مشكلة المواطن “المبَرمج”..

علاء الأسواني: مشكلة المصري “المبَرمج”..

في هذا المقال يستعرض علاء الأسواني أنماط التفكير في مصر.

سؤال:                                                                    

هل يمكن أن تحبالجيش المصري وتفخر به وفي نفس الوقت تطالبه بالبعد عن شئون الحكم أو تطالب بالرقابة على مشروعاته الاقتصادية؟

الإجابة عند معظم المصريين بالنفي القاطع. إذا كنت تحب الجيش، في رأيهم، لا يمكن أبدا أن توجه له أي نقد وإذا انتقدت الجيش فهذا دليل على أنك كاره لجيش بلدك وعميل لمخابرات أجنبية هدفها إسقاط الجيش والقضاء على مصر كلها.

سؤال آخر:

هل يمكن أن تكون مسلما معتزا بإسلامك وفي نفس الوقت تنكر فكرة الخلافة الإسلامية وتقدم أدلة تاريخية على أن الإسلام لم يقدم أي نموذج للحكم؟

الإجابة عند معظم الإسلاميين بالنفي. إما أن تؤمن أن الإسلام دين ودولة وتحلم بالخلافة وإما أن تكون في نظرهم علمانيا نجسا وعميلا للصهيونية تريد أن تقضي على الإسلام والمسلمين. الإسلاميون يشتركون مع أنصار الحكم العسكري في احتكار الحقيقة. لديهم نمط وحيد للتفكير لايجوز الخروج عنه. الحكم العسكري والحكم الديني وجهان للفاشية. الفاشية مبدأ سياسي يحتكر السلطات جميعا ويفرض أفكاره بالقوة على الآخرين. الفاشية العسكرية تحتكر الوطنية وتتهم كل من يعارضها بالخيانة، والفاشية الدينية تحتكر الدين وتعتبر كل من يعارضها عدوا لله ورسوله.

الإعلام الفاشي يسيطر على عقول الناس ويرسخ فيها حقيقة واحدة ولا يسمح بالاختلاف إطلاقا.. في النهاية ينتج النظام الفاشي مواطنا أحادي الذهن، مبَرمجا (بفتح الباء)، عاجزا عن التفكير المستقل.

تأمل إعلام السيسي في مصر وإعلام الإخوان في تركيا وقطر. ستجدهما وجهان لعملة واحدة: نفس الأسلوب الدعائي الزاعق الذي يستهدف تعبئة الرأي العام باستعمال الأكاذيب والشعارات العاطفية ونفس البذاءت والاتهامات لكل من يختلف معهم بخيانة الوطن أو العداء للإسلام.

منذ استيلاء الجيش على السلطة في عام 1952 سقطت مصر في الصراع بين الفاشية العسكرية والدينية ونشأت أجيال من المصريين (إسلاميين ومواطنين عاديين) مبَرمجين على نمط وحيد في التفكير تم تلقينه لهم، فصاروا لا يطيقون الخروج عنه أو الاختلاف معه. المصري المبَرمج الذي تنتجه الفاشية لا يستطيع أن يصنع نهضة حقيقية، لأنه محروم من التفكير النقدي وهو يخاف من أي تغيير ويعاديه. الإسلامي المبَرمج لا يستعمل عقله في التفكير المستقل وإنما في تبرير تعليمات شيوخه.

حكى لي شاب سلفي أنه ظل يطارد شيخه تليفونيا ثلاثة أيام ليعرف إذا كان يجوز له أن يشترك في الثورة أم لا.. وعندما سألته لماذا لم يقرر بنفسه. قال ببساطة:

ــ فضيلة الشيخ يعرف أحسن مني حكم الشرع في أي شيء.

أعمل الآن أستاذا زائرا للأدب في كلية “بارد” في نيويورك وهي من أهم الجامعات الأمريكية في الآداب والفنون. طلاب السنة الأولى في الكلية يدرسون إجباريا مقررا خاصا عبارة عن مجموعة كتب مختلفة جدا في الرؤى والأفكار، يدرسون مثلا كتاب الأخلاق لأرسطو ومؤلفات نيتشه الملحد الذى ينكر الأديان ويسخر من المسيحية، ثم يدرسون مذكرات سان أوجستين أحد مؤسسي الكنيسة الكاثوليكية ثم مذكرات الزعيم الأسود مالكولم اكس الذي تحول للإسلام في نهاية حياته. الغرض من تدريس هذا المقرر المتنوع لطلاب لم يبلغوا العشرين من العمر  هو تخليصهم من التفكير النمطي الأحادي وتعليمهم التفكير النقدي بحيث يفكرون بعد ذلك في كل ما يطرح عليهم ليكونوا آراءهم المستقلة.

مشكلتنا في مصر تتجسد في المصري المبَرمج سواء كان إسلاميا أو مواطنا عاديا.. في عام 2011 ثار ملايين المصريين ليطالبوا بالحرية والعدالة والكرامة، هؤلاء استطاعوا أن يتخلصوا من التفكير الأحادي ويحلموا ببناء مصر أخرى عادلة ومحترمة. المصري المبَرمج كان موقفه من الثورة مختلفا: السلفي المبَرمج قاطع الثورة واعتبرها “فتنة أشد من القتل” كما قال شيوخه، والإخواني المبَرمج آمن، بناء على تعليمات شيوخه، بأن  الثورة منحة من الله لتحقيق الدولة الإسلامية وقام بتبرير تحالف الإخوان مع المجلس العسكري وخياناتهم المتكررة  للثورة.. المواطن المبَرمج لم يسترح للثورة ولم يفهمها وراح يبحث عن تفسير لها فوجده في اتهامات الإعلام بأن الثورة مؤامرة أمريكية. الإسلامي المبَرمج هو الذي فوت على مصر كتابة دستور الثورة عندما صوت من أجل تعديل الدستور القديم تنفيذا لتعليمات المجلس العسكري، والمواطن المبَرمج هو الذي صفق للسلطة وهي تقتل المتظاهرين وهو الذي أدان البنات اللاتي تم انتهاكهن أمام مجلس الوزراء وتساءل “لماذا تظاهرن من الأساس؟”، وهو الذي نزل ليضرب الأقباط في ماسبيرو، بينما مدرعات الجيش تدهسهم أمام عينيه. بدون الإسلامي المبَرمج سينتهي الإسلام السياسي وبدون المواطن المبَرمج لا يستطيع الديكتاتور أن يستمر في الحكم يوما واحدا.

صناعة المواطن المبَرمج والاحتفاظ بالسيطرة على عقله أول مهمة لأي شيخ أو ديكتاتور، الإسلامي المبَرمج يعيش في أوهام الخلافة ويعتبر أن العالم كله يعادي الإسلام مع أنه لو فكر قليلا وقرأ قليلا سيدرك خطأه. والمواطن المبَرمج لا يفكر أساسا، وإنما يترك عقله للإعلام وهو قد يغضب من صعوبة الحياة لكنه لايثور أبدا، المواطن المبَرمج يتقبل القمع مقابل الأمان والاستقرار عنده أهم من الحرية ولقمة العيش أهم من الكرامة.

ما العمل إذن؟ إن الزلزال الذي أحدثته ثورة يناير في عقول المصريين لازالت توابعه تتوالى، واجب الثوريين ليس فقط تحرير مصر من الاستبداد، وإنما واجبهم أيضا تحرير المصري المبَرمج من أحادية الذهن وتعويده على التفكير الحر.. قد تكون المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

الديمقراطية هي الحل

الصادق النيهوم: المثقف الذي توسط المسافة بين السلطة والناس

الهيبي والعقيد
الصادق النيهوم: المثقف الذي توسط المسافة بين السلطة والناس

في‭ ‬بلاد‭ ‬البغتة‭ ‬والعجائب‭ ‬تُمطر‭ ‬السماء‭ ‬بالمصائب‭ ‬و‮»‬العصبان‮»‬‭ ‬أو‭ ‬تسحبك‭ ‬من‭ ‬أنفك‭ ‬إلى‭ ‬خيمة‭ ‬القائد‭ ‬سيان،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المُمكنات‭ ‬يحدث‭ ‬لأن‭ ‬إرادة‭ ‬‮«‬القائد‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬حساب‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬الطرح‭ ‬وتقبل‭ ‬الزيادة‭ ‬والضرب‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬القسمة،‭ ‬جاءني‭ ‬‮«‬الشاعر‭ ‬إدريس‭ ‬الطيب‮»‬‭ ‬رفقة‭ ‬الكاتب‭ ‬سعد‭ ‬نافو‭ ‬إلى‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬ليبلغني‭ ‬أن‭ ‬القذافي‭ ‬استدعانا‭ ‬إلى‭ ‬خيمته‭ ‬بطرابلس،‭ ‬وأن‭ ‬علينا‭ ‬السفر‭ ‬في‭ ‬التوّ‭. ‬أخذنا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكاتبة‭ ‬فوزية‭ ‬شلابي‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬إلى‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬خيمة‭ ‬بمزرعة‭ ‬بطريق‭ ‬المطار،‭ ‬فوجئنا‭ ‬في‭ ‬الخيمة‭ ‬بالكاتب‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬رفقة‭ ‬الدكتور‭ ‬رجب‭ ‬بودبوس‭.‬

في ‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬أيضا‭ ‬قابلنا‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عبدالسلام‭ ‬الزادمة‮»‬وهو‭ ‬من‭ ‬أعد‭ ‬العشاء،‭ ‬وكان‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الجلسة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أريحية‭ ‬ووضحت‭ ‬العلاقة‭ ‬الخاصة‭ ‬بين‭ ‬النيهوم‭ ‬والقذافي،‭ ‬حيث‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬محادثة‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬فيها‭ ‬التبسط‭ ‬والمزاح‭ ‬والألفة‭: ‬تعرف‭ ‬يا‭ ‬خيي‭ ‬معمر‭ ‬أنهم‭ ‬يتهمونني‭ ‬بتأليف‭ ‬كتابك‭ ‬الأخضر،‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬مش‭ ‬ممكن‭ ‬نكتبه‭ ‬وإلا‭ ‬لا؟‭ ‬وأخذ‭ ‬القذافي‭ ‬يضحك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلق‭ ‬على‭ ‬حديث‭ ‬النيهوم‭ ‬التهكمي،‭ ‬وحينها‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكتاب‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُتهم‭ ‬النيهوم‭ ‬بكتابته،‭ ‬وأن‭ ‬النيهوم‭ ‬يتبرأ‭ ‬في‭ ‬حضورنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التهمة،‭ ‬وأن‭ ‬القذافي‭ ‬يمنح‭ ‬النيهوم‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬السلطان‭ ‬نديمه‭. ‬لحظتها‭ ‬والساعة‭ ‬ومما‭ ‬طالعته‭ ‬وسمعته‭ ‬تبين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬صاحب‭ ‬الكتابة‭ ‬والأفكار‭ ‬في‭ ‬مسودة‭ ‬أُعيدت‭ ‬صياغتها‭ ‬دون‭ ‬رضى‭ ‬النيهوم،‭ ‬ولعل‭ ‬لهذا‭ ‬منح‭ ‬القذافي‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الاستثنائية‭.‬

الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬القذافي

حَظي‭ ‬أشهرُ‭ ‬الكتاب‭ ‬الليبيين،‭ ‬خليفة‭ ‬التليسي‭ ‬وأحمد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الفقيه‭ ‬وإبراهيم‭ ‬الكوني‭ ‬وعلى‭ ‬الخصوص‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬بعلاقةٍ‭ ‬مميزةٍ‭ ‬مع‭ ‬العقيد‭ ‬معمر‭ ‬القذافي،‭ ‬الذي‭ ‬عَقِبَ‭ ‬استيلائه‭ ‬على‭ ‬السُلطة‭ ‬بانقلابه‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬1969‭ ‬عَقدَ‭ ‬لقاءً‭ ‬مُوسعاً‭ ‬بالمُثقفين‭ ‬الليبيين‭ ‬نُقلَ‭ ‬مُباشرةً‭ ‬عبر‭ ‬التلفزيون‭ ‬لعدةِ‭ ‬ساعات‭ ‬ولأيام‭ ‬وعُرف‭ ‬بـِ‮»‬ندوةِ‭ ‬الفكر‭ ‬الثوري‮»‬،‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬اللقاء‭ ‬تحدث‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬الكاتب‭ ‬النجم‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬القطيع‭ ‬بالملك،‭ ‬واصطدم‭ ‬بالرائد‭ ‬عمر‭ ‬المحيشي‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬قيادة‭ ‬الثورة‭ ‬المُشارك‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الندوة،‭ ‬وقد‭ ‬تدخلَ‭ ‬القذافي‭ ‬وانحازَ‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬الكاتب‭ ‬النجم‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬توطدت‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما،‭ ‬بعدها‭ ‬بمدةٍ‭ ‬قصيرةٍ‭ ‬أمسى‭ ‬الكاتبُ‭ ‬المُتمرد‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬أمينَ‭ ‬لجنةِ‭ ‬الدعوةِ‭ ‬والفكر‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬التنظيم‭ ‬السياسي‭ ‬للعقيد‭ ‬القذافي‭ ‬لقيادة‭ ‬البلاد،‭ ‬لم‭ ‬يُرض‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬والفنان‭ ‬إلا‭ ‬لمدةٍ‭ ‬قصيرة،‭ ‬ليخرُج‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬قاصدا‭ ‬قبلة‭ ‬المُثقفين‭ ‬والمُبدعين‭ ‬العرب‭ ‬بيروت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتركَ‭ ‬منصبه،‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬تلك‭ ‬كتب‭ ‬خُطاطةً‭ ‬فكريةً‭ ‬نظرية‭ ‬كحل‭ ‬للمشكل‭ ‬السياسي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قُدمت‭ ‬في‭ ‬كُتيب‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬نقاش‮»‬‭ ‬للاتحاد‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬ولم‭ ‬يتمّ‭ ‬تداولها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬تقريبا‭ ‬هذه‭ ‬الخُطاطة‭ ‬المرجعية‭ ‬التي‭ ‬اعتمدها‭ ‬القذافي‭ ‬لما‭ ‬أسماه‭ ‬بـ‮»‬النظرية‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إضافات‭ ‬للبُعد‭ ‬القومي‭ ‬عند‭ ‬الكاتب‭ ‬المصري‭ ‬عصمت‭ ‬سيف‭ ‬الدولة،‭ ‬وإضافات‭ ‬للبُعد‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬السوداني‭ ‬بابكر‭ ‬كرار،‭ ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬مميزة‭ ‬ومعروفة‭ ‬بالقذافي‭ ‬والدولة‭ ‬الليبية‭.‬

في‭ ‬لقائي‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬بمعية‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يُنصت‭ ‬للثاني،‭ ‬وأن‭ ‬ثمة‭ ‬إعجابا‭ ‬يُضمرهُ‭ ‬القذافي‭ ‬للنيهوم‭ ‬وعلاقة‭ ‬فيها‭ ‬حميمية‭ ‬بينة،‭ ‬وكأنما‭ ‬القذافي‭ ‬يعتبر‭ ‬النيهوم‭ ‬من‭ ‬أنارهُ‭ ‬ونورهُ‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬جعل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الدكتاتور‭ ‬تضادا،‭ ‬فكأنما،‭ ‬وهو‭ ‬السلطة‭ ‬المطلقة،‭ ‬صنيعة‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الهيبي‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬علاقتهما‭ ‬كما‭ ‬علاقة‭ ‬المثقف‭ ‬بالسلطة‭ ‬فيها‭ ‬الفكر‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الرمزي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُشكل‭ ‬سلطة‭ ‬تُقارع‭ ‬سلطة،‭ ‬وبمعية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المُشكل‭ ‬وقع‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬الأسر‭.‬

الهيبي‭ ‬والكولونيل

كتب‭ ‬الكوني‭ ‬عن‭ ‬ذكرياته‭ ‬مع‭ ‬النيهوم‭ ‬‮«‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات،‭ ‬عندما‭ ‬جاورته‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬الألب،‭ ‬كنا‭ ‬نتسكع‭ ‬في‭ ‬الأمسيات،‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬الزهور‭ ‬في‭ ‬جنيف،‭ ‬ليروي‭ ‬لي‭ ‬الطرائف‭ ‬بأسلوبه‭ ‬الممتع،‭ ‬المستعار‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬النقية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬أدلى‭ ‬لي‭ ‬فيه‭ ‬باعتراف‭ ‬لم‭ ‬أقرأ‭ ‬له‭ ‬حساباً،‭ ‬اعتراف‭ ‬أدهشني،‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬فكرتي‭ ‬الرومانسية‭ ‬القديمة‭ ‬عن‭ ‬الإبداع‭ ‬كقُدس‭ ‬أقداس‭. ‬قال‭ ‬لي‭ ‬يومها‭ ‬إن‭ ‬غايته‭ ‬كانت‭ ‬دوماً‭ ‬السلطة،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هنالك‭ ‬أن‭ ‬العسكر‭ ‬ذهبوا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬أقصر‭ ‬طريق،‭ ‬وخسرها‭ ‬هو‭ ‬لأنه‭ ‬سعى‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬أبعد‭ ‬طريق‭! ‬لقد‭ ‬استنكرتُ‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬مبدع‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬صادق‭ ‬يومها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬عملاً‭ ‬لا‭ ‬أخلاقياً‮»‬‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المُبكرة‭ ‬بين‭ ‬السلطة‭ ‬والكاتب‭ ‬النجم‭ ‬تضرب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬منذ‭ ‬أفلاطون‭ ‬وعلاقته‭ ‬بحاكم‭ ‬صقلية‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬له‭ ‬تقارير‭ ‬ضد‭ ‬فلاسفة‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬شديد‭ ‬معهم،‭ ‬ولعل‭ ‬علاقة‭ ‬المتنبي‭ ‬بالسلطة‭ ‬أوضح‭ ‬مثال‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬وكافور‭ ‬الإخشيدي،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬المتنبي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬بأنه‭ ‬سلطان‭ ‬الشعر،‭ ‬المتنبي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السلطان‭ ‬حيث‭ ‬أنه‭ ‬السلطان‭ ‬الحق‭ ‬وسلطان‭ ‬الحق،‭ ‬سلطان‭ ‬المدينة‭ ‬الأفلاطونية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬منادمي‭ ‬سيف‭ ‬الدولة‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬كتابا‭: ‬المدينة‭ ‬الفاضلة‭ ‬للفارابي‭.‬

في‭ ‬لقائي‭ ‬مع‭ ‬القذافي‭ ‬بمعية‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬يُنصت‭ ‬للثاني،‭ ‬وأن‭ ‬ثمة‭ ‬إعجابا‭ ‬يُضمرهُ‭ ‬القذافي‭ ‬للنيهوم‭ ‬وعلاقة‭ ‬فيها‭ ‬حميمية‭ ‬بينة،‭ ‬وكأنما‭ ‬القذافي‭ ‬يعتبر‭ ‬النيهوم‭ ‬من‭ ‬أنارهُ‭ ‬ونورهُ‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬جعل‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الدكتاتور‭ ‬تضادا،‭ ‬فكأنما،‭ ‬وهو‭ ‬السلطة‭ ‬المطلقة،‭ ‬صنيعة‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الهيبي‮»‬

هكذا‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬موقف‭ ‬المثقف‭ ‬المعارض‭ ‬للسلطة‭ ‬عند‭ ‬أمثال‭ ‬المتنبي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬باعتبار‭ ‬أنها‭ ‬مشروع‭ ‬المثقف‭ ‬المشروع،‭ ‬وهذه‭ ‬المشروعية‭ ‬تستمد‭ ‬مشروعيتها‭ ‬من‭ ‬ذاتها‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬مفكر‭ ‬وأن‭ ‬الفكر‭ ‬ما‭ ‬يسوس‭ ‬البشر‭ ‬وبذلك‭ ‬فالمفكر‭ ‬هو‭ ‬القائد،‭ ‬ولقد‭ ‬تم‭ ‬توكيد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الشمولية‭ ‬والطغاة‭ ‬فرادة‭ ‬منذ‭ ‬نيرون‭ ‬إلى‭ ‬لينين‭ ‬وماو‭. ‬وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬أخذ‭ ‬هذا‭ ‬عند‭ ‬الشيعة‭ ‬مسوغه‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الملك‭ ‬هو‭ ‬ظل‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فالفقيه‭ ‬أولى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الملك‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬المفكر‭ ‬استحوذ‭ ‬العسكري‭ ‬الطاغية‭ ‬على‭ ‬الفكر،‭ ‬وجعل‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬من‭ ‬نفسه‭ ‬القائد‭ ‬المفكر‭ ‬والمعلم‭ ‬الثائر‭ ‬والشعار‭ ‬ما‭ ‬ردده‭ ‬أتباعه‭ ‬وحشود‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬تحشد‭ ‬لتوكيد‭ ‬ذلك‭.‬

نجم‭ ‬النجوم

الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬النجم‭ ‬ظهر‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬جريدة‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ليكتب‭ ‬من‭ ‬هلسنكي‭ ‬عاصمة‭ ‬فنلندا‭ ‬عن‭ ‬الليبيين‭ ‬مقالات‭ ‬ساخرة‭ ‬ومثيرة،‭ ‬ولينشر‭ ‬مقالات‭ ‬صحفية‭ ‬مترجمة‭ ‬أعاد‭ ‬صياغتها،‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬مواضيع‭ ‬الساعة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬وتمس‭ ‬القضايا‭ ‬الساخنة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وفي‭ ‬أسلوب‭ ‬ساخر‭ ‬وتهكّمي‭ ‬وطازج‭ ‬ومثير‭ ‬جذب‭ ‬القراء،‭ ‬وتحوّل‭ ‬صاحب‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬الصحيفة‭ ‬الأول‭ ‬والمبرز؛‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬صحفي‭ ‬قدير‭ ‬هو‭ ‬رشاد‭ ‬الهوني‭ ‬رئيس‭ ‬تحرير‭ ‬صحيفة‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬مسلطة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬كاتبها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬صحفي‭ ‬جديد‭ ‬وجذاب‭.‬

وحين‭ ‬حققت‭ ‬الجريدة‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬النيهوم‭ ‬قد‭ ‬أمدها‭ ‬بروح‭ ‬جديدة،‭ ‬بأسلوبه‭ ‬المميز‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تركيب‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬تغترف‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬الصحفية‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬البيروتية‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬الأساليب‭ ‬الكتابية‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬إنكليزية‭ ‬اللغة،‭ ‬ومن‭ ‬الأدب‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬كما‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬أرنست‭ ‬هيمنجواي‭ ‬وترجماته‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬منير‭ ‬البعلبكي‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬ترجم‭ ‬رواية‭ ‬هيمنجواي‭ ‬‮«‬الشيخ‭ ‬والبحر‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إنجيل‭ ‬جيل‭ ‬النيهوم،‭ ‬لقد‭ ‬عجن‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬جعلت‭ ‬أسلوبه‭ ‬متميزا‭ ‬وجملته‭ ‬مسبوكة‭ ‬مصبوغة‭ ‬بروحه‭ ‬التهكمية‭ ‬كابن‭ ‬لمدينة‭ ‬متوسطية‭ ‬صغيرة،‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ميناء‭ ‬لقراصنة‭ ‬غدوا‭ ‬أشباحا‭.‬

كان‭ ‬النيهوم‭ ‬يرسم‭ ‬شخصية‭ ‬كتاباته‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬رجل‭ ‬عاطل،‭ ‬ليس‭ ‬لديه‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يتكئ‭ ‬في‭ ‬ركينة‭ ‬شارع‭ ‬ليرمي‭ ‬المارة‭ ‬بنظرة‭ ‬ساخطة‭ ‬ولسان‭ ‬لاذع،‭ ‬وفي‭ ‬مقالاته‭ ‬الفكرية‭ ‬يبدو‭ ‬كمتفرّج‭ ‬استعار‭ ‬باروكة‭ ‬فلسفة‭ ‬العبث‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك‭ ‬التي‭ ‬تكرس‭ ‬مفاهيم‭ ‬اللامنتمي‭ ‬الحصيف‭.‬

فيلسوف‭ ‬هيبي

لقد‭ ‬أشارت‭ ‬‭-‬حينها‭-‬‭ ‬صحيفة‭ ‬الصن‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬‭-‬في‭ ‬مقالة‭ ‬صحفية‭ ‬عن‭ ‬ليبيا‭-‬‭ ‬بأنه‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬فيلسوف‭ ‬هيبي‭: ‬الفيلسوف‭ ‬الهيبي‭ ‬الذي‭ ‬وراء‭ ‬كولونيل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬علي‭ ‬فهمي‭ ‬خشيم‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬مقالة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الظاهرة‭ ‬النيهومية‮»‬‭.‬

النيهوم‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬غير‭ ‬الموثقة‭ ‬وغير‭ ‬الموثوق‭ ‬فيها‭ ‬‭-‬لأنها‭ ‬مليئة‭ ‬بالثغرات‭ ‬ولأن‭ ‬صاحبها‭ ‬نجم‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬لهذا‭ ‬حشاها‭ ‬محبوه‭ ‬بما‭ ‬يحبون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬نجمهم‭ ‬الساطع‭-‬‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬تخرّج‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬القاهرة‭ ‬كي‭ ‬يعد‭ ‬رسالة‭ ‬الماجستير‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الدكتوراه‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬الأديان‭ ‬وأنه‭ ‬اصطدم‭ ‬هناك‭ ‬بالدكتورة‭ ‬عائشة‭ ‬بنت‭ ‬الشاطئ،‭ ‬الشخصية‭ ‬المعروفة‭ ‬حينها‭ ‬بكتاباتها‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬وأستاذة‭ ‬الجامعة‭ ‬المبرزة،‭ ‬التي‭ ‬كما‭ ‬يشيعون‭ ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬مقدرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستوعب‭ ‬الأفكار‭ ‬الطازجة‭ ‬والمميزة‭ ‬للصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬قفل‭ ‬راجعا،‭ ‬متخطيا‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬أصقاع‭ ‬أوروبا‭ ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬فنلندا‭ ‬حيث‭ ‬أعد‭ ‬رسالته‭ ‬المفترضة‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬الأديان،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬عنها‭ ‬حتى‭ ‬معلومات‭ ‬صحفية‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬العلمية‭.‬

هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬ستترادف‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭ ‬وتمتزج‭ ‬عند‭ ‬المتلقي‭ ‬مع‭ ‬كتاباته‭ ‬التي‭ ‬ستصير‭ ‬أكثر‭ ‬إثارة،‭ ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬النيهوم‭ ‬ظاهرة‭ ‬يتزاحم‭ ‬الناس‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬الصحيفة‭ ‬الأسبوعي‭ ‬الذي‭ ‬ينشر‭ ‬مقالته،‭ ‬وحتى‭ ‬الأميّ‭ ‬سيتأبط‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العدد،‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬سيقفز‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬قفزة‭ ‬مميزة‭ ‬في‭ ‬كتاباته؛‭ ‬حيث‭ ‬سينحو‭ ‬للكتابة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الديني،‭ ‬وقدم‭ ‬أطروحات‭ ‬صادمة‭ ‬في‭ ‬حينها‭ ‬بأسلوبه‭ ‬ككاتب‭ ‬صحفي‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬رفيع‭ ‬يعرف‭ ‬أصول‭ ‬كتابة‭ ‬كهذه،‭ ‬من‭ ‬سماتها‭ ‬التكثيف‭ ‬المبسط‭ ‬الاختزالي‭ ‬ما‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬الجملة‭ ‬كحامل‭ ‬للفكرة،‭ ‬فيبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬‮«‬مانشيت‮»‬‭ ‬صحفي‭ ‬يدير‭ ‬الرؤوس‭ ‬ويبث‭ ‬التأويل‭ ‬ونقيضه‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الجملة،‭ ‬ويزيغ‭ ‬النظر‭ ‬بتحريكه‭ ‬لسطح‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬يتناولها،‭ ‬كمن‭ ‬يرمي‭ ‬حجارة‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬راكدة،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬سبخة‭ ‬ماؤها‭ ‬تبخر‭ ‬ولكن‭ ‬سطحها‭ ‬اللامع‭ ‬يوهم‭ ‬بوجود‭ ‬الماء‭.‬

إن‭ ‬النيهوم‭ ‬لاعب‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬الوحل‭ ‬التي‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يرسم‭ ‬على‭ ‬سطحها‭ ‬علامته‭ ‬المميزة‭ ‬كنجم‭ ‬يعطي‭ ‬بظهره‭ ‬للكرة‭ ‬ويعطي‭ ‬وجهه‭ ‬وعينيه‭ ‬للجمهور‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذا‭ ‬النجم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستهين‭ ‬بجمهوره‭ ‬ولا‭ ‬بوسائل‭ ‬جذب‭ ‬هذا‭ ‬الجمهور‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬القضايا‭ ‬المثيرة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬الظل‭ ‬وما‭ ‬يسلطه‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬ضوئه‭ ‬الخاص‭ ‬الجذاب‭ ‬بتعدد‭ ‬ألوانه‭.‬

طريقة‭ ‬في‭ ‬الكتابة

النيهوم‭ ‬من‭ ‬القلة‭ ‬الذين‭ ‬أثاروا‭ ‬قضايا‭ ‬دينية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬قضايا‭ ‬ميتة‭ ‬مثل‭ ‬قضية‭ ‬المرأة،‭ ‬ولعل‭ ‬أهمها‭ ‬محاولته‭ ‬‭-‬في‭ ‬سبق‭ ‬صحفي‭ ‬ومثلا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفطن‭ ‬مصطفى‭ ‬محمود‭ ‬لذلك‭-‬‭ ‬تفسير‭ ‬القرآن‭ ‬تفسيرا‭ ‬عصريا‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬المطولة‭ ‬‮«‬الرمز‭ ‬في‭ ‬القرآن‮»‬‭.‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أثارته‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬أن‭ ‬أنوه‭ ‬بأن‭ ‬النيهوم‭ ‬القابع‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬ألاف‭ ‬الأميال‭ ‬عمن‭ ‬يكتب‭ ‬عنهم‭ ‬ولهم‭ ‬وعن‭ ‬الصحيفة‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬فيها،‭ ‬قد‭ ‬كرس‭ ‬نفسه‭ ‬لشكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الغموض‭ ‬حول‭ ‬شخصه‭ ‬وسيرته،‭ ‬وأن‭ ‬الصحيفة‭ ‬التي‭ ‬كرسته‭ ‬ككاتب‭ ‬أول‭ ‬لها،‭ ‬كرست‭ ‬هذا‭ ‬الغموض‭ ‬الذي‭ ‬نبعه‭ ‬ليس‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬يتماس‭ ‬معها،‭ ‬أو‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يتخذها‭ ‬طريقة‭ ‬لأطروحاته‭ ‬الإشكالية‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬الأسلوب‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه،‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬المازج‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬والكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬المطعمة‭ ‬بأساليب‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬حينها،‭ ‬مع‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الرمزية‭ ‬والسريالية‭ ‬والفنتازيا‭ ‬أحيانا،‭ ‬في‭ ‬دأب‭ ‬وجهد‭ ‬لإدهاش‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬الجملة‭ ‬قبل‭ ‬الفقرة‭ ‬وفي‭ ‬التراكيب‭ ‬المتجددة‭ ‬دائما،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬بذل‭ ‬النيهوم‭ ‬جهدا‭ ‬خارقا‭ ‬استنزف‭ ‬طاقته‭ ‬الفكرية‭ ‬والإبداعية‭ ‬الأهم‭.‬

لقد‭ ‬أشارت‭ ‬‭-‬حينها‭-‬‭ ‬صحيفة‭ ‬الصن‭ ‬البريطانية‭ ‬إلى‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬‭-‬في‭ ‬مقالة‭ ‬صحفية‭ ‬عن‭ ‬ليبيا‭-‬‭ ‬بأنه‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬فيلسوف‭ ‬هيبي‭: ‬الفيلسوف‭ ‬الهيبي‭ ‬الذي‭ ‬وراء‭ ‬كولونيل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬علي‭ ‬فهمي‭ ‬خشيم‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬مقالة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬الظاهرة‭ ‬النيهومية‮»

الرمز‭ ‬في‭ ‬القرآن

الدراسة‭ ‬البوتقة‭ ‬التي‭ ‬دخل‭ ‬منها‭ ‬النيهوم‭ ‬الفكر‭ ‬والفكر‭ ‬الديني‭ ‬على‭ ‬الخصوص،‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬ونقلة‭ ‬نوعية‭ ‬حيث‭ ‬سيظهر‭ ‬أن‭ ‬النيهوم‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬نقلات‭ ‬مفارقة‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬إيقاعه‭ ‬إثارة‭ ‬القارئ‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬المشروع‭ ‬عند‭ ‬هكذا‭ ‬كتّاب،‭ ‬ولهذا‭ ‬المرسل‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬محمول‭ ‬المرسلة‭ ‬وأسلوبها‭.‬

توخى‭ ‬بهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬إثارة‭ ‬قضايا‭ ‬دينية‭ ‬شائكة؛‭ ‬اعتبر‭ ‬القرآن‭ ‬نصا‭ ‬رمزيا‭ ‬تؤول‭ ‬رموزه‭ ‬بمعطيات‭ ‬لغوية‭ ‬سيمائية،‭ ‬فالنص‭ ‬القرآني‭ ‬نص‭ ‬لغوي‭ ‬واللغة‭ ‬تجريد‭ ‬لصورة‭ ‬واقعية‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬مريم‭ ‬–مثلا‭-‬‭ ‬حملت‭ ‬طفلها‭ ‬من‭ ‬خطيبها‭ ‬يوسف‭ ‬النجار‮…‬‭ ‬الخ،‭ ‬وكونها‭ ‬حبلت‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬دون‭ ‬اتصال‭ ‬جنسي‭ ‬فهذا‭ ‬ترميز‭ ‬على‭ ‬طهارة‭ ‬العلاقة‭ ‬المقدسة‭. ‬هذه‭ ‬مجرد‭ ‬إشارة‭ ‬مقتضبة‭ ‬لموضوع‭ ‬الدراسة،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬كان‭ ‬آنذاك‭ ‬ما‭ ‬أثارته‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬وسيجنح‭ ‬الكاتب‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬بردود‭ ‬الأفعال‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬الانشغال‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬نشرها‭.‬

ولأن‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬يغذّون‭ ‬التناقض‭ ‬ويعشقون‭ ‬التضاد‭ ‬فقد‭ ‬ظهر‭ ‬النيهوم‭ ‬باعتباره‭ ‬الغامض‭ ‬السهل،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬بدا‭ ‬وكأنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ما‭ ‬يقول،‭ ‬ويقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬لهذا‭ ‬جنح‭ ‬قراؤه‭ ‬إلى‭ ‬تزكية‭ ‬آرائه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومه‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬المفارقة‭ ‬سيضع‭ ‬النيهوم‭ ‬رجله‭ ‬علي‭ ‬عتبة‭ ‬الباب‭ ‬الذي‭ ‬يحب،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬خصومه‭ ‬هم‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬المحافظون‭ ‬ومن‭ ‬في‭ ‬حكمهم،‭ ‬والنظام‭ ‬الملكي‭ ‬الليبي‭ ‬آنذاك‭ ‬أسسه‭ ‬هؤلاء‭ ‬أو‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أهله‭ ‬بحكم‭ ‬أن‭ ‬للدولة‭ ‬الليبية‭ ‬علاقة‭ ‬بالحركة‭ ‬السنوسية‭ ‬الدينية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬بالتبعية‭ ‬وأن‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬وريث‭ ‬لزعامة‭ ‬هذه‭ ‬الحركة،‭ ‬لكن‭ ‬الملك‭ ‬إدريس‭ ‬السنوسي‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬شخصيته‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬جناح‭ ‬التحديث‭ ‬في‭ ‬نظامه‭ ‬وإن‭ ‬بشكل‭ ‬خفيّ؛‭ ‬فتكوينه‭ ‬في‭ ‬قصره‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬فترة‭ ‬شبابه‭ ‬وتواجده‭ ‬وسط‭ ‬النخبة‭ ‬المصرية‭ ‬المستنيرة‭ ‬وعلاقته‭ ‬المبكرة‭ ‬بالإنكليز‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭.‬

لهذا‭ ‬يذكر‭ ‬البعض‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬طالب‭ ‬علماء‭ ‬الجامعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬بمحاكمة‭ ‬‭-‬أو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬ذلك‭-‬‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم،‭ ‬كان‭ ‬حينها‭ ‬الشاب‭ ‬عبدالحميد‭ ‬البكوش‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬‭(‬32‭ ‬سنة‭)‬‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬ثم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزارة‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬يُطالب‭ ‬أساتذة‭ ‬الجامعة‭ ‬والطلبة‭ ‬والنخبة‭ ‬المتنورة‭ ‬أن‭ ‬تعاضد‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬هذه؛‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬ذلك‭ ‬لأسباب‭ ‬معروفة،‭ ‬ولهذا‭ ‬أوقف‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬فقط‭ ‬وأعاد‭ ‬النيهوم‭ ‬نشرها‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬آخر‭ ‬وفي‭ ‬صياغة‭ ‬مموهة‭ ‬وتحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬العودة‭ ‬المحزنة‭ ‬للبحر‮»‬‭.‬

الكاتب‭ ‬والسلطة

النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬أنه‭ ‬كاتب‭ ‬غير‭ ‬سياسي‭ ‬ستكون‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬مشتبكة‭ ‬وشائكة،‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الجافل‭ ‬عن‭ ‬القطيع،‭ ‬القطيع‭ ‬هذه‭ ‬المفردة‭ ‬التي‭ ‬سيرددها‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬مداخلاته‭ ‬كثيرا،‭ ‬وسيظهر‭ ‬نفسه‭ ‬كمتمرد‭ ‬يلبس‭ ‬‭(‬الجينز‭ ‬والتّي‭ ‬شرت‭)‬،‭ ‬وينظر‭ ‬بغضب‭ ‬لقطيع‭ ‬السلطان‭ ‬وسيضع‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬السلة‭ ‬كل‭ ‬النخبة‭ ‬الليبية‭ ‬‭-‬وحتى‭ ‬العربية‭-‬‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬مستثنيا‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬مريديه‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬وعامة‭ ‬الناس‭.‬

لقد‭ ‬تبوأ‭ ‬مبكرا‭ ‬مركزا‭ ‬مميزا‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬حين‭ ‬نالته‭ ‬الشهرة‭ ‬فغدا‭ ‬بسلطة‭ ‬الفكر‭ ‬رأسا‭ ‬حاسرا‭ ‬ينال‭ ‬مراده‭ ‬بجمهوره‭ ‬الكثير،‭ ‬ولهذا‭ ‬أفصح‭ ‬عن‭ ‬عداء‭ ‬لأعداء‭ ‬افترضهم‭ ‬ومنحهم‭ ‬هذا‭ ‬الدور؛‭ ‬هم‭ ‬النخبة‭ ‬خاصة‭ ‬السياسية‭ ‬منها‭ ‬وكان‭ ‬رأس‭ ‬شيطانها‭ ‬اليسار‭ ‬بالمعني‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬قوميين‭ ‬ناصريين‭ ‬وبعثيين‭ ‬ووطنيين‭ ‬وشباب‭ ‬يشده‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بحكم‭ ‬المرحلة‭ ‬يساري‭ ‬الطابع‭.‬

كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مخلصا‭ ‬للعلاقة‭ ‬التاريخية‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬والسلطة‭ ‬كان‭ ‬فعل‭ ‬النيهوم‭ ‬ككاتب‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة،‭ ‬كذلك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬والقارئ‭ ‬الذي‭ ‬يستمد‭ ‬منه‭ ‬الكاتب‭ ‬سلطته‭ ‬خاصة‭ ‬متى‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نجم‭ ‬غاية‭ ‬غايات‭ ‬أغلب‭ ‬الكتاب‭ ‬لكن‭ ‬النيهوم‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭ ‬منهم‭ ‬كان‭ ‬النجم‭. ‬وكان‭ ‬الكاتب‭ ‬البارع‭ ‬والمبدع‭ ‬المميز‭.‬

ظاهرة‭ ‬النيهوم

لم‭ ‬يكُن‭ ‬النيهوم‭ ‬ظاهرة‭ ‬وحدها‭ ‬حين‭ ‬خرج‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬بتمرده‭ ‬وأفكاره‭ ‬الجريئة،‭ ‬فجيلُ‭ ‬الستينات‭ ‬‭-‬جيله‭-‬‭ ‬جيلُ‭ ‬التمرد‭ ‬والعبث‭ ‬واللامعقول‭ ‬والثورات‭ ‬والهيبز‭ ‬والبتلز،‭ ‬والذي‭ ‬يأتي‭ ‬ولا‭ ‬يأتي‭ ‬والهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬5‭ ‬يونيو،‭ ‬وكان‭ ‬آنذاك‭ ‬اليسار‭ ‬الفرويدي‭ ‬مُتسيّدا‭ ‬جبهة‭ ‬الفكر‭ ‬الإعلامية‭: ‬هربرت‭ ‬ماركوز‭ ‬وإريك‭ ‬فروم‮…‬‭ ‬الخ،‭ ‬وكان‭ ‬اللامنتمي‭ ‬صرعة‭ ‬اللحظة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬صحفي‭ ‬نابه‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أيقونةٍ‭ ‬للشباب‭ ‬الناقم‭ ‬يدعى‭ ‬كولن‭ ‬ولسون‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬سلم‭ ‬زمامهُ‭ ‬للأفكار‭ ‬وحاملها‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬وتحولت‭ ‬الصُحف‭ ‬إلى‭ ‬أسفار‭ ‬أنبياء‭ ‬العصر‭: ‬ماركس‭ ‬وفرويد‭ ‬ودارون‮…‬‭ ‬لقد‭ ‬قفز‭ ‬إنسانُ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬قرد‭ ‬إلى‭ ‬سيدِ‭ ‬الكون،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طال‭ ‬غاغارين‭ ‬الفضاء‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬بدأ‭ ‬ما‭ ‬سمّي‭ ‬‮«‬بنكسة‭ ‬حزيران‮»‬‭ ‬يقظة‭ ‬الهزيمة‭ ‬لهذا‭ ‬تزامنتْ‭ ‬وتراصت‭ ‬الشيوعية‭ ‬والوجودية‭ ‬والأفكار‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬سلةِ‭ ‬اليوم‭ ‬الصحفية،‭ ‬لعلنا‭ ‬نذكر‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬كتاب‭ ‬جلال‭ ‬العظم‭ ‬عن‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬من‭ ‬ضجة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬صباح‭ ‬الخير‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُفسر‭ ‬القرآن‭ ‬تفسيراً‭ ‬علمياً‭ ‬علي‭ ‬يد‭ ‬كاتب‭ ‬طبيب‭ ‬عُرف‭ ‬بكتابته‭ ‬القصة‭ ‬حتى‭ ‬ظهوره‭ ‬مُفسرا‭ ‬قرآنيا‭ ‬فجاءةً‭ ‬وهو‭ ‬الدكتور‭ ‬مصطفي‭ ‬محمود‭. ‬لقد‭ ‬تأبط‭ ‬النيهوم‭ ‬كتابه‭ ‬بقوة‭ ‬المرقون‭ ‬بروح‭ ‬العصر،‭ ‬وبدأ‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬بسخطٍ‭ ‬وبسخرية،‭ ‬وبحكم‭ ‬تواجده‭ ‬في‭ ‬هلسنكي‭ ‬اتخذ‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬هدفا‭ ‬لنقمته‭ ‬التي‭ ‬بدورها‭ ‬شتت‭ ‬ذهنه‭ ‬وفاعليته،‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬كاتباً‭ ‬صحفيا‭ ‬لجريدة‭ ‬محلية‭ ‬مُلزما‭ ‬بكتابةِ‭ ‬مقالةٍ‭ ‬أسبوعية،‭ ‬هكذا‭ ‬وقع‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬أسر‭ ‬الطريقة‭ ‬الناجحة‭ ‬والمجربة‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور؛‭ ‬بهذا‭ ‬صار‭ ‬‮«‬‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬الأسر‮»‬‭.‬

يكتبُ‭ ‬ويُترجم‭ ‬‭-‬دون‭ ‬ذكر‭ ‬مصادره‭-‬‭ ‬ويرسُم،‭ ‬يكتبُ‭ ‬التقارير‭ ‬الصحفية‭ ‬والمقالة‭ ‬النثرية‭ ‬الساخرة‭ ‬المُطعمة‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬أمدلله‭ ‬التي‭ ‬تتعاطى‭ ‬الشعوذة،‭ ‬ونتاشا‭ ‬التي‭ ‬تتعاطى‭ ‬الفودكا،‭ ‬فيما‭ ‬الحاج‭ ‬الزروق‭ ‬المُتكئ‭ ‬على‭ ‬التكية‭ ‬يغمزها‭.‬

هكذا‭ ‬سوّقَ‭ ‬النيهوم‭ ‬نفسهُ‭ ‬ككاتبٍ‭ ‬صحفي،‭ ‬مشغولٍ‭ ‬بالشخصياتِ‭ ‬المحليةِ‭ ‬البسيطة‭ ‬وكرجلِ‭ ‬فكرٍ‭ ‬يهتمُ‭ ‬بقضايا‭ ‬تُشكل‭ ‬ذهنية‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الدينُ‭ ‬أبرز‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬أثارتها‭ ‬فترة‭ ‬الستينيات‭ ‬خاصة‭ ‬عقب‭ ‬الهزيمة‭ ‬العربية‭ ‬أمام‭ ‬دولة‭ ‬اليهود‭! ‬كتب‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الدينية‭ ‬الشائكة،‭ ‬وقضايا‭ ‬المرأة‭ ‬بجرأةٍ‭ ‬وقليلٍ‭ ‬من‭ ‬التمحيص‭ ‬والدقة‭ ‬ودون‭ ‬مرجعية‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬منهج،‭ ‬ولهذه‭ ‬الاعتبارات‭ ‬المُثيرة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬الكاتب‭ ‬والصحفي‭ ‬النجم‭ ‬تساوق‭ ‬النيهوم‭ ‬وسُلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬لقد‭ ‬حوّل‭ ‬المُشكل‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬ثقافية‭ ‬اجتماعية‭ ‬فيما‭ ‬كانت‭ ‬النخبة‭ ‬جملة‭ ‬بعقائدها‭ ‬المختلفة‭ ‬تركزُ‭ ‬المُشكل‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬وُصمت‭ ‬بالرجعية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخري‭ ‬باللاإسلامية،‭ ‬ومن‭ ‬ثالثة‭ ‬بالمُرتهنة‭ ‬للدوائرِ‭ ‬الامبريالية‭. ‬لقد‭ ‬تسلطت‭ ‬كُل‭ ‬الأضواءِ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المُختلف‭ ‬الذي‭ ‬عُد‭ ‬كظاهرة‭.‬

النيهوم‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬أنه‭ ‬كاتب‭ ‬غير‭ ‬سياسي‭ ‬ستكون‭ ‬علاقته‭ ‬بالسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬مشتبكة‭ ‬وشائكة،‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الجافل‭ ‬عن‭ ‬القطيع،‭ ‬القطيع‭ ‬هذه‭ ‬المفردة‭ ‬التي‭ ‬سيرددها‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬مداخلاته‭ ‬كثيرا،‭ ‬وسيظهر‭ ‬نفسه‭ ‬كمتمرد‭ ‬يلبس‭ ‬‭(‬الجينز‭ ‬والتّي‭ ‬شرت‭)‬،‭ ‬وينظر‭ ‬بغضب

النيهوم‭ ‬الفنان

لكن‭ ‬النيهوم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬برجلِ‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬تلك‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬النيهوم‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬وحتى‭ ‬بعده‭ ‬الفنان‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موهبة‭ ‬الفنان‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رصيده،‭ ‬ولكن‭ ‬شكل‭ ‬وأسلوب‭ ‬الفنان‭ ‬كان‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد،‭ ‬كفردٍ‭ ‬صبغ‭ ‬جسدهُ‭ ‬وسلوكهُ‭ ‬بروحِ‭ ‬الفنان،‭ ‬وكمبدعٍ‭ ‬نمّى‭ ‬موهبتهُ‭ ‬بدأبٍ‭ ‬ودون‭ ‬كلل‭.‬

المُتأمل‭ ‬لجملةِ‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬كتاباتِه‭ ‬سيجدها‭ ‬جملةً‭ ‬تصدعُ‭ ‬بروح‭ ‬الفنان،‭ ‬فهي‭ ‬جملة‭ ‬كافية‭ ‬ومُكتفية،‭ ‬نابضة‭ ‬وحيوية،‭ ‬وماكرة‭ ‬لدرجة‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬يكتبُ‭ ‬رموزاً‭ ‬‭-‬عند‭ ‬عامة‭ ‬قُرائه‭ ‬‭-‬وأنه‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬لتأويلٍ‭ ‬وتفسيرٍ‭ ‬مُطّردين‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬الأخرى‭ ‬ردد‭ ‬قراؤهُ‭ ‬أولئك‭ ‬جُملهُ‭ ‬كما‭ ‬حكم‭ ‬ومحفوظات‭.‬

وقبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬المقالةَ‭ ‬السرديةَ‭ ‬صيغةً‭ ‬يحُوكُها‭ ‬لمُقتضى‭ ‬الحال،‭ ‬أحياناً‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المقالةُ‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬لكن‭ ‬صيغة‭ ‬السرد‭ ‬والسريالية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬المقالة‭ ‬عند‭ ‬المتلقي‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬أحاجي‭ ‬ورموزا‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المقالات‭ ‬أثارت‭ ‬لغطاً‭ ‬عند‭ ‬تأويلها‭ ‬بأنها‭ ‬تمس‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تمس‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬أو‭ ‬مُسلمات‭ ‬ما‭.‬

هكذا‭ ‬كان‭ ‬النيهوم‭ ‬فناناً‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬خاص‭ ‬لعلهُ‭ ‬استفاد‭ ‬من‭ ‬فن‭ ‬الشطح‭ ‬الصُوفي‭ ‬المحلي‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الإيهام؛‭ ‬لأن‭ ‬مقالاته‭ ‬وجلّ‭ ‬ما‭ ‬اطلعنا‭ ‬عليه‭ ‬مما‭ ‬كتب‭ ‬لا‭ ‬يُدلل‭ ‬على‭ ‬صلةٍ‭ ‬وثيقةٍ‭ ‬بالنتاج‭ ‬الصوفي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬المعروف‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬النتاج‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تحوّل‭ ‬على‭ ‬يدي‭ ‬مريديه‭ ‬إلى‭ ‬فنون‭ ‬في‭ ‬الزوايا‭ ‬والتكايا،‭ ‬واللغة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النتاج‭ ‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬مُموّهة‭ ‬ومُحمّلة‭ ‬بمستوياتٍ‭ ‬عدة‭ ‬من‭ ‬الترميز‭ ‬والدلالة‭.‬

هكذا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬خاص‭ ‬فلقد‭ ‬تنبه‭ ‬للغةِ‭ ‬المحكية‭ ‬كلهجة‭ ‬عامية،‭ ‬وكمُصطلحات‭ ‬ثقافية‭ ‬وفنية،‭ ‬وكما‭ ‬أشرت‭ ‬أنه‭ ‬استخلص‭ ‬أسلوبهُ‭ ‬من‭ ‬عدةِ‭ ‬أساليب‭ ‬فإنه‭ ‬أولى‭ ‬اللغةَ‭ ‬منزلة‭ ‬المنازل‭ ‬في‭ ‬شُغلهِ‭ ‬وفكرهِ‭ ‬معا‭.‬

لقد‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬فنلندا‭ ‬فترة‭ ‬شبابه‭ ‬العشرينية،‭ ‬وكان‭ ‬يُطالع‭ ‬بالإنكليزية،‭ ‬ويكتبُ‭ ‬بالعربية‭ ‬ويتحدث‭ ‬بعاميةِ‭ ‬مدينته‭ ‬بنغازي‭ ‬الستينية‭ ‬حتى‭ ‬وفاته‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بمُكنة‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬الفنان‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الخلائط‭ ‬عجينةً‭ ‬واحدةً‭ ‬مصبوغةً‭ ‬بروحِ‭ ‬الفن‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تومئ،‭ ‬و‭ ‬تومئ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُشير‭ ‬وتصمت‭ ‬كي‭ ‬تتكلم‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الفنان‭ ‬وضع‭ ‬تضاريسه‭ ‬الخاصة‭ ‬ذات‭ ‬الطبع‭ ‬المُستقل‭ ‬عن‭ ‬محيطها،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬مربوطةً‭ ‬به‭ ‬بالعُروة‭ ‬الوثقى،‭ ‬تجانب‭ ‬هو‭ ‬وقراؤه‭ ‬والصحيفة‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬وما‭ ‬يرغب‭ ‬والدولة،‭ ‬لكن‭ ‬ككاتب‭ ‬محلي‭ ‬كانت‭ ‬تعوزه‭ ‬سُلطة‭ ‬الذات‭ ‬المنفقة‭ ‬من‭ ‬احتياجاتٍ‭ ‬أولية،‭ ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬مأسوراً‭ ‬لهذه‭ ‬الحاجات؛‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العوز‭ ‬تحاذى‭ ‬والسلطة‭ ‬السياسية‭ ‬دوم‭ ‬حياته‭ ‬لكن‭ ‬بشروط‭ ‬روح‭ ‬الفنان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ديدن‭ ‬الروح‭.‬

بعد‭ ‬بحثه‭ ‬الأولي‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬القرآن‭ ‬تيمم‭ ‬بالفن،‭ ‬واتخذ‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬محرابه‭ ‬فكانت‭ ‬روايته‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬أثارت‭ ‬‭-‬أيضا‭-‬‭ ‬لغطاً‭ ‬محلياً؛‭ ‬منهُ‭ ‬أن‭ ‬الشاعرَ‭ ‬علي‭ ‬الفزاني‭ ‬صرحَ‭ ‬في‭ ‬حوارٍ‭ ‬معهُ‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬بحاجةٍ‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬كي‭ ‬تُفهم،‭ ‬ومنه‭ ‬أن‭ ‬بطل‭ ‬الرواية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬قد‭ ‬رسم‭ ‬شخصية‭ ‬والد‭ ‬أسرة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بنغازي‭ ‬حيث‭ ‬تقع‭ ‬بعض‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الصحفي‭ ‬رشاد‭ ‬الهوني‭ ‬يعمل‭ ‬بجهده‭ ‬المتميز‭ ‬لترويج‭ ‬كتاباتِ‭ ‬نجمِ‭ ‬‮«‬الحقيقة‮»‬‭ ‬‭-‬صحفيته‭ ‬‭-‬‭: ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭.‬

لوحة: بهرام حاجو

‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هُنا‮»‬‭ ‬الشخصية‭ ‬الرئيسة‭ ‬فيها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الشخصية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬عربية‭ ‬تقع‭ ‬أحداثُها‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬العرب‭ ‬التي‭ ‬بطلها‭ ‬زنجي،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬الرواية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تثيرُ‭ ‬مسألة‭ ‬اللون‭ ‬في‭ ‬اشتباكٍ‭ ‬مع‭ ‬مسألةِ‭ ‬الدين،‭ ‬وفي‭ ‬قريةٍ‭ ‬ساحلية‭ ‬فترة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإيطالي،‭ ‬وتُمارس‭ ‬الشخصية‭ ‬الصيد‭ ‬البحري،‭ ‬لقد‭ ‬دخلت‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬نسيجٍ‭ ‬شائكٍ‭ ‬ومتصدعٍ،‭ ‬وفي‭ ‬شبكةٍ‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتخللها‭ ‬السردُ‭ ‬بعد‭.‬

أيقونة‭ ‬النيهوم‭ ‬مَسُّ‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُمسّ‭ ‬بعد

من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا

الروائي‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬والمسألة‭ ‬الدينية

اتخذ‭ ‬النيهوم‭ ‬منذ‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬مسارا‭ ‬نوعيا‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬تجربته‭ ‬الإبداعية،‭ ‬حيث‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيما‭ ‬قبل‭ ‬يستخدمها‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬كتاباته‭ ‬المتنوعة،‭ ‬بهذه‭ ‬الرواية‭ ‬سيبدأ‭ ‬مسارا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬وكده‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬للأطفال،‭ ‬وكما‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الكتابين‭ ‬يمثلان‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مساره‭ ‬الإبداعي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الحيوانات‮»‬‭ ‬فالرواية‭ ‬تستمد‭ ‬روحها‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬1984‮»‬‭ ‬و‮»‬القرود‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬للحيوانات،‭ ‬وسردية‭ ‬النيهوم‭ ‬تحتاج‭ ‬مبحثا‭ ‬خاصا‭ ‬لكننا‭ ‬هنا‭ ‬نتناولها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مبحثنا‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬الفكري‭ ‬المحض‭.‬

وفي‭ ‬الرواية‭ ‬سيتخذ‭ ‬من‭ ‬السرد‭ ‬طريقة‭ ‬لطرح‭ ‬أفكاره‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية،‭ ‬كمنظر‭ ‬متخذ‭ ‬المنهج‭ ‬التأويلي‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة،‭ ‬وسيكون‭ ‬السرد‭ ‬استعادة‭ ‬للأساليب‭ ‬القديمة‭ ‬للحكي‭ ‬ولكن‭ ‬بروح‭ ‬جديدة‭ ‬تجعل‭ ‬الغرض‭ ‬البيّن‭ ‬ضمن‭ ‬المسار‭ ‬الدرامي‭ ‬لهذا‭ ‬الحكي‭. ‬وبهذا‭ ‬فإن‭ ‬النيهوم‭ ‬سارد‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬المتنبهين‭ ‬للفن‭ ‬وأساليبه؛‭ ‬بحيث‭ ‬أن‭ ‬السردية‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬ستكون‭ ‬المستهدف‭ ‬الأساس‭ ‬وأنها‭ ‬بنية‭ ‬العمل‭ ‬فيما‭ ‬موضوعه‭ ‬نسيج‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭.‬

لكن‭ ‬التيمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬تظل‭ ‬مركزية؛‭ ‬إن‭ ‬الشخوص‭ ‬الروائية‭ ‬تلبس‭ ‬لبوس‭ ‬الفكرة‭ ‬المراد‭ ‬صياغتها‭ ‬ضمن‭ ‬البنية‭ ‬السردية،‭ ‬إن‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬زنجي‭ ‬محنك‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬زنوجته‭ ‬أيقونة‭ ‬للوجود؛‭ ‬وجوده‭ ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬وإن‭ ‬الراوي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الزنجي‭ ‬معاركا‭ ‬شرسا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفكرة‭ ‬الدينية‭ ‬والمسألة‭ ‬العنصرية،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬نبيا‭ ‬جديدا‭ ‬يبشر‭ ‬برؤيا‭ ‬وليس‭ ‬برؤية‭ ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬المسألتين‭.‬

وينسج‭ ‬النيهوم‭ ‬شخصيته‭ ‬بتؤدة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يبدو‭ ‬كمسرح‭ ‬أو‭ ‬صالة‭ ‬عرض؛‭ ‬حيث‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬هي‭ ‬الإنسان،‭ ‬فإن‭ ‬الطبيعة‭ ‬المنتقاة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬الأرض؛‭ ‬إن‭ ‬قرية‭ ‬سوسة‭ ‬البحرية‭ ‬تجمع‭ ‬اليابسة‭ ‬والبحر‭ ‬والجبل‭ ‬والمعاش‭ ‬فيها‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ينتج‭ ‬البحر،‭ ‬لذا‭ ‬سوسة‭ ‬رحم‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬عند‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬الصياد‭ ‬أما‭ ‬صيد‭ ‬السلاحف‭ ‬‭(‬‭ ‬الفكارين‭ ‬باللهجة‭ ‬المحلية‭ ‬لسكان‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬سوسة‭)‬‭ ‬فهو‭ ‬المسألة‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬التي‭ ‬تنسج‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصياد‭ ‬الطبال‭ ‬وشخصية‭ ‬فقيه‭ ‬القرية‭ ‬الناطق‭ ‬بسم‭ ‬المقدس،‭ ‬الفقيه‭ ‬من‭ ‬يجرّ‭ ‬خلفه‭ ‬سكان‭ ‬القرية‭ ‬المحليين‭ ‬‭(‬القرية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬تضاريس‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لكن‭ ‬الرواية‭ ‬غير‭ ‬معنية‭ ‬بذلك‭)‬،‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬صاحبة‭ ‬المطعم‭ ‬الإيطالية‭ ‬من‭ ‬يزودها‭ ‬الطبال‭ ‬بهذه‭ ‬السلاحف‭ ‬كي‭ ‬تقدمها‭ ‬لزبائنها‭ ‬الإيطاليين‭.‬

‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬رواية‭ ‬الشخصية‭ ‬المتفردة؛‭ ‬نجد‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كما‭ ‬بطل‭ ‬تراجيدي‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬براثن‭ ‬قدر‭ ‬محبوك؛‭ ‬المقدس‭ ‬فيه‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬تفسيره‭ ‬التقليدي‭ ‬للدين‭ ‬وكذا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأساطير‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬مرجعيتها‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬للمقدس‭. ‬في‭ ‬صيد‭ ‬السلاحف‭ ‬يجد‭ ‬الطبال‭ ‬قوته‭ ‬الثمين‭ ‬حيث‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬هكذا‭ ‬صيد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬التوفير‭ ‬لشراء‭ ‬ماكينة‭ ‬لقاربه،‭ ‬وبهذا‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬غور‭ ‬البحر‭ ‬ومصارعة‭ ‬جنونه‭ ‬والتمكن‭ ‬من‭ ‬صيد‭ ‬سلاحف‭ ‬وفير،‭ ‬هذه‭ ‬الماكينة‭ ‬يملكها‭ ‬إيطالي‭ ‬يعرضها‭ ‬للبيع‭.‬

تجد‭ ‬الشخصية‭ ‬التراجيدية‭ ‬أنها‭ ‬محكومة‭ ‬بالمطرقة‭ ‬والسندان‭: ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬يلتهم‭ ‬الصبي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يرجع‭ ‬فيه‭ ‬الفقيه‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬غضب‭ ‬الله‭ ‬لاختراق‭ ‬سننه‭ ‬وصيد‭ ‬السلاحف‭ ‬المباركة،‭ ‬والزوجة‭ ‬زوجة‭ ‬الطبال‭ ‬التي‭ ‬تحلم‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬بأداء‭ ‬فريضة‭ ‬الحج‭.‬

لقد‭ ‬أعد‭ ‬النيهوم‭ ‬شخصيته‭ ‬بقوة‭ ‬بُنية‭ ‬وعناد‭ ‬رأس‭ ‬وأفكارٍ‭ ‬محمومة،‭ ‬كي‭ ‬تطفئ‭ ‬حُمّى‭ ‬الطبيعة‭ ‬والبشر‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬آل‭ ‬الطبال‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬لغتهم‭ ‬ودينهم‭ ‬ومن‭ ‬عليه‭ ‬اتباعهم،‭ ‬رغم‭ ‬زنجيّته‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬على‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬طرفي‭ ‬القرية‭: ‬السكان‭ ‬المحليون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬والإيطاليون‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

بهذا‭ ‬تظهر‭ ‬شخصية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬مفارقة‭: ‬القوت‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬للإيطاليين،‭ ‬والحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬محليا‭ ‬متمردا،‭ ‬كذا‭ ‬فهو‭ ‬بهذا‭ ‬التمرد‭ ‬يواجه‭ ‬المقدس‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مؤول‭ ‬محليا‭.‬

النيهوم‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الطبال‭ ‬شخصية‭ ‬الرواية‭ ‬أو‭ ‬يجعله‭ ‬الرواية‭ ‬بالمرة؛‭ ‬فبقية‭ ‬الشخصيات‭ ‬تثير‭ ‬مسائل‭ ‬في‭ ‬حلّ‭ ‬منها‭ ‬شخصية‭ ‬الطبال‭ ‬الذي‭ ‬وجوده‭ ‬كما‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬لتأويل،‭ ‬ولعله‭ ‬لهذا‭ ‬جعل‭ ‬علاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬بالطبيعة‭ ‬أوتد،‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬مسعود‭ ‬نفسه‭ ‬شخصية‭ ‬مائية‭ ‬وطيد‭ ‬المعرفة‭ ‬والوجدان‭ ‬بالبحر‭.‬

وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬فإن‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كأول‭ ‬زنجي‭ ‬بطل‭ ‬لرواية‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬علمنا،‭ ‬قد‭ ‬جعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬تنسج‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬لهذا‭ ‬تحررت‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬تراث‭ ‬سردي‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬السردي‭ ‬باستثناء‭ ‬معروف‭ ‬هو‭ ‬الملحمة‭ ‬الأسطورية‭: ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭. ‬لعل‭ ‬الروائي‭ ‬عند‭ ‬الصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬قد‭ ‬طال‭ ‬لاوعيه‭ ‬الروائي‭ ‬هذه‭ ‬الأسطورة‭ ‬فتماس‭ ‬معها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستعيدها،‭ ‬لأننا‭ ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬الزنجي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬منسوج‭ ‬الحكي‭ ‬التراثي‭ ‬قوي‭ ‬البنية‭ ‬جسورا‭ ‬ويغرد‭ ‬مع‭ ‬البحر‭ ‬خارج‭ ‬السرب‭.‬

‭ ‬الزنجي‭ ‬البطل‭ ‬اللامنتمي

النيهوم‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬نتاجه‭ ‬الفكري‭ ‬اهتمامه‭ ‬المركز‭ ‬بالمسألة‭ ‬الدينية؛‭ ‬لعل‭ ‬هذا‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬التيمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭: ‬ثمة‭ ‬قيم‭ ‬تقليدية‭ ‬راسخة‭ ‬تتمظهر‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أساطير‭ ‬وخراريف‭ ‬تراثية‭ ‬شعبية،‭ ‬الناطق‭ ‬الرسمي‭ ‬بها‭ ‬فقيه‭ ‬القرية،‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬بتطرف‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬العراك‭ ‬الجسدي‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال،‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬المتحقق‭ ‬أن‭ ‬الآلة‭ ‬‭(‬الماكينة‭)‬‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬الإيطالي‭ ‬هي‭ ‬الحل‭ ‬لمسألة‭ ‬المعاش،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬السلاحف‭ ‬ليست‭ ‬مباركة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬كذلك‭ ‬فهي‭ ‬جديرة‭ ‬بتوفير‭ ‬الحياة‭ ‬لبني‭ ‬آدم،‭ ‬أما‭ ‬حج‭ ‬زوجة‭ ‬الطبال‭ ‬فقد‭ ‬مثل‭ ‬مسألة‭ ‬إثقال‭ ‬كفة‭ ‬الميزان‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬الطبال‭.‬

ليست‭ ‬الرواية‭ ‬رواية‭ ‬أحداث‭ ‬قدر‭ ‬مّا،‭ ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬الشخصية‭ ‬فالمنولوج‭ ‬لُحمة‭ ‬الرواية،‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬هو‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬المفرد‭ ‬المتفرد‭ ‬الذي‭ ‬كصياد‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وحيدا،‭ ‬ولا‭ ‬زمان‭ ‬له‭ ‬غير‭ ‬الزمن‭ ‬الذاتي،‭ ‬وزمن‭ ‬الطبيعة‭ ‬البحرية‭ ‬ما‭ ‬تعني‭ ‬الشمس‭ ‬في‭ ‬شروقها‭ ‬وغروبها،‭ ‬وكأنما‭ ‬الطبال‭ ‬يعطي‭ ‬بظهره‭ ‬لزمن‭ ‬الناس‭ ‬بانشغاله‭ ‬بالبحر‭ ‬وعراكه‭ ‬ومناجاته‭.‬

لذا‭ ‬سوسة‭ ‬قرية‭ ‬كونية‭ ‬دائرتها‭ ‬المكان‭/‬الطبيعة‭ ‬ومركزها‭ ‬الزمن‭: ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬ويضطرم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭.‬

هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬مركز‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬وأفكاره‭ ‬وما‭ ‬يجيش‭ ‬بنفسه‭ ‬هو‭ ‬وجوده،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬يستمد‭ ‬الطبال‭ ‬تمرّده‭ ‬وتستمد‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التمرد‭ ‬نسجها،‭ ‬بالتالي‭ ‬تبدو‭ ‬أفكار‭ ‬النيهوم‭ ‬حول‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬ومنهجها‭ ‬التأويلي‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فهي‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬الرواية،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬بدأت‭ ‬الرواية‭ ‬رواية‭ ‬أفكار‭ ‬لكن‭ ‬خباء‭ ‬السرد‭ ‬المحكم‭ ‬جعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬السرد‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬مرجعية‭ ‬الراوي‭ ‬المتفكّر‭ ‬في‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭.‬

رغم‭ ‬ذلك‭ ‬تثقل‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬كعادة‭ ‬النيهوم‭-‬‭ ‬بذهنية‭ ‬المتفكر؛‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬شخصية‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬متمردا‭ ‬وجوديا‭ ‬يصوغ‭ ‬نفسه‭ ‬كمنولوج‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الرواية،‭ ‬وهو‭ ‬قلب‭ ‬الرواية‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬مكان‭ ‬الرواية‭/‬قرية‭ ‬سوسة‭ ‬هو‭ ‬هامشي‭.‬

لقد‭ ‬جعلت‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬شخصيتها‭ ‬مثل‭ ‬نخبوي‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬أفكاره‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬صيادا‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬صيده،‭ ‬ومسكوت‭ ‬الرواية‭ ‬هذا‭ ‬منطوقها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المرجعية‭ ‬الفكرية‭ ‬للروائي‭ ‬التي‭ ‬تتخفى‭ ‬بالضرورة‭ ‬بالسردية؛‭ ‬فنحن‭ ‬نتلقى‭ ‬نتاجا‭ ‬روائيا‭ ‬مسرودا‭ ‬بحكمة‭ ‬الفنان‭ ‬لا‭ ‬بفن‭ ‬الحكيم،‭ ‬وتتجلى‭ ‬في‭ ‬استنطاق‭ ‬مجمل‭ ‬الرواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭.‬

وكما‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬ليست‭ ‬رواية‭ ‬أحداث،‭ ‬نؤكد‭ ‬أن‭ ‬اختزال‭ ‬الحدث‭ ‬قد‭ ‬مركز‭ ‬الشخصية‭ ‬وجعل‭ ‬المنولوج‭ ‬مركز‭ ‬البنية‭ ‬السردية،‭ ‬هذا‭ ‬أعطى‭ ‬السرد‭ ‬مكنة‭ ‬طرح‭ ‬الأفكار‭ ‬وتداعيها،‭ ‬فالشخصية‭ ‬الروائية‭/‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬عرض‭ ‬وطول‭ ‬الرواية‭ ‬يعيش‭ ‬وحيدا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬سرير‭ ‬الزوجية‭ ‬ثمة‭ ‬جدار‭ ‬بينه‭ ‬وزوجه‭ ‬الحالمة‭ ‬بالحج‭. ‬والوقائع‭ ‬المسرودة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬المقدس‭ ‬مسألة‭ ‬تحكم‭ ‬العلائق‭ ‬في‭ ‬الفعل‭ ‬الروائي‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية،‭ ‬أما‭ ‬الرتابة‭ ‬روح‭ ‬القرية‭ ‬البحرية‭ ‬فهي‭ ‬ما‭ ‬تركز‭ ‬مسألة‭ ‬المقدس‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬تصيد‭ ‬الطبال‭ ‬للسلاحف‭ ‬المباركة‭ ‬تهديدا‭ ‬لقرية‭ ‬تعيش‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬جوع،‭ ‬البحر‭ ‬جواد‭ ‬فالسمك‭ ‬يسدّ‭ ‬الرمق‭. ‬ومسألة‭ ‬الماكينة‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الكفاف‭ ‬يهدد‭ ‬هكذا‭ ‬حياة،‭ ‬لقد‭ ‬صار‭ ‬الطبال‭ ‬خارجا‭ ‬عن‭ ‬الناموس‭ ‬عدوّ‭ ‬لله‭ ‬عدوهم،‭ ‬وكزنجي‭ ‬كان‭ ‬وجوده‭ ‬مفردا‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬استمدت‭ ‬الشخصية‭ ‬الروائية‭ ‬مركزها‭ ‬كشخصية‭ ‬الرواية‭.‬

وهذا‭ ‬الصراع‭ ‬البيّن‭ ‬الفاعل‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬الأخرى‭ ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬الإيطالية‭ ‬كخلفية‭ ‬لهذا‭ ‬الصراع‭ ‬المحموم‭ ‬بين‭ ‬طموح‭ ‬الطبال‭ ‬وحمى‭ ‬المقدس‭ ‬عند‭ ‬آل‭ ‬القرية‭ ‬المحليين،‭ ‬فيما‭ ‬الماكينة‭-‬موتور‭ ‬القارب‭ ‬المحرك‭ ‬للصراع‭ ‬كامن‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬كطرف‭ ‬غائب،‭ ‬والحديث‭ ‬حوله‭ ‬عابر‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬أحداث‭ ‬الرواية‭.‬

وكما‭ ‬تنقسم‭ ‬سوسة‭ ‬بين‭ ‬شخصية‭ ‬الطبال‭ ‬المركزية‭ ‬وشخصية‭ ‬الفقيه‭ ‬تحوك‭ ‬الرواية‭ ‬نسيجها‭ ‬السردي،‭ ‬ويوضح‭ ‬النيهوم‭ ‬تراجيديا‭ ‬شخصيته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬يعانيه‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬منولوجه‭ ‬وأحلامه‭ ‬وأحلام‭ ‬زوجه‭.‬

إذن‭ ‬المسألة‭ ‬الدينية‭ ‬هنا‭ ‬تندسّ‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الشخصية‭ ‬الداخلي‭ ‬وتفجر‭ ‬وجدانه‭ ‬وتشظّي‭ ‬نفسه‭.‬

‭-‬‭ ‬هل‭ ‬الطبال‭ ‬عبد‭ ‬مارق‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفقيه‭: ‬يقول‭ ‬الطبال‭ ‬لنفسه؟

الروائي‭ ‬جرّد‭ ‬أحداث‭ ‬روايته‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬وجعل‭ ‬طرف‭ ‬الميكنة‭ ‬كما‭ ‬طرف‭ ‬أجنبي‭ ‬يثير‭ ‬المسألة‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬جزءًا‭ ‬داخليا‭ ‬منها،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الإيطاليين‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬شخصيات‭ ‬ثانوية‭ ‬رغم‭ ‬مركزيتها‭.‬

Mالرواية‭ ‬تنتهي‭ ‬وقد‭ ‬فشل‭ ‬مسعود‭ ‬الطبال‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مشروعه،‭ ‬لكن‭ ‬يبقي‭ ‬في‭ ‬مسرود‭ ‬الرواية‭ ‬‭-‬عند‭ ‬القارئ‭ ‬الحصيف‭-‬‭ ‬كمشروع،‭ ‬وفي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬هنا‮»‬‭ ‬يكشف‭ ‬النيهوم‭ ‬عن‭ ‬جدارته‭ ‬بإثارة‭ ‬مسألة‭ ‬كالمسألة‭ ‬الدينية‭ ‬كسارد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬ثقل‭ ‬مسألة‭ ‬كهذه‭.‬

إن‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬تناولناها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مبحث‭ ‬خاص،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬البحث‭ ‬قد‭ ‬وضحت‭ ‬أن‭ ‬المفكرين‭ ‬مثل‭ ‬النيهوم‭ ‬كما‭ ‬الشخصيات‭ ‬المتمردة‭ ‬والثائرة‭ ‬التباسية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومن‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬مثيرة‭ ‬عواصف‭ ‬ذهنية‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬واقعية‭.‬

هناك ﻧﻘﻄﺔ ﺳﻮﺩﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺗﺎﺭﻳﺨﻪ .

معلومات تهمك يا مواطن

هناك ﻧﻘﻄﺔ ﺳﻮﺩﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺣﻖ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺗﺎﺭﻳﺨﻪ ..
• ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﻣﺬﺑﺤﺔ ﺑﻮﺳﻠﻴﻢ ﻭﺃﻋﺪﺍﻣﺎﺕ 7 ﺍﺑﺮﻳﻞ ﻭﻃﺎﺋﺮﺓ ﺑﻨﻐﺎﺯﻱ ﺍﻟﻤﻨﻜﻮﺑﺔ ﻭﺃﻃﻔﺎﻝ ﺍﻷﻳﺪﺯ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻏﺘﺼﺎﺏ ﺃﻣﻼﻙ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﺴﺎﻛﻨﻪ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻟﻤﻦ ﻳﻘﻮﺩﻫﺎ ﻭﺍﻷﺭﺽ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻠﻜﺎ ﻷﺣﺪ،
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺩﻭﻟﺔ ﻧﻔﻄﻴﺔ ﺍﺭﺑﻌﻴﻦ ﺳﻨﺔ ﺑﺪﻭﻥ ﻗﻨﺎﺓ ﻓﻀﺎﺋﻴﺔ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ ﺃﻭ ﻣﻠﻌﺐ ﺩﻭﻟﻲ ﻣﺤﺘﺮﻡ ﺃو ﻗﺎﻋﺔ ﻣﺴﺮﺡ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ ﺃﻭ ﺷﺮﻛﺔ ﻃﻴﺮﺍﻥ ﻣﺤﺘﺮﻣﺔ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺩﻭﻟﺔ ﻏﻨﻴﺔ ﺷﻬﺎﺩﺍﺗﻬﺎ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﻴﺔ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻬﺎ ﻭﻣﺎﻓﻴﻬﺎﺵ ﺟﺎﻣﻌﺔ ﻭﺣﺪﺓ ﻣﺼﻨﻔﺔ ﺩﻭﻟﻴﺎ ﻃﻮﺍﻝ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ ﻋﺎﻡ “اﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻣﺜﻼ ﻋﻨﺪﻫﺎ 5 ﺟﺎﻣﻌﺎﺕ ﻣﺼﻨﻔﺔ ”
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺃﺟﺒﺎﺭ ﺑﻨﺎﺕ ﺍﻟﺜﺎﻧﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻟﺒﺲ ﺍﻟﺰﻱ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﺃﺟﺒﺎﺭ ﻃﻠﺒﺔ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺣﻀﻮﺭ ﻣﺮﺍﺳﻢ ﺷﻨﻖ ﺯﻣﻼﺋﻬﻢ ﺩﺍﺧﻞ ﺣﺮﻡ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ ﻭﺃﺟﺒﺎﺭ ﺗﻼﻣﻴﺬ ﺃﻋﻤﺎﺭﻫﻢ ﺗﺤﺖ 17 ﻋﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻫﺎﺏ ﻟﺤﺮﺏ ﺗﺸﺎﺩ .
• ﻧﻘﻄﺔ ﺃﻛﺒﺮ ﻣﻦ ﺟﻴﻞ ﻛﺎﻣﻞ ﻋﺎﺵ ﻣﻦ ﺣﺼﺎﺭ ﻟﺤﺼﺎﺭ ﻭﻣﻦ ﺗﺤﺪﻱ ﻟﺘﺤﺪﻱ ﻭﻓﻲ ﺍﻷﺧﻴﺮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﺳﻠﻢ ﻛﻞ ﺍﻟﺘﺮﺳﺎﻧﺔ ﺍﻟﻠﻴﺒﻴﺔ ﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺎ ﻭﻋﻮﺽ ﺿﺤﺎﻳﺎ ﻟﻮﻛﺮﺑﻲ 6 ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺑﻌﺚ ﻭﻟﺪﻩ ﻟﻠﺒﻴﺖ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﻳﻄﻠﺐ ﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ

ﻭﻃﻠﻊ ﺍﻟﺘﺤﺪﻱ ﻛﻠﻪ ﻛﺬﺑﺔ ﻭﻭﻫﻢ ﻣﻘﺎﺑﻞ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻭﺃﺑﻨﺎﺋﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ .
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻛﻞ ﺍﻟﻲ ﻓﺎﺕ ﺻﺢ ﻭﺃﻧﻲ ﺷﺎﻫﺪة ﻋﻠﻴﻪ ﻗﺪﺍﻡ ﺭﺑﻲ ..

ﻟﻜﻦ ﺧﻠﻮﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻘﻄﺔ ﺍﻟﻲ ﻫﻲ ﺟﻮﻫﺮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ :
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻔﺎﻃﻤﻴﺔ ﺍﻟﺸﻴﻌﻴﺔ ﻭﺍﻻﺳﺘﺨﻔﺎﻑ ﺑﻌﻘﻴﺪﺓ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﺑﺎﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺻل ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻭﺍﻟﻌﺒﺚ ﺑﺘﻔﺴﻴﺮ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻟﻤﺎ ﻋﺮﻑ ﺭﻭﺣﻪ ﻣﻨﺘﻬﻲ ﺩﺍﺭ ﺣﺎﺟﺔ ﻣﺎ ﺩﺍﺭﻫﺎﺵ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﻭﻻ ﻣﺒﺎﺭﻙ ﻭﻻ ﺷﺎﻩ ﺃﻳﺮﺍﻥ ﻭﻻ ﻫﻮﻻﻛﻮ ﻭﻻ ﻫﺘﻠﺮ .
القذافي ﻭﺯﻉ ﻋﻠﻰ ﺷﻌﺒﻪ 11 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻗﻄﻌﺔ ﺳﻼﺡ ﻛﺎﻥ ﻣﺨﺰﻧﻬﻢ ﻓﻲ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﻟﻴﺒﻴﺎ. ﻭﺃﻃﻠﻖ ﺳﺮﺍﺡ 17 ﺃﻟﻒ ﺳﺠﻴﻦ ﻋﺘﺎﺓ ﺍﻟﻘﺘﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﻨﺤﺮﻓﻴﻦ ,
ﻭﻗﺒﻠﻬﺎ ﺧﻠﻰ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺩﺳﺘﻮﺭ ﻭﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺟﻴﺶ ﻭﺍﺳﺘﺒﺪﻟﻪ ﺑﻜﺘﺎﺋﺐ ﻣﺸﺘﺘﺔ ﻋﻘﻴﺪﺗﻬﺎ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺎﺋﺪ ﻭﺻﻐﺎﺭﻩ ﻭﺑﺲ .
ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﺑﻘﺼﺪ ﻭﺗﻌﻤﺪ ﻭﺃﺻﺮﺍﺭ ﺑﺎﺵ ﺗﻨﺤﺮﻕ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺑﻌﺪﻩ ﻭﺗﻮﻟﻲ ﻏﺎﺑﺔ ﻣﻮﺣﺸﺔ ﻭﺧﺮﺍﺑﺔ ﻭﻧﺎﺭ ﻭﺩﻣﺎﺭ,
ﺣﺎﻟﻴﺎ ﺗﺴﻜﻴﺮﺓ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺃﺣﺘﻼﻝ ﺳﺮﺕ ﻭﺩﺭﻧﺔ ﻭﻋﺒﺚ ﺍﻟﻤﺘﻄﺮﻓﻴﻦ ﺑﺎﻟﺒﻼﺩ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻏﻴﺎﺏ ﺍﻟﺠﻴﺶ ,
ﺍﻟﺨﻄﻒ ﻭﺍﻟﺴﻠﺐ ﻭﺍﻟﻨﻬﺐ ﻭﺍﻟﺮﻋﺐ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻃﻼﻕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ
ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﻘﺒﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﺸﻮﺍﺋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺍﻟﺸﻮﺍﺭﻋﻴﺔ ﻭﺍﻹﻋﺘﺼﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻠﺤﺔ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺗﻮﺯﻳﻊ ﺍﻟﺴﻼﺡ .
ﺍﻟﺘﺨﺒﻂ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﻋﺒﺚ ﺍﻟﺒﺮﻟﻤﺎﻥ ﻭﺍﻟﻤﺆﺗﻤﺮ ﻭﺗﺪﺧﻞ ﺃﻣﺮﻳﻜﻴﺎ ﻭﻓﺮﻧﺴﺎ ﻭﻗﻄﺮ ﻭﻣﺼﺮ ﻫﻲ ﺑﻌﺾ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩ ﺩﺳﺘﻮﺭ .
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻳﻮﺯﻋﻮ ﻋﻠﻲ ﺷﻌﺒﻬﺎ ﺳﻼﺡ ﻭﻳﻠﻐﻮ ﺟﻴﺸﻬﺎ ﻭﺩﺳﺘﻮﺭﻫﺎ ﻭﻳﻄﻠﻘﻮ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ ﻟﻤﺎ ﺗﻮﻟﻲ ﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻫﺮﺩﻣﻴﺴﺔ ﻋﺸﺮ ﺳﻨﻮﺍﺕ .
ﻭﻟﻮ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ﺗﻮﻧﺲ ﺣﺎﺗﻮﻟﻲ ﻓﻴﻠﻢ ﺯﻭﻣﺒﻲ ﻳﺴﺘﻤﺮ ﺑﻼ ﻧﻬﺎﻳﺔ
ﻭﻟﻮ ﺩﺍﺭﻫﺎ ﻣﺒﺎﺭﻙ ﺣﻴﻠﻘﻮ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻋﺸﺮﺓ ﺃﻻﻑ ﺳﻘﻴﻄﺔ ﺗﻄﻔﻮ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻴﻞ
ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻟﻮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻣﺎﺩﺍﺭﺵ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﻫﺎﺩﻱ ﺭﺍﻫﻮ ﻣﺸﺖ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﻃﻠﻌﻨﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺑﺴﻼﻡ
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻋﻨﺪﻩ ﺩﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺪ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﺭﺗﺐ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺑﺤﻴﺚ ﻣﺎ ﺗﻜﻮﻧﺶ ﺩﻭﻟﺔ ﺇﻻ ﺑﻴﻪ ﻭﺑﺼﻐﺎﺭﻩ .
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻫﻢ ﻭﻏﻢ ﻭﻛﺎﺑﻮﺱ ﺃﺳﻮﺩ ﺣﻴﻘﻌﺪ ﻻﺣﻘﻨﺎ ﻷﺧﺮ ﻃﻠﻘﺔ ﺳﻼﺡ .
ﻷﺧﺮ ﻣﺠﺮﻡ ﻃﻠﻴﻖ .
ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ﻣﺴﺢ ﻛﻞ ﺣﺎﺟﺔ ﻃﻴﺒﺔ ﻣﻤﻜﻦ ﻧﺘﻔﻜﺮﻭﻩ ﺑﻴﻬﺎ ﻭﺳﻴﻒ ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺃﻧﺴﻮ ﻛﻞ ﺷﻲ 40 ﻋﺎﻡ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﺭﻑ ﻣﺨﻄﻂ ﺑﻮﻩ ﻭﻋﺎﺭﻑ ﺷﻦ ﻣﺠﻬﺰﻟﻨﺎ .
• ﺳﺎﻣﺤﻮﻧﻲ ﻳﺎﻋﺸﺎﻕ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ ..
ﻭﺍﻟله ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺃﺟﻤﻞ ﻭﺃﺭﻭﻉ ﻭﺃﻧﻈﻒ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ
ﻟﻮ ﺃﻧﻪ ﻣﺎﺩﺍﺭﺵ ﺍﻟﺤﺎﺟﺎﺕ ﻫﺎﺩﻱ .. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺟﻤﻞ ﻭﺃﺭﻭﻉ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻘﺬﺍﻓﻲ
• ﻳﺎﺭﻳﺘﻪ ﺑﺪﻝ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﻭﺑﻌﺪ 40 ﺳﻨﺔ ﺣﻜﻢ ﻋﻘﺒﻠﻨﺎ ﺟﻴﻞ ﻭﺍﻋﻲ ﺭﺍﻗﻲ ﻣﺴﺘﻨﻴﺮ ﻭﺑﺪﻝ ﺃﻃﻼﻕ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﻴﻦ ﺍﻃﻠﻖ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﺣﺮﻳﺔ ﺍﻷﺑﺪﺍﻉ
• ﻭﺑﺪﻝ ﺍﻟﻜﺘﺎﺋﺐ ﻋﻘﺒﻠﻨﺎ ﺟﻴﺶ ﻭﻃﻨﻲ ﻭﺩﺳﺘﻮﺭﻋﺎﺩﻝ ﻭﻣﺆﺳﺴﺔ ﻗﻀﺎﺀ ﻗﻮﻳﺔ ﻭﻣﺴﺘﻘﻠﺔ .
• ﻭﻋﻠﻰ ﻓﻜﺮﺓ ﺛﻮﺍﺭ ﻓﺒﺮﺍﻳﺮ ﻣﺶ ﺃﻛﺜﺮﻣﻦ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺃﻟﻒ ﺃﻏﻠﺒﻬﻢ ﺭﺟﻊ ﻟﻌﻤﻠﻪ ﻭﻗﺮﺍﻳﺘﻪ
ﻭﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﻢ ﺑﺮﺑﻊ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺿﺒﻊ ﻣﺴﻠﺢ ﻳﺪّﻋﻮ ﺃﻧﻬﻢ ﺛﻮﺍﺭ.
الوطن باقي وكلنا راحلون……….؟
ليبيا فوق الجميع.

علي الفيتوري

مصراته هي مصراته! 2

مصراته هي مصراته! 2

أحمد الفيتوري | الثلاثاء 25 أبريل 2017, 10:27 AM
 
 
أحمد الفيتوري

2 من 2
1-
طلبت من صديقي أصيل مصراته أن يوضح لي حال مدينة مصراته في الحال الليبي فاسترسل كعارف بـ”الأحوال الليبية”: أن ما يبدو من غموض في الأوضاع الحالية بالمدينة قد يكون أصيلا في مدينة تركيبتها الاجتماعية محافظة، زد على ذلك فإن دخولها في حرب، فرضها عليها فاشية القذافي وميلشياته الأمنية، جعل منها في حالة دفاع بكل ما يعني ذلك من انكفاء وتمترس، ولما تمكنت ميليشياتها من فك الحصار، ومن ثم هجومها واندفاعها نحو قلعة القذافي باب العزيزية بالعاصمة الليبية طرابلس، أصيبت بنشوة النصر وبدأ لقادتها أنهم المنتصرين، فاستحوذوا على ما تبقي من سلاح القذافي ومن ماله ومن عاصمته، ودعموا لأجل ذلك تحالفهم مع التيار الإسلامي المسلح.
لكن بالمدينة كباقي البلاد تيارت مختلفة متباينة كالإسلامية والقوى الوطنية التي هي خليط من قوة مدنية وعسكرية ذات مشارب عدة، هذا التعدد في المدينة شكل في وبالحرب كتلة واحدة وتحالفا نسبيا متماسكا، جعله حصار المدينة الأقوى في البلاد بقوة المال والسلاح، وخاصة السلاح الذي فيما بعد سقوط النظام سيطر عليه ميليشياتها تقريبا في غرب البلاد وجنوبها. ولم ينفرط ذا التحالف في تقديري بفضل العجينة المحافظة للمكون الاجتماعي للمدينة، ودعم قيادة ليست واحدة لكنها متوحدة وهدفها موحد جدد وهو مقلوب اسقاط النظام أي وراثته، فهم كما عملوا على اسقاط القذافي رأوا أو قدروا أنهم ورثة القذافي، هذا وحد جبهتهم في مواجهة خصومهم العدة.

2-
لم أرد مقاطعة الاسترسال لكن أردت توضيحا، فالاستقراء ذا يستنبط منه أن الحصيلة:” الوراثة جهوية”، باعتبار أن القوى النافذة التي رأت في نفسها الوريث بحكم القوة هي بالفعل “مصراته” قلب التحالف ما وضحه الاستقراء.

يجب انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب

ان تحالف “مصراته” ما سمى فيما بعد بـ”فجر ليبيا” هو تحالف متعدد المشارب، وأن من رؤوسه الأهم التيار الإسلامي المسلح، تحالف “مصراته/ فجر ليبيا” اتخذ أيقونة لخصامه: “خليفة حفتر” وحلفائه من عرفوا بمعاضدي “معركة الكرامة”، رغم ان “معركة الكرامة” في الحقيقة جاء اعلانها بعد بروز وهيمنة “تحالف مصراته” في ليبيا ما بين أول 2012م وبين منتصف 2014م، “معركة الكرامة” عرفت وظهر “خليفة حفتر” كقائد عسكري لها في مايو 2014م، ومجلس النواب وحكومته كقائد سياسي ظهر عقب انتخابات يونيو من ذات العام، وأعقب ذلك اعتبار مجلس النواب بـ”طبرق” وحكومته برئاسة ” عبد الله الثني” الجهة الشرعية الليبية المعترف بها في الاقانيم الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، وقد قاطعت اقلية من النواب المجلس المنعقد في “طبرق” وشككت في شرعيته ولم تستقل وان طعنت في دستورية المجلس المنعقد في “طبرق”، هذه القوى المقاطعة عضيدة “تحالف مصراته/فجر ليبيا، من ثم أعيد احياء “المؤتمر الوطني” ما هو لا وجود له بحكم الانتخابات الشرعية والمعترف بها من الجميع.

3-
لقد أراد طرف ليبي جعل مدينة “مصراته” قاعدة الاستحواذ على “كعكة فبراير” أي “وراثة القذافي”، وبهذا استمرت “مصراته” كقاعدة وقائدة لفصيل مهم في الحرب الأهلية التي اندلعت في ليبيا عقب ثورة فبراير، “مصراته” هذه تغير خصمها لكن استمرت في حربها منذ فبراير 2011م حتى يوم نشر هذا المقال، ثم دخلت في حربها بصيغة سياسية واجهتها “المؤتمر الوطني” ببعض من أعضائه، على طاولة المفاوضات قادت ماراثون ما عرف بـ”الحوار الوطني” مع الطرف الثاني “مجلس النواب”، عقدت جلسات عدة من “الحوار الوطني” في أكثر من مدينة تحت إدارة الأمم المتحدة، توج في مدينة “الصخيرات” المغربية يوم 17 ديسمبر 1915 بما دعي “اتفاق الصخيرات” الذي لم يحقق الوفاق الوطني بل قسم “مجلس النواب” ومنه البلاد.

4-
أخر مستجدات الوضع السياسي في ليبيا ان هناك حراك ما في مدينة مصراته لم تتضح مستخرجاته، لكن عقد اجتماع بين عقيلة صالح وعبد الرحمن السويحلي بين الخصمين ممثلا القوى التي تهيمن على الأرض: هل نعد هذا من مستخرجات ما جد في “مصراته”؟، ليس بالإمكان حتى الساعة الإجابة اليقين عن سؤلنا، لكن المعطيات تعطي إجابات أخرى عن الدور الإقليمي والدولي ما وراء هذا الاجتماع، إنما “حراك مصراته” لا يمكن استبعاده من الخلفية وان غمضت ما هويته: مصراته هي مصراته في المشكل الليبي ما حله في فك “العروة الوثقي” فيه أي حلحلة “مصراته”، لتخرج من جلباب “الوريث الأحد” إلى أفاق ليبيا وتلتقي في منتصف الطريق مع ما اعتبرته أيقونة العدو، وهكذا كما أن “مصراته” كانت فيصلا في “اسقاط النظام” ليس من بد أن تكون فيصلا في الخروج من عنق زجاجة “فبراير” الى ما بعد “فبراير”…
لأنه أولا وأخيرا ليس ثمة “اتفاق صخيرات” دون وفاق وطني، عليه يجب الذي يجب: انهاء الحرب أولا ومنه اعلان السلام، لنبدأ اليوم وليس غدا التسلح بالسلم لإنهاء الحرب، ودون توفر الإرادة يبقي العقل المتشائم المتصدر المسألة الليبية…

كتاب ندوة فزان

صدر مؤخرا العام 2012 كتاب باللغتين العربية والفرنسية ، بعنوان : ( التاريخ المجهول .. العلاقات الليبية الفرنسية في فزان 1943 – 1956 ) . حوى مجموعة ابحاث لثلة من المؤرخين والمختصين ، عرضت ضمن ” ندوة فزان ” . باشرف المعهد الفرنسي للبحوث المغاربية المعاصرة ( تونس ) ، بالتعاون مع المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية ( ليبيا ) . اقيمت بالعاصمة التونسية ، ديسمبر 2009 م . في التوطئة ، المنسق العام الدكتور المنصف وناس ، مديرالمركز الفرنسي ، يلفت الانتباه الى ” ان مبحث علاقات فرنسا باقليم فزان لم يدرس علميا بما فيه الكفاية ” . وفي كلمة موجزة ينبه الدكتور الطاهر الجراري مدير المركز الوطني الليبي ، الى اهمية الندوة في سعيها لتوضيح دوافع وظروف الاندفاع الفرنسي نحو جنوب ليبيا . في المقدمة . تولى الاستاذ بيار نوال دوينيي ، تقديم قراءة موجزة لمجمل المشاركات ، بعنوان : ” فرنسا في فزان .. الرهانات والاستراتيجيات الاجتماعية والقبلية ” ، يستعرض خلالها بعض التقاطعات في افكار الباحثين . – اضاءات حول مشاركات الاساتذة : ( 1 ) انري مارتال . ( فزان في المخيال الامبراطوري الفرنسي .1835 – 1956 ) قراءة معمقة تركز على طموحات التوسع الفرنسي في فزان ، ” والتي هي طموحات استراتيجية وجغراسياسية – تشاد والجزائر وتونس – اكثر من ان تكون تنموية او حضارية . وتقف عند مسعى فرنسا الى عزل السكان ، وخلق تحالفات محلية . ” فزان القاعدة الخلفية المحتملة لإعادة غزو الاقاليم المغاربية ، والعتبة الغربية لدار الاسلام ” ، وقد اضحت محل رهان دولي ، ومنطقة صراع امتيازات الدول الاوروبية ، فرنسا ، بريطانيا ، الدولة العثمانية . فبينما سعى الفرنسيين الى اقامة منطقة نفوذ تمتد من الجزائر الى القاهرة ، كان الانجليز متحفزون لمنع ذلك ، مطمحهم تدشين خط تجاري يمتد من خليج سرت الى بحيرة تشاد . يعرج الباحث على نشاط بعثات المستكشفين اوائل القرن التاسع عشر ، ودور ” جمعية استكشاف الداخل الافريقي ” الانجليزية ، رحلات هنرمان الانجليزي 1798 – 1801 ، ريتشي وليون 1818 – 1819 . ايضا صراع القناصل إبان السيادة العثمانية ، ” لقد سمحت تسوية الشرق سنة 1840 للباشا الحاكم بكسر تحالف التجمعات البدوية الكبرى الثلاث التي كانت جموحة لرجوع نفوذ السلطة المركزية ، وكان اقواها تجمع اولاد سليمان الذي كان يسيطر على فضاء شاسع يشمل فزان ، ويمتد من خليج سرت الى تخوم تشاد . ولكن وفاة زعيمه عبدالجليل سنة 1842 ، وضع حدا لمشاريع تاجر من مرسيليا يدعى ” سوبتيل ” عقد معه عبدالجليل صفقة لتسليم اسلحة مقابل التزامات في الكبريت ، الامر الذي جعل القنصل البريطاني في طرابلس يبدو وكأنه احرز انتصارا على الممثل الفرنسي ” . يصنف الفترة 1881 – 1911 ، بمرحلة الحرب الفرنسية العثمانية الغير مباشرة ، وهي نتاج معاهدات اقتسام فرنسية بريطانية للمناطق الخلفية الافريقية . وفق مبادئ برلين 1885 . يستعرض فصول الحرب السنوسية الفرنسية ، ومعاهدة اكرومه 1917 مع الانجليز . ونتائج مرحلة الحرب الكبرى ، ومطالب ايطاليا كأحد اطراف معسكر المنتصرين ، و” الخيبة التي تولد الفاشية ” . لينتهي الى مرحلة الحرب العالمية الثانية 1940 – 1943 ، وانقلاب الوضع . بدخول ايطاليا الحرب ضد فرنسا وانجلترا ، وانحياز افريقيا الاستوائية لقوات فرنسا الحرة . والزحف الفرنسي على الجنوب الليبي 1943 ، إتمام المشروع الصحراوي الفرنسي .. ” فزان حصة فرنسا ضمن انتصار الحلفاء ” . عابد

لتحميل الكتاب ندوة تاريخ فزان

في ضرورة تغيير الجراح…

Kolumnisten Al-Aswani

خاضت بريطانيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا ودول المحور في ظروف صعبة للغاية فالطائرات الألمانية كانت تقصف باستمرار كل المدن البريطانية  بالاضافة إلى أزمات طاحنة في الطعام والوقود لكن الشعب البريطاني حارب بشجاعة بقيادة رئيس الوزراء ونستون تشرشل حتى انتصرت بريطانيا وأعلنت ألمانيا استسلامها في شهر مايو/ أيار 1945 وبعد ذلك بشهرين أُجريت الانتخابات فحدثت المفاجأة: سقط القائد المنتصر ونستون تشرشل وفاز برئاسة الوزراء “كليمنت أتلي”… في 5 يونيو/ حزيران 1967 ألحقت اسرائيل بمصر أسوأ هزيمة في تاريخها وما أن أعلن عبد الناصر تنحيه عن الحكم حتى نزل ملايين المصريين إلى الشوارع ليطلبوا منه البقاء في السلطة.
لماذا تخلص الانجليز من قائدهم المنتصر،بينما تمسك المصريون بقائدهم المهزوم؟ الإجابة تكمن في الفرق في مفهوم السلطة بين الشعبين. الشعب الانجليزي تعامل مع تشرشل كموظف عام أدى وظيفته بشكل ممتاز ولكن آن الأوان أن يتولى رئاسة الوزراء شخص آخر بأفكار جديدة ليساعد بريطانيا على إعادة البناء بعد الحرب. أما المصريون فقد تعاملوا مع عبد الناصر باعتباره الزعيم الملهم ووالد الشعب ورمز الوطن وبالتالي فهو لايخضع للمحاسبة عن أفعاله حتى لو أدى ذلك الى الهزيمة بل إن بعض الصحفيين آنذاك كتبوا أن بقاء عبد الناصر في الحكم هو النصر الحقيقي. إنها العقلية المذعنة التابعة التي تمجد الديكتاتور وترفعه فوق مستوى البشر ولاتسمح بنقده أبدا وتغتفر له القمع والفشل والكذب وتضيف إليه انجازات وهمية وتعتبره رمز الوطن، هذه العقلية لازالت للأسف موجودة بين المصريين. 

إذا بحثنا بين شعوب العالم لن نجد شعبا يمجد حكامه مثل الشعب المصري. لم يؤلف الانجليز الأناشيد في مديح تشرشل ولم يصنعوا استعراضات وأوبريتات سخيفة كالتى نصنعها لكل رئيس. إن تأليه الحكام ظاهرة مصرية عجيبة اختلف المفسرون في أسبابها، بعضهم قالوا إننا ورثناها عن أجدادنا الفراعنة الذين كانوا يعبدون الحاكم ويعتبرونه إلها لكن الظاهرة موجودة في الشعوب العربية برغم اختلاف تاريخها عنا، بعض المفكرين قالوا إن تمسكنا بمظاهر الدين يجعلنا قابلين للاستبداد لأن الإنسان، المسلم أو المسيحي، الذي لا يفكر لنفسه أبدا ويسمح لرجل الدين بالتحكم في كل تصرفاته ويتبع تعليماته بدون مناقشة، سيكون من السهل عليه أن يذعن للديكتاتور كما أذعن لرجل الدين. 
بعض المفكرين يؤكدون أن الشعوب التي خضعت للاستبداد لفترات طويلة من تاريخها تفقد احساسها بالحرية كقيمة إنسانية بل إنهم يحسون براحة في وجود ديكتاتور يقمعهم وينهب أموالهم مادام يوفر لهم الحماية ويعفيهم من تحمل مسئوليتهم في الشأن العام فينصرف كل واحد فيهم إلى كسب قوته وتربية عياله ويترك الوطن بين يدي الزعيم وحده يفعل به ما يشاء. أيا كان السبب فلاشك أن مقاومتنا للاستبداد أقل من شعوب أخرى وقد رأينا مؤخرا  ماذا حدث لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب،  فبمجرد أن أظهر  ميولا استبدادية حتى قاومته بضراوة المؤسسات الأمريكية جميعا، القضاء والصحافة والجامعات والفنانون ومنظمات المجتمع المدني وسياسيون من المعارضة بل ومن داخل حزبه الجمهوري، الأمر الذي أرغم ترامب في النهاية على التراجع والعودة إلى الخط الديمقراطي. 

علاء الأسواني
لقد تعلمت الشعوب الغربية عبر تجارب مؤلمة أن الديكتاتورية، مهما حققت من انجازات، ستؤدي في النهاية حتما إلى كوارث يدفع ثمنها الشعب لأجيال قادمة. المواطن الغربي يرفض الاستبداد من حيث المبدأ بدون انتظار نتائجه. أما نحن في مصر فلم نتعلم هذا الدرس بعد. لازلنا نجد بين المصريين من يعتبر الديكتاتورية هي الأصلح لنا ومن لا يرفض الاستبداد إلا إذا ساءت بسببه أحواله المعيشية. أما إذا سقط آخرون ضحايا للاستبداد فهو لايهتم إطلاقا. لا زلنا نجد مصريين يؤيدون الديكتاتور إذا وفر لهم العمل والمسكن والطعام حتى لو اعتدى مقابل ذلك على كرامة الناس وألقى بهم في المعتقلات بل وقتلهم خارج القانون. 
أما الإسلاميون فإن النزوع  للاستبداد متأصل عندهم لأنهم يعتبرون الحاكم الإسلامي خليفة يطبق إرادة الله على الأرض ولا مجال عندهم بالطبع لمعارضة شرع الله، وقد رأينا استبداد الإسلاميين واضحا عندما تواطئوا مع المجلس العسكري ضد الثورة مقابل وصولهم للحكم، ورأيناه مرة أخرى عندما هللوا للرئيس السابق مرسي عندما أصدر الاعلان الدستوري الذي ألغى به القانون المصري تماما. ونراه الآن من جديد وهم يهللون ويكبرون لأوردغان وهو يبني دولة الاستبداد في تركيا. 
لقد كانت الثورة المصرية عام 2011، في جوهرها، محاولة نبيلة عظيمة لإقامة دولة القانون وتحرير مصر من الحكم العسكري المستمر منذ عام 1952. المصريون الذين ينتظرون نهضة مصر تحت حكم السيسي  يشبهون مريضا أجرى أربع عمليات عند جراح غير ماهر ففشلت جميعا، وهو يريد اجراء عملية جراحية خامسة عند نفس الجراح ويتوقع نجاحها.  هناك فروق شخصية بين عبد الناصر والسادات ومبارك والسيسي لكن النظام الذين حكموا به مصر  واحد ونتائجه واحدة. نفس أدوات القمع من تلفيق قضايا واعتقالات وتعذيب ومحاولات السيطرة على الاعلام و القضاء، نفس الدعاية الجبارة الكذابة لاضفاء هالة أسطورية على الزعيم… ما الفرق بين صواريخ القاهر والظافر الناصرية وجهاز اختراع الكفته أيام السيسي؟ ما الفرق بين مشروع توشكى وقناة السويس الجديدة؟! نفس الأكاذيب والمشروعات الفاشلة حيث يتم تبديد الملايين من أموال الشعب الفقير وسط التهليل والهتاف. لن تتحقق النهضة في بلادنا إلا إذا رفضنا الاستبداد من حيث المبدأ. إذا أردنا نجاح العملية لابد من تغيير الجراح.

ـ شهادتي الـ 7 أبريلية ومضتي السادسة 6 ـ (2)

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏
   طلقة مسدّس عبد السلام الزادمة الطالب الشبح الذي أفزعنا من كليّة الأقتصاد يوم 4 ينايروالتي أصابت رأس طالب قسم الأجتماع جلال بوسنوقة الزواري وموكب العنف الجوّال الذي قاده يوم 3 يناير 1976 طالب سنة أولى فلسفة أحمد ابراهيم وسار وراءه مناصروه البدو من “الملثمين “و بالأسلحة والهراوات المعدنية مدججين وحف به أنصاره الطلاب الريفيين المهووسين بمحاضرات علي الشاعري في معسكرات جودايم الناصرية الصيفية،ومن كان ضحيّته عدا من ذكرناه سابقاً طالب الحقوق الشاعر علي الرحيبي أيضاً الطالب أحمد إسماعيل مخلوف الذي سيوطّوب فيما بعدعام 1982 شهيداً تحت التعذيب في السجون المفتوحة على العذاب “الجدّيدة والحصان الأسود وبوسليم .. في السماد الدموي لهذين المشهدين ومشاهد دموية أخرى تفتّحت أزهارُ بألوان منها لون الثقافة أدباً وصحافة ومسرحاً فصدرت نشرة يناير التي كتب فيها منصور ابوشناف حوارياته في مسخرة العسكرة وطغيانها ورمزلها بالملك المجنون “نيرون” الذي أشعل حرائق روما كما ضمت علي الرحيبي وأشعاره،وعبد العظيم شلّوف وبذور حواريته الشعرية، كما أنكتبت فيها بروح جديدة بجوارأشواق الرقيعي وحنينه الظامئ لأزمنة الخبز والأطفال أشعار الشلطامي أنشودة للفرح ولحزنه الشجي العميق و أشعار إنسانية من العالم لبرشت ،ولوركا،ونيرودا،وبالزخم نفسه يصدر السنوسي حبيب ديوانه في “الحب الصحووالتجاوز” على حسابه بمبلغ إستلفه من ابوشناف الذي كسبه من جائزة مسرحيته “عندما تحكم الجرذان” التي أرتفعت على كوبري المدينة الرياضية إعلانات عرضها القادم وأنعرضت قبلها مسرحيته “تداخل الحكايات عند غياب الراوي” التي سيكون تأويلها من المخابراتي السنوسي الوزري وتنفيذ التأويل في 7أبريل من الرائد حسن اشكال والنقيب عبد السنوسي إفتتاح درب الجلجلة لمنصور ابوشناف “الحلاّج” : فلقة الشرطة العسكرية المُدمية ومحنة السجن والضياع ،كما أشتعلت أيضاً الحوارات والنقاشات حول مستقبل الحركة الطلابية وآفاق إستقلالية الجامعة من قبضة السلطة الحاكمة وألتئمت في البيوت الطلابية كجليانة والبركة الأمسيات والندوات التي أتاحت لي مع غيري فرصة تأجيجها وإخصابها بالعروض النقدية التي بدأت أتعلّمها من واقعيات المجري جورج لوكاتش والفرنسي روجيه جارودي التي بضفاف وبلا ضفاف وضجت القاعات بالمحاضرات كانت ألمعها محاضرة علي الريشي “إمجودة والمنطق الرياضي” ليس المنطق الصوري الذي تلمسّنا بدايته في ثانويات القسم الأدبي وبدأنا نتحسسه جامعياً في محاضرات الدكتور فتحي الشنيطي ولكن المنطق الرياضي الذي رأيناه معادلات على لوحة مدرّج رفيق في مشهد فيلم آكشن حبست إثارته أنفاسنا بخطوط الطابشير تتلاعب بها أصابع الماهر القادم للتو من اميركا علي الريشي ملتحفاً البُرنُس ذاته أو شبيهه الذي إلتحف به في ندوة التلفزيون عام 1972 محاضرة الريشي جاءت رّد إعتبار متأخر لعامل الميناء “أمجودة” الذى سقط بعفوية ولد البلاد بنغازي وبدون حسابات المنطق الرياضي صريعا في أحداث 14 يناير الطلابية عام 1964 …ومن يناير إلى يناير ومن ابريل إلى أبريل يلاحقنا طير الآبابيل يقذفنا بحجارة من سجّيل الأرهاب والعنف وهو مانرصد شيئاً من عذاباته وفتنه في حلقة مُكربة قادمة >>

ـ نورالدين خليفة النمر ـ

Faiza Bensaoud
 
Faiza Bensaoud ما السبب في اعتقال الدكتور عبد الرحمن بدوي في تلك الايام لو سمحت؟؟؟؟

Nureddin Ennemer
 
Nureddin Ennemer استاذة Faiza Bensaoud لو كان الدكتاتور الأتوقراطي … الذي حكمنا 42 سنة سبّب كل أفعاله المجرمة التي كانت كُلها ردود أفعال حمقاء لما كانت نهايته الترجيكوميدية في أنبوب صرف المياه قريبا من قارة جهنم ولما كنا اليوم نخوض في الجحيم الذي اورثه لنا … في تعليق لي على إدراج للكاتب أحمد إبراهيم الفقيه في صفحته سردت حكاية عبد الرحمن بدوي في محنة سجن الكويفية حكاها لي في باريس 2001 الشاعر الفلسطيني محمد حمزة الذي رافق بدوي في محنة السجن وكان يرى بدوي يلف في العنبر الذي رمي فيه مبهوتاً يكلم نفسه بجملة واحدة “أنـا آيـه اللي جابني هنا” السبب الذي تسرّب لنا وقتها هو حوار الدكتاتور مع الطلاب ومنهم علي الريشي الذين فاجأوه بقوة محاججتهم حسب مقياسة الثقافي الضعيف وعندما سأل قالوا له وراء ذلك أساتذة الجامعة العرب كبدوي فيلسوف الوجودية فعاقب الوجودية بمنع كتبها في الثورة الثقافية 1973 ورمى بدوي في سجن الكويفية في كتاب ذكرياته حكى الأستاذ العظيم قصة محنته ولم يورد السبب لأنه ببساطة لم يكن هناك سبب واضح للجنون !
 
انس الفقي
 
انس الفقي المعروف بأن منصور بوشناف من اصول بدوية و كاتب المذكرات يعطينا انطباع عن وضاعة اهل الريف و البدو و التي تظهر كعبارات تحريضة و تحض على الكراهية، نعم ، نريد ان نعرف ماذا حدث في يوم 7 ابريل ، اذا تحصل منصور بو شناف على جائزة ادبية بمقدار 400 دينار سنة 1971م فهو دليل على ان النظام لم يكن بذلك السوء، الشاعر على الرحيبي بعد 7 ابريل 1976م انضم الي جريدة الاسبوع السياسي التي يصدرها النظام و هو يؤكد على ان النظام مرة اخرى لم يكن سيئ الي تلك الدرجة !! احمد الفيتوري يقول في منشور قديم في الفيس ان الطلاب المعارضين كانوا يهتفون بنداء حين يحكم الجرذان !! الكاتب منصور بوشناف مطالب بالكتابة عن 7 ابريل 1976م و نشكر الكاتب على كتابته عن تلك الاحداث فهي مبادرة جيدة.

Rabia Madi ذاك زمن العداء للقلم والفكر وقتل المشاعر باسم العسكر واليوم باسم الدين والعسكر أيضا وكذلك باسم عدو جديد برز على أرضنا وهو الآولى أن يكشف ويحارب بالقلم آلا هو الفساد بكل أنواعه إبتداء بالفكر والمتمثل في الإعلام وانتهاء بالشخصية الليبية والتي يحاولون طمسها وتغييرها ……الكلمة الكلمة أقوى سلاح