبة بصناعة يوتوبيا، لا في الداخل المصري ولا في السياسة الخارجية، كما أنها لا تطيق قفز أو حرق المراحل، فالله الله إذن بـ “الطموح المعقلن”، الذي يضيق “فجوة التوقعات الثورية” ويصنع “منصة الانطلاق” للنضال البنائي النهضوي.

لا تفلح ثورة تفشل في تسمية أشيائها

لماذا تفشل؟ لأن تسمية الأشياء بدقة وعقلانية خيط لإحكام السيطرة عليها والتحكم بها، والثورة التي لا تبرع في تسمية أشيائها ستفقد البوصلة ولن تكون قادرة على رسم خريطة كاملة فضلاً عن تصنيع قاطرة تعبر بها المراحل الأولى الحرجة، ولقد سبق لي بسط ذلك في مقال سابق (الجزيرة نت، 16/8/2011)، ولقد أشدت في ذلك المقال بمصطلح “الثورة المضادة”، وذلك أنه مصطلح ذكي فعال بامتياز، فهو دقيق من جهة، وتعبوي من جهة ثانية.

كما أنه يصنع نوعًا من الحماية الذاتية من جهة ثالثة، والردع من جهة رابعة، بالإضافة إلى كونه يؤسس تحذيرًا دائمًا من أخطار “الثورة المضادة“، وكل ذلك يعيّش الفريقَ الآخر حالة من الرعب النفسي والهلع القانوني، وربما القطيعة الاجتماعية والمهنية، وهذه مكاسب كبيرة تحققت من جراء شيء واحد تمثل في البراعة في تسمية الأشياء.

ولكنني هنا أشدد القول على أن ثمة فشلاً بيّنًا في تسمية أشياء مفصلية عديدة، مما أربك الفعل الثوري طيلة الفترات الماضية، ويمكن أن يرقى لكونه أحد مقاتل الثورة المصرية، ومن تلك الأشياء التي لم يبرع الفعل الثوري في تسميتها ما يطلق عليه “الفلول”. أنا هنا لا أعارض استخدامه، وذلك أنه يحمل دلالات تكمل المنظومة الدلالية لـ”الثورة المضادة”، ولكن الخطورة تكمن في عدم تقديم معالم أو حدود أو سمات واضحة لـ”الفلول” ومن يدخل ومن لا يدخل فيها، ومعلوم أننا في البحث العلمي نطالب بما يسمى بـ”التعريف الإجرائي” للمفهوم كي نسيطر عليه ونخضعه للقياس الكمي والاستكشاف النوعي.

هذا أمر مسلم علميًّا، ولم لا يكون مسلمًا به أيضا في سياقات الفعل الثوري؟ فحين يتم ترديد كلمة “فلول” دون ضبط دلالي دقيق، فإنه يحيل هذه الكلمة على أحسن الأحوال إلى كلام مرسل مهلهل لا دليل عليه أو لغو لا قيمة له أو حتى شتيمة مسيسة أو مؤدلجة.

إذن، يجب ضبط هذه الكلمة، ولعلي أقدم تعريفا مبدئيا عامًّا لها، حيث يمكن تعريف الفلول بأنهم “الفئة المتورطة فعليًّا بجرائم مرتبطة بالنظام السابق أو بمناصرته على نحو مشفوع بأدلة قانونية”، وهذا يعني أن تسمية الأشياء بدقة تحقق فعالية وعدالة وذكاءً وعقلانية في التعامل مع ملف “الفلول” وفق منظور يراعي طبيعة المراحل الأولى وخطورتها، وكل ذلك يتطلب دقة في عملية تصنيف “الفلول” وفق الاعتبارات المختلفة، فمثلا  يمكن التصنيف بحسب الأنواع إلى: “فلول جرائم” (قتل، فساد…)، و”فلول مناصرة”، ويمكن تصنيف الفلول بحسب الخطورة إلى: “فلول عميقة” (تنتمي للدولة العميقة) و”فلول سطحية”، وبحسب المجال إلى: “فلول سياسية” و”فلول اقتصادية” و”فلول إعلامية” ونحو ذلك.

وليس ثمة ما يمنع الدفع باتجاه إصدار تشريعات واضحة في هذا الصدد تتكامل مع “قانون العزل” وتقويه، لاسيما أن “الشرعية الثورية” تعد مصدرًا ملهمًا ومغذيًّا للبعد التشريعي والمؤسسي في هذه المرحلة التأسيسية. وإن تعذرت التشريعات، فلا أقل من الظفر بالتسميات الدقيقة حيال المسائل المفصلية الخطيرة، ومنها: “استمرار الثورة” أو “الثورة مستمرة”، ماذا يعني ذلك بالضبط؟ ما دلالات “استمرار الثورة/الثورة مستمرة” وما ضوابطه وما استحقاقاته؟

خمسة أسئلة حرجة للثورة المصرية

1- كيف يمكن للثورة المصرية الكبيرة إحداث مزج ذكي متوازن بين الزخم والإلهام الثوري (=فخامة الشعب) من جهة، والرشد والبناء العقلاني الواقعي (=فخامة الرئيس) من جهة ثانية وفق منظور إستراتيجي طويل (عشر سنوات)؟

2- هل تستطيع الثورة المصرية أن ترسم نهج تغيير ثوري بنائي تدريجي متسم بالطموح والعقلانية والواقعية في آن واحد وفق منظور إستراتيجي طويل (عشر سنوات)؟

3- هل يمكن لهذه الثورة أن تعد خطة إستراتيجية شاملة تعنى بإشكالية “تفكيك وإدماج الفلول” وفق منظور إستراتيجي طويل (عشر سنوات)؟

4- ألا تستحق مسألة الثروات المنهوبة خطة إستراتيجية محكمة تضمن استعادة أكبر قدر ممكن منها، سواء ما هُرِّب إلى الخارج وما بقي في الداخل وفق منظور إستراتيجي متوسط (خمس سنوات)؟

5- أجزم بأن ثمة مفكرين وباحثين ومستشارين كثرًا بوسعهم فعل ذلك الأمر وفق أعلى المعايير المنهجية والمهنية، فهل تتاح الفرصة لهم؟

وأخيرًا: لتدرك أي ثورة أن اتساع “فجوة التوقعات الثورية” مربك للفعل الثوري البنائي، بل مجهض له، وتضييق تلك الفجوة يقع دائمًا على عاتق قيادات الثورة وعقلائها، فلا تحملنّ رحمكم الله الثورة ما لا تطيق!

عبدالله البريدي