تقرير المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، امام مجلس الأمن حول ليبيا

بيان إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن الحالة في ليبيا عملا بقرار المجلس 1970 (2011)

UNSC statement

فاتو بنسودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، امام مجلس الأمن، في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

نيويورك

8 تشرين الثاني/نوفمبر 2017

السيد الرئيس،

1 – أشكركُم على إعطائي الكلمة. أسمحوا لي في البداية أن أهنأكم على شغلكم مقعد رئيس هذه الهيئة الموقرة، وأن أستغل هذه الفرصة لأشكركم أيضا على دعمكم المستمر لعمل مكتبي، وعمل المحكمة بوجه أعم، سواء عندما كنتم تشغلون منصب ممثل إيطاليا الدائم لدى الأمم المتحدة هنا في نيويورك أو عندما كنتم تشغلون منصب نائب رئيس جمعية الدول الأطراف.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

2 – أرحبُ بفرصة إحاطة المجلس بآخر مستجدات الأنشطة التي اضطلع بها مكتبي في ليبيا منذ أن قدمتُ تقريري الأخير إليكم في شهر أيار/مايو من العام الجاري.

3 – ألاحظُ بكل أسف أن الموقف الأمني في ليبيا لا يزال يبعث على القلق العميق. فالحالة غير المستقرة في ليبيا لا تزال تشكل حقا تهديدا للسلم والأمن الدوليين كما كرر هذا المجلس مرارا.

4 – وما زالت ليبيا تواجه تحديات كثيرة، ألا وهي: انتشار الجماعات المسلحة، ونشاط الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ’’داعش‘‘ الذي لا يزال مستمرا وإن قل، والأزمة الإنسانية التي يرجع السبب فيها إلى أن ليبيا تُعدّ نقطة العبور الرئيسية لمئات الآلاف من المهاجرين، والصراع المستمر على السلطة السياسية في أجزاء كثيرة من البلاد.

5 – وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من هذه التحديات، من الهام أن نقدر الجهود التي تبذلها جهات فاعلة عديدة أولها وعلى رأسها الليبيون أنفسهم، علاوة على جيران ليبيا، وشركاء دوليون، ومنظمات إقليمية، يعملون جميعا ابتغاء تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا عن طريق الحوار الشامل.

6 – وكما أكد مؤخرا كل من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السيد غسان سلامة، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان السيد زيد بن رعد الحسين، يجب أن تشكل إعادة بسط سيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، وضرورة التصدي للإفلات من العقاب جزءا من العملية التي ستفضي إلى تسوية سياسية مستدامة في ليبيا.

7 – إن العدالة عنصر هام من عناصر السلام المستدام. والمحاكم التي تتمتع بالاختصاص على الجرائم المرتكَبة في ليبيا، ومن بينها المحكمة الجنائية الدولية، مناط بها دور حيوي. وتُعدّ المساءلة عن الجرائم الخطيرة والاحترام الكامل لسيادة القانون عاملين رئيسيين يجب الحث عليهما ودعمهما إن كان لليبيا أن تحقق السلام والأمن والاستقرار.

8 – ونحن نحاول جاهدين أن نؤدي واجبنا. فمنذ تقريري الأخير الذي قدمتُه إلى المجلس منذ ستة أشهر، حقق مكتبي تقدما جوهريا في التحقيقات في الجرائم التي يُدّعى أنها تُرتكب في ليبيا.

9 – وفي هذا الخصوص، أسمحوا لي بأن أرجع إلى آخر أمر بإلقاء القبض أصدرته المحكمة في الحالة في ليبيا.

10 – تذكرون أنني أبرزتُ في بياني وتقريري، اللذين قدمتُهما إلى هذا المجلس في شهر أيار/مايو 2017، تقارير أفادت بأن جرائم خطيرة اُدّعى بارتكابها في سياق النزاع الدائر في بنغازي وما حولها بين قوات الجيش الوطني الليبي ومجلس شورى ثوار بنغازي. وقد أشرتُ على وجه التحديد إلى تقارير تفيد بأن جرائم خطيرة، من بينها حوادث إعدام بإجراءات موجزة يُدّعى بأنها ارتُكبت بعد سيطرة الجيش الوطني الليبي على حي قنفودة في بنغازي في 18 آذار/مارس 2017 تقريبا في أوائل هذا العام.

11 – ودعوتُ أطراف النزاع كافة إلى الامتناع عن ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وذكّرتُ أطراف النزاع كافة بأحكام نظام روما الأساسي المتصلة بمسؤولية القادة والرؤساء عن منع أو قمع ارتكاب قواتهم الجرائم، وعن عرض هذه الجرائم من أجل التحقيق والمقاضاة.

12 – وذكرتُ أيضا أن مكتبي يتابع هذه الحالة عن كثب.

13 – وفي الأشهر التالية، ظل مكتبي يتلقى معلومات موثوقة عن جرائم خطيرة يُدّعى بارتكابها في ليبيا، ومن ضمنها جرائم ارتُكبت في بنغازي.

14 – واستنادا إلى الأدلة التي تثبت هذه الجرائم التي يُدّعى بارتكابها في بنغازي وما حولها، قدمتُ طلبا في 1 آب/أغسطس 2017 لإصدار أمر بإلقاء القبض على الرائد محمود مصطفى بوسيف الورفلي. وفي 15 آب/أغسطس 2017، وافقت الدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة على الطلب وأصدرت أمرا بإلقاء القبض عليه.

15 – والمشتبه به، السيد الورفلي، هو قائد في لواء الصاعقة، وهو وحدة من وحدات القوات الخاصة التي تتخذ من بنغازي مقرا لها وما زالت نشطة منذ أيار/مايو 2014 في إطار عملية الكرامة التي يشنها الجيش الوطني الليبي.

16 – ونحن ندّعي، استنادا إلى الأدلة المجمعة، بأن السيد الورفلي مسؤول عن جريمة الحرب المتمثلة في القتل العمد في ما يتصل بستة حوادث إعدام غير قانونية يُدّعى بأنها ارتُكبت في بنغازي أو في ما حولها في الفترة ما بين آذار/مارس وتموز/يوليه 2017، وكذلك حادث إعدام آخر يُدّعى بأنه ارتُكب في حزيران/يونيه 2016 أو قبله. وقد صُوّرت حوادث الإعدام تلك ونُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

17 – ويُدّعى بأن السيد الورفلي أمر بتنفيذ حوادث الإعدام السبعة أو نفذها بنفسه، وقد قُتل 33 شخصا عمدا وبدم بارد نتيجة لحوادث الإعدام تلك.

18 – ومكتبي يتتبع الأدلة ويطبق القانون، باستقلالية وتجرد، وفقا لما نص عليه نظام روما الأساسي، وبصرف النظر عن انتماء الجناة أو المجني عليهم.

19 – ومنذ إصدار أمر إلقاء القبض، أوردت تقارير علنية أن الجيش الوطني الليبي ربما ألقى القبض على السيد الورفلي وربما يجري تحقيقا داخليا في تصرفاته. وصرح الجيش الوطني الليبي رسميا بأنه يجري تحقيقا.

20 – ولكن مكتبي تلقى أيضا تقارير تشير إلى أن السيد الورفلي حر طليق، وأنه لا يزال قائدا في لواء الصاعقة، وربما ارتكب مزيدا من أعمال القتل. وأنا أحققُ في هذه التقارير.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

21 – أسمحوا لي بأن أشدد على أنه، وبصرف النظر عن أي تحقيق محلي ربما يجري الآن كما تفيد التقارير، ما زالت ليبيا تتحمل التزاما قانونيا نشأ بموجب القرار 1970 بأن تلقي القبض على السيد الورفلي وتقدمه فورا إلى المحكمة. ويجب نقله إلى المحكمة لمحاكمته.

22 – ولذلك فإني أحثُ اللواء خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي أعلن عن امتنانه لعمل المحكمة في ما يتصل بالدعوى المـُقامة على السيد الورفلي، على أن يبرهن باتخاذ إجراءات ملموسة على احترام العدالة الدولية بأن يكفل نقل السيد الورفلي فورا إلى السلطات الليبية لكي يتسنى تقديمه إلى المحكمة من دون إبطاء.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

23 – يذكر المجلس أيضا أنه في 24 نسيان/أبريل 2017، أعلنت المحكمة عن أمر بإلقاء القبض على السيد التهامي محمد خالد، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الليبي. ويُدّعى بأن السيد التهامي ارتكب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ما يتصل بأحداث عام 2011.

24 – ويستمر مكتبي في التحقيق في ما يتصل بالسيد التهامي وآخرين مرتبطين بأحداث عام 2011. والمكتب منخرط أيضا في تحديد المكان الحالي لوجود كل من السيد التهامي وسيف الإسلام القذافي وإتاحة معلومات عن هذا المكان إن كان ذلك مناسبا. وما زلنا نضع استراتيجيات وننفذها لتيسير تنفيذ أوامر إلقاء القبض التي لم تُنفّذ بعد.

25 – وفي ما يتصل بالسيد القذافي، أقدرُ الدعم الذي أعرب عنه أعضاء في هذا المجلس، حيث حثوا السلطات الليبية على الوفاء بالتزامها الذي لم تف به بعد، والذي يقضي بتقديمه إلى المحكمة. إن أولئك الذين يُدّعى بأنهم يتحملون المسؤولية عن الجرائم بموجب نظام روما الأساسي يجب أن يمثلوا أمام العدالة.

26 – ويواصل مكتبي طلب المساعدة من الدول الأطراف والدول غير الأطراف والمنظمات في كفالة إلقاء القبض على الأشخاص الذين أصدرت المحكمة أوامر بإلقاء القبض عليهم. وفي هذا السياق، تصرفنا بروح النوايا الطيبة وأظهرنا أكبر قدر من حسن التقدير في تقديم معلومات محددة للمساعدة على التعاون. ونحن نعول على دعم الدول التي أشركناها في تلك العملية لكي تساعد المكتب في إلقاء القبض على من تشتبه المحكمة فيهم وتقدمهم.

27 – وفي هذا السياق، أودُ أن أذكر صياغة القرار 1970، وأحثُ مجددا سائر الدول والمنظمات الإقليمية والدولية على اتخاذ إجراء ملموس لدعم جهود مكتبي من أجل أن يتسنى تقديم كل من السيد التهامي والسيد القذافي إلى المحكمة ومثولهما أمام العدالة في ما يتعلق بالجرائم التي يُدّعى بأنهما ارتكاباها في أثناء أحداث عام 2011.

28 – وفيما يتعلق بالسيد عبدالله السنوسي، يواصل مكتبي مراقبة الإجراءات الليبية فيما يتعلق بطعنه قيد النظر أمام المحكمة العليا الليبية.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

29 – يشير تقييم مكتبي للحالة في ليبيا، منذ تقريرنا الأخير المقدم إلى المجلس، إلى أن الحالة لا تزال مأساوية في ليبيا. ولا تزال الحالة الأمنية متقلبة في ظل الاشتباكات العنيفة التي تحدث بين مختلف الفصائل في جميع أنحاء ليبيا. وتشير التقارير إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ترتكبها أطراف مختلفة من النزاع. وكثيرا ما يكون المجني عليهم من المدنيين.

30 – وأحد الأسباب الرئيسية المثيرة للقلق هو استمرار النزوح الداخلي للأشخاص في ليبيا، مثل التاورغائيين. وعلى الرغم من موافقة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في حزيران/يونيه من هذا العام على اتفاق بين المجتمع المحلي في تاورغاء و المجتمع المحلي في مصراتة، لم تورد التقارير أي تقدم نحو تحقيق عودة التاورغائيين إلى ديارهم.

31 – وأُلاحظ أيضا بقلق بالغ التقارير التي تفيد بحدوث عمليات قتل غير مشروعة، بما في ذلك إعدام الأشخاص المحتجزين، وعمليات الاختطاف والاختفاء القسري، وأعمال التعذيب، والاحتجازات المطولة دون محاكمة أو غيرها من الإجراءات القانونية، والاعتقال التعسفي والتعذيب والاغتصاب وغير ذلك من ضروب سوء معاملة المهاجرين في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية.

32 – وكما هو مفصل في تقريري الأخير، فإن الأحداث التي تُثير قلقا خاصا خلال الفترة المشمولة بالتقرير تشمل الهجوم على قاعدة براك الشاطئ الجوية التي يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي في 18 أيار/مايو 2017، والاشتباكات الأخيرة في منطقة صبراتة بين كتيبة المشاة الثامنة والأربعين (المعروفة أيضا باسم ’’جماعة الشهيد أنس الدباشي المسلحة‘‘) وغرفة عمليات محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. ويشير مكتبي أيضا إلى استمرار نشاط تنظيم داعش، بما في ذلك الهجوم الانتحاري على محكمة مصراتة في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2017 الذي أعلن التنظيم مسؤوليته عنه.

33 – وتلقى مكتبي أيضا معلومات تزعم بأن الجيش الوطني الليبي شدد القيود المفروضة على الدخول إلى مدينة درنة خلال الأشهر الأخيرة، بسبب القتال الدائر بينه وبين مجلس شورى مجاهدي درنة خلال الفترة المشمولة بالتقرير. وتفيد التقارير بأن القيود تشمل منع دخول الأدوية والعلاج الطبي والبترول إلى المدينة.

34 – وتلقى المكتب تقارير تفيد بأن مئات من سكان درنة قد أُلقي القبض عليهم وهم يحاولون مغادرة المدينة.

35 – وأضم صوتي إلى صوت الممثل الخاص للأمم المتحدة، السيد سلامة، في إدانة الغارات الجوية الأخيرة التي شُنت على حي سكني في درنة. ويبدو أن الغارات قد أسفرت عن مقتل مأساوي لمدنيين، من بينهم 12 على الأقل من الأطفال والنساء.

36 – وفي الآونة الأخيرة، أفادت التقارير بأنه عُثر على 36 جثة لذكور في بلدة الأبيار، الواقعة على بعد 50 كيلومترا شرقي بنغازي. وهذا أيضا مصدر قلق بالغ. وأفادت التقارير بأن الجثث كانت مقيدة اليدين وظهرت عليها علامات التعذيب والإصابة بالرصاص في الرأس.

37 – وأُذكِّر جميع المقاتلين المشاركين في القتال في ليبيا بأن الحالة في ليبيا ما زالت قيد نظر مكتبي، وبالتالي يمكن مقاضاتهم إذا رقت أفعالهم إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

38 – إن هذه الاعتداءات الأخيرة والتقارير التي تشير إلى العثور على 36 جثة تحمل علامات التعذيب والإعدام، تجبرني مرة أخرى على توجيه انتباه كبار القادة والمسؤولين في جميع أنحاء ليبيا إلى أحكام نظام روما الأساسي المتعلقة بمسؤولية القادة وغيرهم من الرؤساء.

39 – فالأشخاص الذين يتصرفون كقادة عسكريين أو رؤساء يمكن أن يكونوا مسؤولين جنائيا عن الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي التي ترتكبها قوات أو مرؤوسون تحت قيادتهم أو سيطرتهم الفعليتين، أو تحت سلطتهم وسيطرتهم الفعليتين. وبالإضافة إلى مسؤوليتهم عن حماية المدنيين، على هؤلاء الأشخاص التزام بمنع أو قمع قواتهم من ارتكاب الجرائم، وتقديم أي جرائم من هذا القبيل للتحقيق والمقاضاة.

40 – وأسمحوا لي أن أكون واضحة: إذا استمر ارتكاب الجرائم الخطيرة الواردة في نظام روما الأساسي في ليبيا، فلن أتردد في تقديم طلبات جديدة لإصدار أوامر القبض. يجب الكف عن ارتكاب هذه الجرائم. فإن من يشاركون بالأعمال القتالية يجب أن تكون مشاركتهم بها في إطار القانون، مع الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

41 – وأعود إلى مسألة الجرائم المرتكبة ضد المهاجرين، لأنها مسألة خطيرة لا تزال تشغل بالي وبال مكتبي. وقد أصدرت تعليمات إلى مكتبي بمواصلة تحقيقاته في الجرائم المزعومة ضد المهاجرين العابرين ليبيا. واعتمادا على الوقائع والظروف الدقيقة التي قد تنشأ أثناء إجراء تحقيق كامل، قد تقع هذه الجرائم ضمن اختصاص المحكمة. ويجب البت في هذه المسألة من خلال تحليل كل حالة على حدة استنادا إلى الوقائع ذات الصلة، وتقييما للاختصاص المنوط بمكتبي. وسيندرج هذا العمل في إطار ولايتنا على النحو المحدد في نظام روما الأساسي.

42 – ووفقا للهدف 9 من الخطة الاستراتيجية الأخيرة لمكتبي، سنعمل أيضا مع ليبيا والدول والمنظمات الأخرى بشأن هذه المسألة حيثما كان ذلك ملائما، وحيثما نعتقد أننا قادرون على تقديم المساعدة للتصدي للجرائم المرتكبة ضد المهاجرين.

43 – وحيثما أمكن، تعزز جهودنا التعاونية تنسيق استراتيجيات التحقيق والمقاضاة التي تهدف إلى سد فجوة الإفلات من العقاب ليس فقط بالنسبة للجرائم الواردة في نظام روما الأساسي، وإنما أيضا للأنشطة الإجرامية عبر الوطنية والمنظمة الأخرى التي تقع خارج ولايتي. وتسهم هذه الجرائم إسهاما كبيرا في استمرار انعدام الأمن والعنف في ليبيا اليوم.

السيد الرئيس، أصحاب السعادة،

44 – أنتقل الآن إلى بعض التحديات التي تواجه، للأسف، مكتبي بشكل متكرر.

45 – إن تحقيقات مكتبي في الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي المزعوم ارتكابها في ليبيا يعوقها انعدام الأمن المستمر في البلد، الأمر الذي ما زال يمنع فِرَقي من العمل داخل ليبيا.

46 – ولا يزال عدم كفاية الموارد يمثل أيضا مشكلة رئيسية. ويتلقى المكتب أشكالا مختلفة من الدعم من أعضاء المجلس والدول الأطراف للقيام بعمله. ومع ذلك، يجب زيادة الموارد المالية المتواضعة التي يجب توزيعها على جميع الحالات التي يجري مكتبي التحقيق فيها حاليا لضمان توفر الموارد الكافية للمكتب لتحقيق المهمة المكلف بها.

47 – كما أن الإخفاق في تنفيذ أوامر القبض الصادرة عن المحكمة لا يزال يشكل تحديا كبيرا. ويتحمل أعضاء هذا المجلس، وكذلك الدول الأخرى، بما فيها الدول غير الأطراف، مسؤولية ضمان إلقاء القبض على جميع الليبيين المشتبه فيهم وتقديمهم إلى المحكمة في الوقت المناسب.

48 – وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الإعلان عن أمري إلقاء القبض في الأشهر الثمانية الأخيرة – أحدهما عن الجرائم المرتكبة خلال عام 2011، والآخر عن الجرائم التي ارتُكبت مؤخرا – ينبغي أن يكون دليلا واضحا على أن مكتبي ما زال يعمل بشكل كامل في ليبيا، وهو مصمم على الإسهام في تحقيق تقدم حقيقي نحو ثقافة المساءلة عن الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي المرتكبة في ليبيا.

49 – إن التقدم والإنجازات التي أحرزناها حتى الآن نتجت عن التزام موظفي مكتبي وخبرتهم، فضلا عن العلاقات التعاونية القوية التي أقمناها مع الجهات الفاعلة الرئيسية. ولا يزال مكتبي يتلقى دعما حيويا من عدد من الدول، من بينها هولندا وتونس وإيطاليا والمملكة المتحدة، فضلا عن المنظمات الدولية وجهات فاعلة أخرى، مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والإنتربول. وتستحق الجهود المثالية لهذه الدول والمنظمات التقدير. وهناك حاجة إلى مزيد من الدعم من الآخرين الذين سينضمون.

50 – وعلاوة على ذلك، لا يزال مكتب النائب العام الليبي شريكا قويا وقيما في أنشطة التحقيق التي نقوم بها. وكما هو الحال دائما، ما زلت ممتنة لمواطني ليبيا وجميع الأفراد والمنظمات الملتزمين بأهداف المحكمة.

51 – وأدرك تماما أن السلام والاستقرار في ليبيا سيتطلبان عملا ودعما والتزاما من مختلف الجهات الفاعلة. إن ضمان العدالة للمجني عليهم جراء الجرائم الخطيرة المرتكبة في ليبيا، ومحاسبة الذين ارتكبوا أو أمروا بارتكاب الفظائع، يظلان عاملين حاسمين لتحقيق سلام مستدام في بلد يعاني من الصراع لفترة طويلة جدا.

52 – وستظل ليبيا أولوية بالنسبة لمكتبي في عام 2018. وقد عقدتُ العزم، أنا وفريقي، على الوفاء بالمسؤولية الموكلة إلى مكتبي إزاء ليبيا في إطار نظام روما الأساسي، بعد إحالة المجلس عملا بالقرار 1970.

53 – وسيواصل مكتبي القيام بدوره. وكما اعتدنا، نعتمد على الدعم الحاسم الذي يقدمه هذا المجلس والدول الأعضاء في الأمم المتحدة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي.

54 – ويجب أن يُلقى القبض على المشتبه فيهم الذين أصدرت المحكمة أوامر بإلقاء القبض عليهم ونقلهم إلى المحكمة لمحاكمتهم.

55 – وتقع على عاتقنا مسؤولية جماعية لتنمية ثقافة المساءلة عن الجرائم الواردة في نظام روما الأساسي في ليبيا وردع ارتكاب الجرائم في المستقبل.

56 – إن الاستمرار في الإحجام عن ذلك لهو حرمان للمجني عليهم جراء الجرائم الخطيرة الواردة في النظام الأساسي المرتكبة في ليبيا من العدالة التي يستحقونها بحق. كما سيؤدي عدم التحرك إلى تشجيع من يرتكبون الجرائم فعلا ومن يرغبون في ارتكابها عن طريق إرسال إشارات مفادها أن الإفلات من العقاب سيسود وأنهم خارج نطاق القانون. وهذا، لا يمكننا أن نسمح به.

57 – أشكركم، سيدي الرئيس، وأصحاب السعادة، على حسن إصغائكم.

التقرير

Advertisements

الرحلة الاخيرة .. حرب تشاد

 

 

الرحلة الاخيرة

صفحة من مأساة حرب تشاد .. ونكبة جيل

مقدمة

    هذه محاولة لتسجيل احداث فترة زمنيه محملة بتجارب عشتها لحظة بلحظة .. أحاول سرد بعض إحداثها كما وقعت ، وحسب ما عايشته ، وما مر بي ، وما شاهدته شخصيا . بعد مرور اكثر من ربع قرن من الزمان .

    انها ليست خاطرة عابرة ، او حلم رهيب ، وإنما هو سرد لإحداث قصة حقيقية لا زالت عالقة بالذاكرة رغم طول الامد ، كنت احد الذين قدر لهم خوضها ومعايشتها ، اؤدي عملي مخابرا ، ابلغ اوامر امر المجموعة الثانيه من المحور الاول عبر ألشبكه الداخلية .. كل الأوامر القتالية الميدانيه التي صدرت منه اثناء القتال .. استلمها منه شفويا ، وأرسلها للمخابرين المناظرين بالوحدات عبر اللاسلكي .. والذين بدورهم ابلاغها مباشرة لأمرائهم بالوحدات ، في غمرة احداث حرب تشـاد سنة 1980 .

      وبالمناسبة .. اتوجه الي كل من عايش احداث القصة ، الي من فقد عزيزا بسببها ، الي رفاق الامس ، رفاق الرحلة المضنية ، الي من رحلوا بلا وداع ، الي من غيبت الاقدار صورهم ، الي اطفالهم الذين لا زالوا ينتظرون عودتهم ، ومن فقدوا الامل في اللقاء ، الي من ذهبت ارواحهم قربانا في سبيل ارضاء غرور المستبد ، الي من ذهبت حياتهم هدرا دون مقابل ، الي الذين طوتهم رمال الصحراء ، الي الذين التهمت الوحوش اجسادهم ، الى الذين لم يجدوا من يواريهم الثرى ،  رفاق الدرب الطويل .. ابلغ ايات العزاء.

لتحميل الكتاب اضغط الرابط ادناه

الرحلة الاخيرة

 

***

 

 

 

ليلة في معسكر قار يونس

    

  احمل وسام الشجاعة .. من الضباط الوحدويين الاحرار .. بل واعضاء مجلس القيادة لا يحملون وسام الشجاعة .. وسام الشجاعة منح فقط للذين تحركوا ليلة الاثنين اول سبتمبر .. الخويلدي كان في سبها .. بشير هوادي في ودان .. محمد نجم كان في مصر .

      يوم 31 اغسطس .. في الاوامر اليومية .. الجمع الصباحي يوم الغد بلباس الرياضة .. كنت قلم سرية مخابرة الجيش بمعسكر قار يونس .. آمر السرية ادم الحواز .. يساعده ابراهيم عبدالعزيز صهد ..  كنت مقرب من الخروبي احد ضباط السرية .. وامر احد الفصائل الثلاثة المكونة لها .. وعضو القيادة لاحقا .. سألته : كيف يكون الجمع بلباس الرياضة .. والحصة الاولى ” مهنة ميدان ” .. قال لي : ” في صباح الغد تعرف ” .

     حسين الشريف .. عمر عبدالجواد .. ضمن ضباط سريتنا ..  معسكر قار يونس يتألف من عدة وحدات .. سرية مخابرة الجيش .. سرية المخابرة العامة .. سرية الهندسة .. صنف الهندسة .. مدرسة الهندسة .. امر المعسكر يونس العمراني اصبح فيما بعد سفير .. احمد ضياء الدين  المدفعي .. امر صنف المخابرة .. ( سرية الجيش .. سرية المخابرة .. مدرسة المخابرة )

      فجر الاثنين 1 . 9 . 1969 .. الساعة الرابعة صباحا .. تحركت المحاور من معسكر قار يونس .. محور الخروبي توجه للسيطرة على معسكر البركة .. كنت من بينهم .. محور معمر توجه للسيطرة على الاذاعة .. محور احمد عون توجه للبريد العسكري ..  محور امبارك عتيق .. ومسعود الزغرات .. الى معسكر الدقادوسته .

       كان القذافي مساعد امر المعسكر .. وكان متمردا .. اختار مكتبه بجانب الحلاق .. منزوي عن مكتب الادارة .. مكتب كئيب كتب على الواجهة ” مكتب المساعد ” .

     في احدى المرات .. وبينما انا القلم ولي حرية الحركة بالدخول والخروج لمكتب الامر .. اتلقف شوارد الكلام .. المقدم رمضان غريبيل يجري تحقيقا مع الخروبي .. قال له : انت ومعمر تحركاتكم مشبوهة ، وتقارير وصلتنا عنكم .. ما خطبكم .. اجابه : ” كواسم كيفنا انا ومعمر يغيروا حاجة .. اذا كان هناك شيء يستحق التغير تلك مهمتكم انتم قادتنا .. الامراء والرتب الكبيرة ” .

    محور الاذاعة .. سيارة بيت فورد يقودها زيدان الهتش بها 25 جندي .. وسيارة ” جيب ” بها القذافي وحراسات .. وسائقه الصالحين احمد مختار من قرية الغريفة وادي الاجال .. اخطأ الهتش الطريق الى الاذاعة .. اتجه عبر طريق البلد .. فيما الجيب اخذت طريق البحر وشارع الشط .. عند مركز البركة سألهم عن طريق الاذاعة .. من هنا .. كانت الجيب في انتظارهم .. ادعن الحراس للأوامر بتسليم اسلحتهم .. دون مقاومة .. وتمت السيطرة ..  مبنى الاذاعة يقع بشارع ضيق ومحصور .. ما يسر امر محاصرتها من الجانبين .

      محور البركة .. لاندروفر الخروبي امامنا .. وحافلة بها 23 جندي .. انا من بينهم .. معسكر البركة حيث ادارة التسليح .. السجن العسكري .. الموسيقى العسكرية .. مجموعة وحدات .. كان الحراس نائمون .. ليبقى كل في مكانه .. ابقى مكانك ولا تتحرك من البطانية .. لا تنهض من فراشك .. كانت كل وحدة بالمعسكر لها مدخل خاص .. سيطرت حراساتنا على المداخل .. لا احد يخرج .. ومن يأتي من الخارج نترصد له وننتظره .. اي ضابط يأتي مع اطلالة الصباح لمباشرة دوامه اليومي .. نعتقله .. نضعه بالسجن تحفظا .. امر الشرطة العسكرية اظهر انزعاجه .. كان الخروبي شاب مكتنز .. قوي البنية .. صفعه على وجهه حتى طار كاب الرأس .. ورمي به في حجرة الحراسات جوار سابقيه .

    محور الدقادوسته .. حيث ادارة الامداد والتموين .. محور المستشفى العسكري حيث كان كل الضباط الكبار يقطنون هناك .. باب واحد يجمعهم مع مبنى المستشفي .. ما يسر السيطرة .. وثم نقل بعض الضابط الى مبنى الاذاعة واحتجازهم هناك .

       الساعة الواحدة ظهرا كانت كل الامور هادئة .. وتمت السيطرة التامة .. بقينا في البركة مركز القيادة الجديدة لمدة شهر .

وللحديث بقية ( المصدر : عين على فزان )

ماذا تبقى من ثورة 23 يوليو؟..

في مثل هذه الأيام، منذ خمسة وستين عاماً، استولى الجيش على السلطة في مصر فيما عرف بثورة 23 يوليو . لاشك أن حكم عبد الناصر قد حقق انجازات كبيرة في مجالات التصنيع ومجانية التعليم والعدالة الاجتماعية لكن هذه الانجازات قد انهارت جميعا بموت عبد الناصر وكأنها قصور من رمال. ماذا تبقى لنا من 23 يوليو ..؟ فيما يلي الإجابة :                        

أولا: تعامل السلطة مع المعارضين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في 12 أغسطس/ آب 1952 تظاهر عمال كفر الدوار وأضربوا مطالبين بزيادة الأجور. كان الإضراب والتظاهر والاعتصام ممارسات عادية يسمح بها العهد الملكي لكن السلطة العسكرية الجديدة رأت في هذا الاضراب اختبارا لقوتها فتم القبض على العمال المضربين وأحيلوا الى المحكمة العسكرية التى أصدرت الحكم بإعدام عاملين هما محمد خميس ومحمد البقري. كان الإخوان المسلمون آنذاك متحالفين مع السلطة العسكرية فأيدوا إعدام خميس والبقري ودعا سيد قطب مفكر الإخوان إلى تطبيق حد الحرابة (قطع اليدين والقدمين) على العمال المضربين. تم إعدام خميس والبقري وبدأ عهد جديد في تاريخ مصر يعتبر فيه كل من يعارض الزعيم خائنا وعميلا يستحق أقصى العقاب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تكن هناك ديمقراطية كاملة في مصر قبل عام 1952، إذ كان من حق الملك، وفقا للدستور، حل البرلمان وإقالة الحكومة وكان القصر يعادي حزب الوفد الذي يقود النضال من أجل الديمقراطية. برغم ذلك كانت الحياة السياسية تتمتع بالتعدد والحيوية وكانت هناك عشرات الأحزاب والحركات السياسية وتمتعت الصحافة بحرية كبيرة مكنتها من كشف الحقائق ومحاربة الفساد. انتهى كل ذلك في 23 يوليو/ تموز وتم بناء الدولة الجديدة  على مقاس رجل واحد هو الزعيم الذي تركزت بين يديه مفاتيح السلطة جميعا وتحول البرلمان إلى هيئة شكلية مهمتها تأييد الزعيم وتنفيذ تعليمات المخابرات وأجهزة الأمن ثم ابتدع النظام الناصري نظام الاستفتاءات (المزورة) التي يحصل فيها الزعيم على 99 في المائة ليستمر في السلطة إلى الأبد وكان من نتيجة انفراد الزعيم بالسلطة هزيمة الجيش المصري في عام 1967.

ثالثا:الحرية للشعب فقط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رفع نظام 23 يوليو شعار : “كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب”.

ولابد أن نتساءل هنا من هم أعداء الشعب وكيف نعرفهم؟ الإجابة أن عدو الشعب هو كل من يعارض سياسات الزعيم وهو يستحق بذلك كل أنواع العقاب بدءا من فصله من عمله أو اعتقاله وتعذيبه أو حبسه بتهم ملفقة أو حتى إعدامه. إن ماكينة القمع الجبارة التي نعاني منها الآن قد تم انتاجها لأول مرة بواسطة نظام 23 يوليو.

رابعا: الاستفادة بخبرات العسكريين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحت هذا الشعار قام نظام يوليو بتوزيع المناصب العليا والامتيازات على العسكريين في كل مؤسسات الدولة. كان الهدف إرضاء العسكريين وضمان ولائهم وفي نفس الوقت فإن الحكم العسكري لايثق إلا في العسكريين الذين تربوا على طاعة الأوامر وتنفيذها بدون مناقشة. كانت النتيجة أن تولى العسكريون إدارة المؤسسات المدنية وهم يفتقرون إلى الخبرة والمعرفة مما تسبب في تدهور الأداء في كل مجالات الدولة.

خامسا: الإعلام في خدمة الشعب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في 24 مايو/ أيار 1960 أصدر الرئيس عبد الناصر قرارا بتأميم الصحافة وصارت كل الصحف ملكا للدولة تتحكم فيها المخابرات وأجهزة الأمن والمؤسف أن صحفيين كبارا مثل محمد حسنين هيكل وفتحي غانم وعلى أمين قد باركوا تأميم الصحافة المصرية. منذ ذلك التاريخ  سقط الإعلام المصري في قبضة النظام العسكري وبات الرأي العام أسيرا لأكاذيب الإعلام الموجه وصارت علاقة الصحفي بأجهزة الأمن هي الضمان الوحيد لترقيه واختياره للمناصب العليا وقد ارتكب الإعلام الموجه ولازال جرائم كبرى في حق الرأي العام وكان ولازال ينافق الرئيس ويخفي الحقائق ويذيع الأكاذيب وكانت سقطة الإعلام الناصري الكبرى أثناء حرب 1967 حين ظل ملايين المصريين  عدة أيام مقتنعين، بسبب الإعلام الكاذب، بأن الجيش يحقق انتصارات على إسرائيل حتى تكشف حجم الهزيمة في يوم 9 يونيو/ حزيران.

سادسا: ظهور المواطن المستقر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتيجة للقمع المروع الذى تعرض له كل من عارض الحكم الناصري نشأت أجيال متعاقبة في مصر ترى في العمل العام نوعا من الحماقة. انتشرت السلبية وانكفأ كل مواطن على عمله وأسرته وظهر في المجتمع نموذج المواطن المستقر الذي لا يهتم في العالم إلا بأكل عيشه وتربية أولاده وتزويجهم وصار المصري غالبا يهتم بامتحان الثانوية العامة الذي يجتازه ابنه أكثر بكثير من اهتمامه بالدستور أو الانتخابات.أصبحت السياسة أمرا يخص الزعيم وحده وهو يمارسه بالنيابة عن الشعب كله. ولاشك أن كل من يطالع تاريخنا سيدهشه أن قرارات مصيرية مثل الصلح مع إسرائيل أو الانفتاح الاقتصادي قد قررها الزعيم بإرادته المنفردة ولم يشعر بحاجة إلى استشارة الشعب الذي سيدفع ثمن هذه القرارات.

سابعا: الولاء قبل الكفاءة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن النظام العسكري يخاف دائما من حدوث انقلاب ضده فهو دائما ما يستعين بالموالين له بغض النظر عن مستوى كفاءتهم وقد أدى ذلك إلى استبعاد أصحاب الكفاءات وانتشار النفاق بين المصريين وصارت المناصب الكبرى غالبا حكرا على المنافقين والأفاقين وعملاء الأمن مما أدى الى تدهور مصر في كل المجالات. 

إن ما تعانيه مصر اليوم من قمع وفساد واستبداد هو كل ما تبقى لنا من نظام 23 يوليو. لن تنهض بلادنا إلا بإقامة نظام مدني ديمقراطي.

علاء الاسواني

كتاب ري الغليل .. تحميل

لقد جعلنا كتابنا في مئتين وواحد صفحة .. تلبية لطلب الحاج عبدالحميد الذي وعد بعرضه على ولات الدولة للنظر في سفرنا وما جرى علينا .. والسلام على القارئ والمستمع من كاتب ما جرى عليه وجميع ما رأى من اخبار .. العبد الفقير الى مولاه الجليل .. عبده محمد بن السلطان عبدالجليل غيث بن احمد بن سيف النصر .. تاب الله عليه .. امين .. اتمه في شهر دي الحجة عام 1368 .. الان الكتاب على الانترنت .. اضغط الرابط :

كتاب ري الغليل سلاطين فزان

 

عندما تطوعت بالقوة المتحركة

    

   من الزيغن .. ضنك وعوز .. طفل لم يتجاور الخامسة عشر .. بحثا عن لقمة العيش .. كان ذلك عام 1963 م .. سيارة داف .. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة .. الى بنغازي .. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة .. اعمال الميكنة .. ومن مساعد سائق شاحنة .. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر .. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق .. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط .. مسافة 1000 كم متر .. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر ( سكاندا سيريا ) .. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال .. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ .. وبداية ضخ البترول .. وقد شاهدته عيانا .. قدمت استقالتي .. وعدت الى فزان .. لا يزال الجيل يعيرونني بها .. ( وجه الفقر يستحي من الغنى .. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان ) .. بيني وبينك .. حق عفسه .

    اعدت التجربة مع شركة ” ساسكو ” .. لصاحبها : عبدالله عابد السنوسي .. ..والتي انجزت طريق بوقرين – فزان .. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية .. وفي الاويسس ، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر .. نقلت الة ( رق 10 ) من جالوا الى الجغبوب .. اربع صهاريج اسبوعيا .. اثنان نافثة .. واثنان بنزين .. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء .. بيضاء تعانق الافق استواء .. وما ان تنتهي امامنا 100 كم .. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا .. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية .. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا .. وفي بير حكيم .

    ذات مرة .. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم .. قريبا من خرمة الجبل .. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة .. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة .. وبقيت وحدي .. حارس ” عساس ” للشاحنة .. مدة شهر كامل .. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره .. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة .. وما زاد في وحشتها .. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط .. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية .. وذات يوم صعدت الجبل .. وبانت لي غابة اشجار الطلح .. متراصة ومخضرة في منظر بديع .. مسافة كيلو متر واحد .. قصدتها .. اطلال 12 عربة محترقة .. خوذ الجنود .. رفاتهم .. ملابسهم .. جماجمهم .. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة .. كنت حديث سن .. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت .. ومن ترك رفاتهم بالصحراء .. اوجست خيفة .. وزادني فيما بعد .. تعرفي على اثر حيوان مخلب .. يجول حول منامي .. اخترت النوم ليلا داخل ( دومان ) السيارة .. وفي احايين عده .. اسهر الليل .. وأنام النهار .

     عبرت تلك التجربة .. قررت ترك العمل بالصحراء .. في بنغازي .. اخبرني احدهم ان ” القوة المتحركة ” .. ستعلن قريبا عن قبول مجندين .. كان امر القوة السنوسي الفزاني .. انتظرت رفقة ” شكابلية عرب الزيغن في حي البركة ” .. اهل واحتي .. زمرة رفاق الصبا والنشأة .. وعندما اعلن عن التجنيد .. ذهبت الى معسكر ” بنينه ” .. كنا المتقدمين 500 مجند .. قبل منهم 250 فرد .. كنت احد المقبولين .. حضر السنوسي الفزاني بنفسه .. يرافقه طبيب .. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف .. ومن يشير اليه بعصا التشريفات .. ينتحي جانبا .. كان هو الذي اختار .. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا .. ومن هناك الى معسكر قريناده .. قرب مدينة البيضاء .. استلمنا مهماتنا كاملة .. الالبسة والاربطة .. المدربين انجليز .. ووزعنا على الشعب الثلاث .. النجدة .. خفر السفارات .. خفر النفط .. وكنت ضمن فرق النجدة .. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م .. والامتثال التام للأوامر .. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية .. مكافحة الشغب .. لنا لباسنا الخاص .. كما لكل شعبة زيها الخاص .. التشريفات لخفر السفارات .. الكاكي البني ، والحبل الاحمر حول الابط .. لخفر النفط .. كنا دائما على اهبة الاستعداد .. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما .. مع عشرون ظرف رصاص حي .. وعندما تأتي الاوامر .. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة .. نرافق المحتجين مسيرتهم .. على اطراف الحشد .. دون تدخل .. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات .. نتقدم لصفعه .. لدينا طرقنا المتعددة .. لسعة بالعصا الكهربائية .. واذا كانوا شلة .. او خرج الجمهور عن طوره .. نستخدم غاز مسيل الدموع .. في جعبة كل واحد منا .. عشرون طلقة غاز .. اذا اقترب زحفه اكثر .. اطلاق النار في الهواء .. اذا لم يتراجعوا .. وهرج المكان .. اطلاق الرصاص الحي .. اسفل الركبة .. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها .. كنا مهرة في التصويب .
   يحظر الخروج بدون اذن من المعسكر .. وداخل المعسكر انت في وضع الجاهزية دائما .. طلبت اذن خروج .. مبررا زيارة اقارب لي قدموا من فزان .. ومن معسكر بنينه بعد نهاية دوام الظهيرة .. سمح لي بالخروج .. الى حي البركة .. ” حوش شكابلية عرب الزيغن ” .. رفاق الدرب .. وفي المساء .. عودة قبل الساعة التاسعة .. عند ” مفوز البركه ” .. بداية طريق بنينه .. 7 كم .. اقف استجدي باشارة يدي سيارة عابرة تختصر لي المسافة .. السيارات قليلة .. توقفت سيارة مرسيدس فارهة .. طننت انه غريب تاه الطريق ..   يسألني الطريق الى اين .. فتح باب السيارة .. قال لي : اركب .. ركبت بهدوء وخجل .. اضاءة السيارة الداخلية .. مع فتح الباب .. تعرفت على شخصه .. كان الآمر العام للقوى المتحركة .. الزعيم السنوسي الفزاني .. يضع مسدسه بجوار عتلة حركة التروس .. وبندقية اليه على سطح الكرسي الخلفي .. كان من طبيعته لا يهنأ ليلا .. يطوف بين المعسكرات .. وقيل .. انه عندما تعرض لحادث سير قرب المرج .. اصيب برأسه .. بقي سنتان للعلاج في بريطانيا .. وعندما عاد .. ظل هكذا .. الطبيب اوصاه بعدم النوم لأكثر من ساعتين كلما امكن ذلك .. وقد اعتاده هو الاخر .. تراه اواخر الليل .. يحوم .

   ساد الصمت لمسافة .. قلت في نفسي : الفرصة حانت .. وجاءت الى حيث اقدامك .. فلا تلفظها .. انتهزها .. اعرف انه ينتمي لقبيلتي .. ولم يسبق لي اللقاء به في غير معسكرات القوى المتحركة .. وهناك لا مجال لغير لغة العسكر .. قلت له : انا من الجنوب .. فزان .. واعرف انك ابن عم لي .. ومن قبيلتي .. واتشرف بهده الصدفة التي جمعتنا .. وبالتعرف اليك .. رد باقتضاب : ” خليك في شغلك ” .. تلعثم لساني .. وعاد الصمت يحبس الانفاس .. عاد لي صوابي .. وتذكرت هوة المسافة الفاصلة بين مجند وزعيم .. اقتربنا من بوابة المعسكر .. وكالعادة نداءات الحارس الثلاث .. قف .. تقدم .. قف .. تقدم .. وفي الثالثة .. عندما تعرف على شخصه .. ادى التحية .. عبرنا البوابة .. توقف ونادي ضابط خفر .. قال له : ضعه في السجن .. قضيت ليلتي .. وفي ظهيرة اليوم التالي .. نودي عليّ .. كان لا يزال بالمعسكر .. افرج عني وطلب الي الاستعداد لمقابلته .. عملت كل ما يلزم لإظهار قيافتي على اتم وجه .. ولجت باب مكتبه .. القيت التحية .. وانتصبت في وضع الاستعداد بعد المسافة المسموح بها .. تطلع اليّ مرات ومرات دونما ينبس بكلمة .. ويبدو ان قيافتي .. وحدب كي البدلة بالنشاء .. والنطاق والازرار بالسيدروا .. اعجبه .. قال لي : لقد شفعت لك هذه البذلة والقيافة .. لكن انتبه : ” لا تأتي على لسانك بلفظ قبيلة مرة اخرى ” .. انصرف .. غادرت .. ورحلت الغمامة عن وجه الزعيم .
     دائما في حل وترحال .. الاقامة بالمعسكر عينه ثلاثة شهور فقط .. تتبادل افواج المعسكرات .. الانتقال يشمل جميع الجنود والضباط .. يستثني طقم الادرايين بالمعسكر .. قرنادة بدل بنينه .. وبنينه بدل البريقه .. وهكذا .

       مهمتنا لا تقف عند حدود كبح الشغب .. بل وتغطية أي عجز امني .. في أي موقع ترعاه القوى المتحركة .. قد اندب الى شعبة اخرى .. ارتدي لباسهم .. وانتقل للسكن بجوارهم .. في ذات مقرهم .. ليلة 1 . 9 . 1969 م .. كنا اربعة اشخاص نذرع باحة المطار .. حراسة الطائرات .. سمعنا لحن مارشات عسكرية عبر الاذاعة المسموعة .. توقعنا ان الملك مات .. كان حينها في رحلة علاجية لتركيا .. لم نكترث .. وعند الفجر .. حظر ملازم من القوة المتحركة .. طلب منا تسليم العتاد .. والإبقاء على بنادقنا وعدم تسليمها لأحد كان .. بقينا على ذلك الحال ايام .. كانت حينها كل المعسكرات لا تزيد قوتها عن 50 فرد .. اما البقية .. فقد صدرت تعليمات بإحلال البديل للقوة المتمركزة لحماية حقول النفط .. كانوا لا يزالوا في الطريق لإجراء البدل .. وقبل عودة القوى .. اقتحمت المقرات جملة .. بمساعدة ضباط من داخل القوى المتحركة نفسها .. فوجئنا عندما اجتمع بنا احد الضباط المعروفين بيننا .. والقى خطبة .. عن ضياع الوطن .. وتفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة .. وأضاف : انه سوف يتم احالة ملفاتنا لوزارة الداخلية .. وانه بإمكاننا من الان مغادرة المعسكر ، والالتحاق بالوزارة لإعادة توزيعنا .

   عند مبنى وزارة الداخلية .. التقيت بزملاء لي .. كنا اربعة اشخاص ثم تنسيبنا الى ادارة الشرطة بالبيضاء .. رفضنا .. ماذا سنعمل هناك ؟ .. وفيما نحاور الضابط المسئول برتبة رائد شرطة .. دخل ضابط جيش برتبة ملازم .. نهض الرائد من مكتبه ، وقدم له التحية .. نالنا العجب ..!! .. ما الذي يجري ؟ وكيف لرائد ان يقدم التحية مسبقا لملازم ثان اقل رتبة منه .. لكن الرائد اصر على عدم النظر في طلبنا .. واوعز لنا بتنفيذ القرار .. كان عند الباب يقف رئيس عرفاء .. همس لنا اثناء خروجنا قائلا : ” هذا ما يقدر ايديرلكم شي .. وحتى جبان .. لكن انتظروا عند سارية العلم في الساحة .. عندما تأتي سيارة لاندروفر سكاندا سيريا مسيجة بشباك حديدي على الزجاج .. اقتربوا منها .. واعرضوا قضيتكم .

      ظللنا ننتظر .. ولم يتأخر كثيرا .. تقدمنا نحوه .. ضابط برتبة كبيرة .. يقود السيارة به سائق .. كان المقدم موسى احمد .. وزير الداخلية .. بادرنا بالسؤال .. اجبناه اننا نريد النقل الى اجدابيا .. وعندما وجه لي السؤال .. من لديكم من اقارب هناك .. قلت ابناء عمومتي .. نادى على رئيس العرفاء .. قال له : قل للرائد يصدر قرارات بنقلهم الى حيث يريدون .

     في اجدابيا عملت حارسا .. مبنى المصرف التجاري .. وذات يوم سألني زميل .. لما لا تزور ابناء عمومتك باجدابيا .. قلت له : لا اعرف اماكن بيوتهم .. وفي اليوم التالي .. حضر الحاج زيدان بن كيلاني .. الى حيث انا اؤدي واجبي .. سألني عن اهلي وأعمامي .. وطلب مني المغادرة معه .. اعتذرت .. ارسل لمدير المركز يطلبه .. حضر الضابط .. وعانقه .. عمي زيدان اطلب .. وعندما طلب منه ان يخلى سبيلي .. في الحال .. حضر بديل الحراسة .. وذهبت الى حي ابناء عمومتي .. وصار لي مستقرا في اجدابيا .

   مضت 6 اشهر .. تقدمت بطلب نقل الى البريقه .. تمت الموافقة على الفور .. وهناك بقيت اتلذذ الطعام الشهي على حساب الشركة النفطية .. ولا خدمة لا قدمه .. مدة 4 شهور .. وفي الاثناء تعرفت على شخص قدم للتو .. طويل القامة .. من تبو القطرون .. تعارفنا .. وجمعنا حنين فزان .. سكن بالغرفة المجاورة لي .. ومكثنا سويا .. كنا طوال الوقت متلازمين .. قدم من طبرق بعدما كان مناوبا في حراسة الملك .. حراس الملك التبو .. ومن بين ما يسلي به نفسه في العادة .. ” خط الرمل ” .. التنبؤ بالمستقبل .. قلت له ذات يوم .. تقدمت بطلب نقل الى فزان منذ فترة .. هل لك ان تكشف لي مصيره .. قال : لم يبقى لك سوى يومين بهذا المكان وهذه البلاد .. وفي اليوم الثاني كنت قد غادرت .. وصلت برقية تفيد الموافقة على نقلي لفزان .. عودة اخرى لأرض الجذور .. عند مدرية امن سبها .. نسبت للعمل بفرق الدفاع المدني .. حضيت بدورات في ايطاليا لمدة عام .. وفي النمسا ثلاث شهور .. وفي تونس ثلاث شهور .. اتقن اعمال اطفاء الحرائق .. وسبل محاصرة النيران .. اقود الشاحنة احيانا بنفسي .. وفي احيان تجدني اقبض على فوهة انبوب الرش .. عندما كنت مجرد منتسب .. وعندما اصبحت مديرا .. وضرب الدهر ضرباته .. واشتعل الرأس شيبا .. ركنت الى التقاعد .. اواسي نفسي بلقاء متقاعدين مثلي .. وتستمر الحياة .

المصدر .. عين على فزان 

ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش ..

 Kolumnisten Al-Aswani

هل تعرف مصطفى البشتيلي..؟                                           

هذا الرجل نادرا ما يذكره أحد بالرغم من دوره العظيم في تاريخ مصر. أصله من قرية بشتيل بمحافظة الجيزة، عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798 كان مصطفى البشتيلي تاجرا ثريا  يمتلك وكالة (محلا كبيرا) لبيع الزيوت في بولاق أبوالعلا ويعيش حياة مرفهة مع أسرته، لم يكن ينقصه شيء، لكنه قرر أن يقاوم الاحتلال الفرنسي فشرع يخزن البارود في براميل الزيت استعدادا ليوم الثورة ثم وشى به بعض جيرانه للسلطة الفرنسية التي أمرت بتفتيش الوكالة ولما وجد الفرنسيون البارود عنده قبضوا عليه وألقوا به في السجن بضعة أشهر ثم أطلقوا سراحه، كان من الممكن لمصطفى البشتيلي عندئذ أن يبتعد عن المشاكل ويعكف على تجارته المربحة، لكنه كان مصرًّا على مقاومة الفرنسيين.

في مارس عام 1800 عندما اندلعت ثورة القاهرة الثانية ضد الجيش الفرنسي تحول مصطفى البشتيلي إلى زعيم حقيقي يمد الثوار بالاسلحة وينفق من ماله لتلبية احتياجاتهم ويقودهم بنفسه في غاراتهم المستمرة على معسكرات الفرنسيين . كان نابليون بونابرت قد عاد إلى فرنسا وترك قيادة الحملة للجنرال كليبر الذي فوجئ بضراوة الثورة فعرض على المصريين الثائرين الصلح ولما رفضوا شن الجيش الفرنسي هجوما كاسحا على القاهرة استباح خلاله قتل المصريين وسبي نسائهم ونهب أموالهم ومتاعهم وقد انهمرت القنابل الفرنسية بغزارة فأحرقت حي بولاق بالكامل وأحياء أخرى كثيرة في القاهرة.

 وفي النهاية تمكن الفرنسيون من اخماد الثورة المصرية وفر مصطفى البشتيلي هربا من الفرنسيين لكنهم نجحوا في القبض عليه. هنا حدثت واقعة مأساوية وفريدة من نوعها. لم يرد الجنرال كليبر أن يصدر قرارا باعدام مصطفى البشتيلي حتى لا يتحول إلى بطل في نظر الشعب فطلب من جموع المصريين في بولاق أن يعاقبوا البشتيلي بأنفسهم لأنه حرضهم على الفتنة التي أدت إلى احراق بيوتهم وقتل أقاربهم وسبي نسائهم.

 لقد حمل الجنرال كليبر البشتيلي المسؤولية عن كل الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي لاخماد الثورة. الغريب أن المصريين اقتنعوا بهذا المنطق الشاذ وقاموا بتجريس مصطفى البشتيلي. التجريس عقوبة قديمة يتم فيها اجلاس الشخص المعاقب على الحمار بالمقلوب ثم يطوف بالشوارع فيبصق الناس على وجهه ويصفعونه ويشتمونه. قام المصريون بتجريس زعيمهم مصطفى البشتيلي  وفي النهاية انهالوا عليه ضربا بالنبابيت حتى قتلوه. يحاول بعض المؤرخين التخفيف من هذه الواقعة المشينة فيقولون إن المصريين جرسوا البشتيلي وقتلوه خوفا من بطش الجنرال كليبر. هذا تبرير غير منطقي وعذر أقبح من ذنب. اذ كيف يخاف المصريون على حياتهم فيقتلون زعيمهم بأيديهم؟ واذا خاف بعضهم فارتكبوا هذه الجريمة الشنيعة فلماذا لم ينقذ بقية المصريين البشتيلي العظيم ووقفوا يتفرجون عليه وهو يتعرض للتجريس والقتل؟

 

كيف نسي المصريون فضل هذا الزعيم  الذى ضحى بكل شيء من أجل استقلال بلاده ..؟ كيف طاوعتهم أنفسهم على قتله وهو الذى كان يدافع عن حريتهم وكرامتهم..؟ ماذا دار بذهن مصطفى البشتيلي وهو راكب على الحمار بالمقلوب والمصريون يبصقون عليه ويشتمونه ويضربونه بالنبابيت..؟ هل ندم على اشتراكه في المقاومة وهو يرى المصريين الذى دافع عن حريتهم يهينونه ويضربونه..؟ ان مقتل مصطفى البشتيلي المأساوى يعلمنا أن المصريين، منذ قرون، يحملون رؤيتين متناقضتين للحياة.

لقد كان مصطفى البشتيلي مثل مصريين كثيرين رجلا ثوريا يهتم بأحوال بلاده بنفس قدر اهتمامه بأسرته وهو لا يطيق الحياة اذا كانت بلاده محتلة أو ذليلة، انه يفضل الموت على الحياة بلا كرامة ولاحرية. بالمقابل فان الذين جرسوا البشتيلي وقتلوه، مثل مصريين كثيرين أيضا،  ينتمون إلى نوع المواطن المستقر الذي يفضل الاستقرار على أي شيء في الحياة، ان كل ما يهمه أكل عيشه حتى لو ضاعت كرامته وحريته. الأهم عند المواطن المستقر أن يكسب ويأكل ويشرب ويمارس الجنس بكفاءة مع زوجته ويربي أولاده ويعلمهم ويزوجهم. ان انتماءه منحصر في أسرته وهو لايهتم اطلاقا بما يحدث خارجها. المواطن المستقر يعتبر السلطة قوة قاهرة يجب أن يخضع لها تماما لأن مقاومتها ستكلفه ثمنا لايريد ولايستطيع أن يدفعه انه يطيع الحاكم المستبد ولسان حاله يقول: “ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش”. المواطن المستقر يعتبر الثورة ضد الظلم حماقة ويكره المناضلين من أجل الحرية ويعتبرهم مثيرين للفتن ويحملهم مسؤولية وقف حاله وقطع رزقه.

كل تقدم أحرزته مصر نحو الاستقلال والحرية يرجع الفضل فيه للمصريين الثوريين مثل البشتيلي وكل اخفاق حدث للثورات المصرية كان سببه الأول خنوع المواطن المستقر وأنانيته وضيق أفقه.  ان مشهد تجريس الزعيم مصطفى البشتيلي وقتله بأيدي المصريين الذين دافع عن حريتهم لازال قادرا على الهامنا لنفهم المشهد في مصر اليوم. ألا يشبه شباب الثورة مصطفى البشتيلي..؟ لقد ثاروا في يناير 2011 دفاعا عن حرية وكرامة المصريين فكان جزاؤهم القتل وفقء الأعين بالخرطوش وكثيرون منهم قابعون في السجون يتعرضون لتعذيب بشع وبرغم ذلك لازالوا ثابتين على مبادئهم، وبالمقابل هناك مصريين ينتمون لطائفة المواطن المستقر مثل قتلة البشتيلي. هؤلاء لا تعنيهم الثورة ولا يريدونها أساسا وهم يفضلون لقمة العيش على الحرية والكرامة ويعيشون متوائمين مع الظلم والفساد ولايدركون أن من يتنازل عن حريته من أجل لقمة العيش سيخسر لقمة العيش والحرية معا.لن تتقدم مصر الا اذا طالب المواطن المستقر بحريته وتخلص من خوفه واذعانه للاستبداد.

علاء الأسواني:..

في مقاله* لـ DW عربية يشرح علاء الأسواني المشهد السياسي في مصر في ضوء واقعة تاريخية غريبة.