ليلة في معسكر قار يونس

    

  احمل وسام الشجاعة .. من الضباط الوحدويين الاحرار .. بل واعضاء مجلس القيادة لا يحملون وسام الشجاعة .. وسام الشجاعة منح فقط للذين تحركوا ليلة الاثنين اول سبتمبر .. الخويلدي كان في سبها .. بشير هوادي في ودان .. محمد نجم كان في مصر .

      يوم 31 اغسطس .. في الاوامر اليومية .. الجمع الصباحي يوم الغد بلباس الرياضة .. كنت قلم سرية مخابرة الجيش بمعسكر قار يونس .. آمر السرية ادم الحواز .. يساعده ابراهيم عبدالعزيز صهد ..  كنت مقرب من الخروبي احد ضباط السرية .. وامر احد الفصائل الثلاثة المكونة لها .. وعضو القيادة لاحقا .. سألته : كيف يكون الجمع بلباس الرياضة .. والحصة الاولى ” مهنة ميدان ” .. قال لي : ” في صباح الغد تعرف ” .

     حسين الشريف .. عمر عبدالجواد .. ضمن ضباط سريتنا ..  معسكر قار يونس يتألف من عدة وحدات .. سرية مخابرة الجيش .. سرية المخابرة العامة .. سرية الهندسة .. صنف الهندسة .. مدرسة الهندسة .. امر المعسكر يونس العمراني اصبح فيما بعد سفير .. احمد ضياء الدين  المدفعي .. امر صنف المخابرة .. ( سرية الجيش .. سرية المخابرة .. مدرسة المخابرة )

      فجر الاثنين 1 . 9 . 1969 .. الساعة الرابعة صباحا .. تحركت المحاور من معسكر قار يونس .. محور الخروبي توجه للسيطرة على معسكر البركة .. كنت من بينهم .. محور معمر توجه للسيطرة على الاذاعة .. محور احمد عون توجه للبريد العسكري ..  محور امبارك عتيق .. ومسعود الزغرات .. الى معسكر الدقادوسته .

       كان القذافي مساعد امر المعسكر .. وكان متمردا .. اختار مكتبه بجانب الحلاق .. منزوي عن مكتب الادارة .. مكتب كئيب كتب على الواجهة ” مكتب المساعد ” .

     في احدى المرات .. وبينما انا القلم ولي حرية الحركة بالدخول والخروج لمكتب الامر .. اتلقف شوارد الكلام .. المقدم رمضان غريبيل يجري تحقيقا مع الخروبي .. قال له : انت ومعمر تحركاتكم مشبوهة ، وتقارير وصلتنا عنكم .. ما خطبكم .. اجابه : ” كواسم كيفنا انا ومعمر يغيروا حاجة .. اذا كان هناك شيء يستحق التغير تلك مهمتكم انتم قادتنا .. الامراء والرتب الكبيرة ” .

    محور الاذاعة .. سيارة بيت فورد يقودها زيدان الهتش بها 25 جندي .. وسيارة ” جيب ” بها القذافي وحراسات .. وسائقه الصالحين احمد مختار من قرية الغريفة وادي الاجال .. اخطأ الهتش الطريق الى الاذاعة .. اتجه عبر طريق البلد .. فيما الجيب اخذت طريق البحر وشارع الشط .. عند مركز البركة سألهم عن طريق الاذاعة .. من هنا .. كانت الجيب في انتظارهم .. ادعن الحراس للأوامر بتسليم اسلحتهم .. دون مقاومة .. وتمت السيطرة ..  مبنى الاذاعة يقع بشارع ضيق ومحصور .. ما يسر امر محاصرتها من الجانبين .

      محور البركة .. لاندروفر الخروبي امامنا .. وحافلة بها 23 جندي .. انا من بينهم .. معسكر البركة حيث ادارة التسليح .. السجن العسكري .. الموسيقى العسكرية .. مجموعة وحدات .. كان الحراس نائمون .. ليبقى كل في مكانه .. ابقى مكانك ولا تتحرك من البطانية .. لا تنهض من فراشك .. كانت كل وحدة بالمعسكر لها مدخل خاص .. سيطرت حراساتنا على المداخل .. لا احد يخرج .. ومن يأتي من الخارج نترصد له وننتظره .. اي ضابط يأتي مع اطلالة الصباح لمباشرة دوامه اليومي .. نعتقله .. نضعه بالسجن تحفظا .. امر الشرطة العسكرية اظهر انزعاجه .. كان الخروبي شاب مكتنز .. قوي البنية .. صفعه على وجهه حتى طار كاب الرأس .. ورمي به في حجرة الحراسات جوار سابقيه .

    محور الدقادوسته .. حيث ادارة الامداد والتموين .. محور المستشفى العسكري حيث كان كل الضباط الكبار يقطنون هناك .. باب واحد يجمعهم مع مبنى المستشفي .. ما يسر السيطرة .. وثم نقل بعض الضابط الى مبنى الاذاعة واحتجازهم هناك .

       الساعة الواحدة ظهرا كانت كل الامور هادئة .. وتمت السيطرة التامة .. بقينا في البركة مركز القيادة الجديدة لمدة شهر .

وللحديث بقية ( المصدر : عين على فزان )

Advertisements

ماذا تبقى من ثورة 23 يوليو؟..

في مثل هذه الأيام، منذ خمسة وستين عاماً، استولى الجيش على السلطة في مصر فيما عرف بثورة 23 يوليو . لاشك أن حكم عبد الناصر قد حقق انجازات كبيرة في مجالات التصنيع ومجانية التعليم والعدالة الاجتماعية لكن هذه الانجازات قد انهارت جميعا بموت عبد الناصر وكأنها قصور من رمال. ماذا تبقى لنا من 23 يوليو ..؟ فيما يلي الإجابة :                        

أولا: تعامل السلطة مع المعارضين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في 12 أغسطس/ آب 1952 تظاهر عمال كفر الدوار وأضربوا مطالبين بزيادة الأجور. كان الإضراب والتظاهر والاعتصام ممارسات عادية يسمح بها العهد الملكي لكن السلطة العسكرية الجديدة رأت في هذا الاضراب اختبارا لقوتها فتم القبض على العمال المضربين وأحيلوا الى المحكمة العسكرية التى أصدرت الحكم بإعدام عاملين هما محمد خميس ومحمد البقري. كان الإخوان المسلمون آنذاك متحالفين مع السلطة العسكرية فأيدوا إعدام خميس والبقري ودعا سيد قطب مفكر الإخوان إلى تطبيق حد الحرابة (قطع اليدين والقدمين) على العمال المضربين. تم إعدام خميس والبقري وبدأ عهد جديد في تاريخ مصر يعتبر فيه كل من يعارض الزعيم خائنا وعميلا يستحق أقصى العقاب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تكن هناك ديمقراطية كاملة في مصر قبل عام 1952، إذ كان من حق الملك، وفقا للدستور، حل البرلمان وإقالة الحكومة وكان القصر يعادي حزب الوفد الذي يقود النضال من أجل الديمقراطية. برغم ذلك كانت الحياة السياسية تتمتع بالتعدد والحيوية وكانت هناك عشرات الأحزاب والحركات السياسية وتمتعت الصحافة بحرية كبيرة مكنتها من كشف الحقائق ومحاربة الفساد. انتهى كل ذلك في 23 يوليو/ تموز وتم بناء الدولة الجديدة  على مقاس رجل واحد هو الزعيم الذي تركزت بين يديه مفاتيح السلطة جميعا وتحول البرلمان إلى هيئة شكلية مهمتها تأييد الزعيم وتنفيذ تعليمات المخابرات وأجهزة الأمن ثم ابتدع النظام الناصري نظام الاستفتاءات (المزورة) التي يحصل فيها الزعيم على 99 في المائة ليستمر في السلطة إلى الأبد وكان من نتيجة انفراد الزعيم بالسلطة هزيمة الجيش المصري في عام 1967.

ثالثا:الحرية للشعب فقط

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رفع نظام 23 يوليو شعار : “كل الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب”.

ولابد أن نتساءل هنا من هم أعداء الشعب وكيف نعرفهم؟ الإجابة أن عدو الشعب هو كل من يعارض سياسات الزعيم وهو يستحق بذلك كل أنواع العقاب بدءا من فصله من عمله أو اعتقاله وتعذيبه أو حبسه بتهم ملفقة أو حتى إعدامه. إن ماكينة القمع الجبارة التي نعاني منها الآن قد تم انتاجها لأول مرة بواسطة نظام 23 يوليو.

رابعا: الاستفادة بخبرات العسكريين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحت هذا الشعار قام نظام يوليو بتوزيع المناصب العليا والامتيازات على العسكريين في كل مؤسسات الدولة. كان الهدف إرضاء العسكريين وضمان ولائهم وفي نفس الوقت فإن الحكم العسكري لايثق إلا في العسكريين الذين تربوا على طاعة الأوامر وتنفيذها بدون مناقشة. كانت النتيجة أن تولى العسكريون إدارة المؤسسات المدنية وهم يفتقرون إلى الخبرة والمعرفة مما تسبب في تدهور الأداء في كل مجالات الدولة.

خامسا: الإعلام في خدمة الشعب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في 24 مايو/ أيار 1960 أصدر الرئيس عبد الناصر قرارا بتأميم الصحافة وصارت كل الصحف ملكا للدولة تتحكم فيها المخابرات وأجهزة الأمن والمؤسف أن صحفيين كبارا مثل محمد حسنين هيكل وفتحي غانم وعلى أمين قد باركوا تأميم الصحافة المصرية. منذ ذلك التاريخ  سقط الإعلام المصري في قبضة النظام العسكري وبات الرأي العام أسيرا لأكاذيب الإعلام الموجه وصارت علاقة الصحفي بأجهزة الأمن هي الضمان الوحيد لترقيه واختياره للمناصب العليا وقد ارتكب الإعلام الموجه ولازال جرائم كبرى في حق الرأي العام وكان ولازال ينافق الرئيس ويخفي الحقائق ويذيع الأكاذيب وكانت سقطة الإعلام الناصري الكبرى أثناء حرب 1967 حين ظل ملايين المصريين  عدة أيام مقتنعين، بسبب الإعلام الكاذب، بأن الجيش يحقق انتصارات على إسرائيل حتى تكشف حجم الهزيمة في يوم 9 يونيو/ حزيران.

سادسا: ظهور المواطن المستقر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتيجة للقمع المروع الذى تعرض له كل من عارض الحكم الناصري نشأت أجيال متعاقبة في مصر ترى في العمل العام نوعا من الحماقة. انتشرت السلبية وانكفأ كل مواطن على عمله وأسرته وظهر في المجتمع نموذج المواطن المستقر الذي لا يهتم في العالم إلا بأكل عيشه وتربية أولاده وتزويجهم وصار المصري غالبا يهتم بامتحان الثانوية العامة الذي يجتازه ابنه أكثر بكثير من اهتمامه بالدستور أو الانتخابات.أصبحت السياسة أمرا يخص الزعيم وحده وهو يمارسه بالنيابة عن الشعب كله. ولاشك أن كل من يطالع تاريخنا سيدهشه أن قرارات مصيرية مثل الصلح مع إسرائيل أو الانفتاح الاقتصادي قد قررها الزعيم بإرادته المنفردة ولم يشعر بحاجة إلى استشارة الشعب الذي سيدفع ثمن هذه القرارات.

سابعا: الولاء قبل الكفاءة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لأن النظام العسكري يخاف دائما من حدوث انقلاب ضده فهو دائما ما يستعين بالموالين له بغض النظر عن مستوى كفاءتهم وقد أدى ذلك إلى استبعاد أصحاب الكفاءات وانتشار النفاق بين المصريين وصارت المناصب الكبرى غالبا حكرا على المنافقين والأفاقين وعملاء الأمن مما أدى الى تدهور مصر في كل المجالات. 

إن ما تعانيه مصر اليوم من قمع وفساد واستبداد هو كل ما تبقى لنا من نظام 23 يوليو. لن تنهض بلادنا إلا بإقامة نظام مدني ديمقراطي.

علاء الاسواني

كتاب ري الغليل .. تحميل

لقد جعلنا كتابنا في مئتين وواحد صفحة .. تلبية لطلب الحاج عبدالحميد الذي وعد بعرضه على ولات الدولة للنظر في سفرنا وما جرى علينا .. والسلام على القارئ والمستمع من كاتب ما جرى عليه وجميع ما رأى من اخبار .. العبد الفقير الى مولاه الجليل .. عبده محمد بن السلطان عبدالجليل غيث بن احمد بن سيف النصر .. تاب الله عليه .. امين .. اتمه في شهر دي الحجة عام 1368 .. الان الكتاب على الانترنت .. اضغط الرابط :

كتاب ري الغليل سلاطين فزان

 

عندما تطوعت بالقوة المتحركة

    

   من الزيغن .. ضنك وعوز .. طفل لم يتجاور الخامسة عشر .. بحثا عن لقمة العيش .. كان ذلك عام 1963 م .. سيارة داف .. نجد لنا مكان في صندوق الشاحنة .. الى بنغازي .. عملت بداية مع شركة ابيكو لاستيراد وتصنيع الالات الثقيلة .. اعمال الميكنة .. ومن مساعد سائق شاحنة .. اصبحت قائد شاحنة ممتدة تحمل على ظهرها 3 انابيب ضخمة بطول 9 متر .. مواسير ضخ البترول من حقل الحريقه الى ميناء الحريقة بطبرق .. اول خط ومعرفة لليبيا بالنفط .. مسافة 1000 كم متر .. كل قافلة من عشرون شاحنة ترافقها سيارة لاندرفر ( سكاندا سيريا ) .. مجهزة بالاتصالات والبلاغ عن اية شاحنة تتعطل اثناء الترحال .. ومع الانتهاء من اعمال التنفيذ .. وبداية ضخ البترول .. وقد شاهدته عيانا .. قدمت استقالتي .. وعدت الى فزان .. لا يزال الجيل يعيرونني بها .. ( وجه الفقر يستحي من الغنى .. بعد شاف البترول والخير استقال وروح لفزان ) .. بيني وبينك .. حق عفسه .

    اعدت التجربة مع شركة ” ساسكو ” .. لصاحبها : عبدالله عابد السنوسي .. ..والتي انجزت طريق بوقرين – فزان .. ومنها انتقلت الى شركة الاويسس الانجليزية .. وفي الاويسس ، صارت مهمتنا تزويد الفرق العاملة على آلات الحفر .. نقلت الة ( رق 10 ) من جالوا الى الجغبوب .. اربع صهاريج اسبوعيا .. اثنان نافثة .. واثنان بنزين .. كنا ننقل الوقود ونعبر اولا ارض بطحاء .. بيضاء تعانق الافق استواء .. وما ان تنتهي امامنا 100 كم .. السير فقط عبر المسار المحدد سلفا .. خشية الالغام المطمورة منذ الحرب العالمية الثانية .. وقد سالت دماء المحور والحلفاء بغزارة هنا .. وفي بير حكيم .

    ذات مرة .. حدث ان تعطلت الشاحنة في براح ما بعد المسار الملزم .. قريبا من خرمة الجبل .. مضيق وارض رحبة بين مرتفعات شاهقة .. ذهب السائق الى بنغازي لإحضار القطعة العاطلة .. وبقيت وحدي .. حارس ” عساس ” للشاحنة .. مدة شهر كامل .. نضب الزاد والماء سوى ما جاد به عابر سبيل من زملائنا صادف مروره .. متوحدا في صحراء مقفرة موحشة .. وما زاد في وحشتها .. انني عند طلوع النهار اتمشى في المحيط .. ويبدو ان المكان شهد معارك الحرب العالمية الثانية .. وذات يوم صعدت الجبل .. وبانت لي غابة اشجار الطلح .. متراصة ومخضرة في منظر بديع .. مسافة كيلو متر واحد .. قصدتها .. اطلال 12 عربة محترقة .. خوذ الجنود .. رفاتهم .. ملابسهم .. جماجمهم .. ايادي مقطوعة ومبعرة وقد صات عظامها بيضاء ناصعة .. كنت حديث سن .. وسط مشاهد لا تحكي سوى قصص الموت .. ومن ترك رفاتهم بالصحراء .. اوجست خيفة .. وزادني فيما بعد .. تعرفي على اثر حيوان مخلب .. يجول حول منامي .. اخترت النوم ليلا داخل ( دومان ) السيارة .. وفي احايين عده .. اسهر الليل .. وأنام النهار .

     عبرت تلك التجربة .. قررت ترك العمل بالصحراء .. في بنغازي .. اخبرني احدهم ان ” القوة المتحركة ” .. ستعلن قريبا عن قبول مجندين .. كان امر القوة السنوسي الفزاني .. انتظرت رفقة ” شكابلية عرب الزيغن في حي البركة ” .. اهل واحتي .. زمرة رفاق الصبا والنشأة .. وعندما اعلن عن التجنيد .. ذهبت الى معسكر ” بنينه ” .. كنا المتقدمين 500 مجند .. قبل منهم 250 فرد .. كنت احد المقبولين .. حضر السنوسي الفزاني بنفسه .. يرافقه طبيب .. وصار يعبر من امامنا ونحن في حالة اصطفاف .. ومن يشير اليه بعصا التشريفات .. ينتحي جانبا .. كان هو الذي اختار .. واوعز للطبيب اجراء الكشوفات الطبية لنا .. ومن هناك الى معسكر قريناده .. قرب مدينة البيضاء .. استلمنا مهماتنا كاملة .. الالبسة والاربطة .. المدربين انجليز .. ووزعنا على الشعب الثلاث .. النجدة .. خفر السفارات .. خفر النفط .. وكنت ضمن فرق النجدة .. وبعد تدريب عنيف استمر طوال عام 1967 م .. والامتثال التام للأوامر .. وكيفية اداء مهمتنا الاساسية .. مكافحة الشغب .. لنا لباسنا الخاص .. كما لكل شعبة زيها الخاص .. التشريفات لخفر السفارات .. الكاكي البني ، والحبل الاحمر حول الابط .. لخفر النفط .. كنا دائما على اهبة الاستعداد .. بندقيتك البلجيكي برفقتك دائما .. مع عشرون ظرف رصاص حي .. وعندما تأتي الاوامر .. كما في المظاهرة التي جابت من البركة الى ميدان الشجرة .. نرافق المحتجين مسيرتهم .. على اطراف الحشد .. دون تدخل .. واي شخص يحاول الاعتداء او تهشيم واجهات .. نتقدم لصفعه .. لدينا طرقنا المتعددة .. لسعة بالعصا الكهربائية .. واذا كانوا شلة .. او خرج الجمهور عن طوره .. نستخدم غاز مسيل الدموع .. في جعبة كل واحد منا .. عشرون طلقة غاز .. اذا اقترب زحفه اكثر .. اطلاق النار في الهواء .. اذا لم يتراجعوا .. وهرج المكان .. اطلاق الرصاص الحي .. اسفل الركبة .. أي اصابة اعلى الركبة تعاقب عليها .. كنا مهرة في التصويب .
   يحظر الخروج بدون اذن من المعسكر .. وداخل المعسكر انت في وضع الجاهزية دائما .. طلبت اذن خروج .. مبررا زيارة اقارب لي قدموا من فزان .. ومن معسكر بنينه بعد نهاية دوام الظهيرة .. سمح لي بالخروج .. الى حي البركة .. ” حوش شكابلية عرب الزيغن ” .. رفاق الدرب .. وفي المساء .. عودة قبل الساعة التاسعة .. عند ” مفوز البركه ” .. بداية طريق بنينه .. 7 كم .. اقف استجدي باشارة يدي سيارة عابرة تختصر لي المسافة .. السيارات قليلة .. توقفت سيارة مرسيدس فارهة .. طننت انه غريب تاه الطريق ..   يسألني الطريق الى اين .. فتح باب السيارة .. قال لي : اركب .. ركبت بهدوء وخجل .. اضاءة السيارة الداخلية .. مع فتح الباب .. تعرفت على شخصه .. كان الآمر العام للقوى المتحركة .. الزعيم السنوسي الفزاني .. يضع مسدسه بجوار عتلة حركة التروس .. وبندقية اليه على سطح الكرسي الخلفي .. كان من طبيعته لا يهنأ ليلا .. يطوف بين المعسكرات .. وقيل .. انه عندما تعرض لحادث سير قرب المرج .. اصيب برأسه .. بقي سنتان للعلاج في بريطانيا .. وعندما عاد .. ظل هكذا .. الطبيب اوصاه بعدم النوم لأكثر من ساعتين كلما امكن ذلك .. وقد اعتاده هو الاخر .. تراه اواخر الليل .. يحوم .

   ساد الصمت لمسافة .. قلت في نفسي : الفرصة حانت .. وجاءت الى حيث اقدامك .. فلا تلفظها .. انتهزها .. اعرف انه ينتمي لقبيلتي .. ولم يسبق لي اللقاء به في غير معسكرات القوى المتحركة .. وهناك لا مجال لغير لغة العسكر .. قلت له : انا من الجنوب .. فزان .. واعرف انك ابن عم لي .. ومن قبيلتي .. واتشرف بهده الصدفة التي جمعتنا .. وبالتعرف اليك .. رد باقتضاب : ” خليك في شغلك ” .. تلعثم لساني .. وعاد الصمت يحبس الانفاس .. عاد لي صوابي .. وتذكرت هوة المسافة الفاصلة بين مجند وزعيم .. اقتربنا من بوابة المعسكر .. وكالعادة نداءات الحارس الثلاث .. قف .. تقدم .. قف .. تقدم .. وفي الثالثة .. عندما تعرف على شخصه .. ادى التحية .. عبرنا البوابة .. توقف ونادي ضابط خفر .. قال له : ضعه في السجن .. قضيت ليلتي .. وفي ظهيرة اليوم التالي .. نودي عليّ .. كان لا يزال بالمعسكر .. افرج عني وطلب الي الاستعداد لمقابلته .. عملت كل ما يلزم لإظهار قيافتي على اتم وجه .. ولجت باب مكتبه .. القيت التحية .. وانتصبت في وضع الاستعداد بعد المسافة المسموح بها .. تطلع اليّ مرات ومرات دونما ينبس بكلمة .. ويبدو ان قيافتي .. وحدب كي البدلة بالنشاء .. والنطاق والازرار بالسيدروا .. اعجبه .. قال لي : لقد شفعت لك هذه البذلة والقيافة .. لكن انتبه : ” لا تأتي على لسانك بلفظ قبيلة مرة اخرى ” .. انصرف .. غادرت .. ورحلت الغمامة عن وجه الزعيم .
     دائما في حل وترحال .. الاقامة بالمعسكر عينه ثلاثة شهور فقط .. تتبادل افواج المعسكرات .. الانتقال يشمل جميع الجنود والضباط .. يستثني طقم الادرايين بالمعسكر .. قرنادة بدل بنينه .. وبنينه بدل البريقه .. وهكذا .

       مهمتنا لا تقف عند حدود كبح الشغب .. بل وتغطية أي عجز امني .. في أي موقع ترعاه القوى المتحركة .. قد اندب الى شعبة اخرى .. ارتدي لباسهم .. وانتقل للسكن بجوارهم .. في ذات مقرهم .. ليلة 1 . 9 . 1969 م .. كنا اربعة اشخاص نذرع باحة المطار .. حراسة الطائرات .. سمعنا لحن مارشات عسكرية عبر الاذاعة المسموعة .. توقعنا ان الملك مات .. كان حينها في رحلة علاجية لتركيا .. لم نكترث .. وعند الفجر .. حظر ملازم من القوة المتحركة .. طلب منا تسليم العتاد .. والإبقاء على بنادقنا وعدم تسليمها لأحد كان .. بقينا على ذلك الحال ايام .. كانت حينها كل المعسكرات لا تزيد قوتها عن 50 فرد .. اما البقية .. فقد صدرت تعليمات بإحلال البديل للقوة المتمركزة لحماية حقول النفط .. كانوا لا يزالوا في الطريق لإجراء البدل .. وقبل عودة القوى .. اقتحمت المقرات جملة .. بمساعدة ضباط من داخل القوى المتحركة نفسها .. فوجئنا عندما اجتمع بنا احد الضباط المعروفين بيننا .. والقى خطبة .. عن ضياع الوطن .. وتفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة .. وأضاف : انه سوف يتم احالة ملفاتنا لوزارة الداخلية .. وانه بإمكاننا من الان مغادرة المعسكر ، والالتحاق بالوزارة لإعادة توزيعنا .

   عند مبنى وزارة الداخلية .. التقيت بزملاء لي .. كنا اربعة اشخاص ثم تنسيبنا الى ادارة الشرطة بالبيضاء .. رفضنا .. ماذا سنعمل هناك ؟ .. وفيما نحاور الضابط المسئول برتبة رائد شرطة .. دخل ضابط جيش برتبة ملازم .. نهض الرائد من مكتبه ، وقدم له التحية .. نالنا العجب ..!! .. ما الذي يجري ؟ وكيف لرائد ان يقدم التحية مسبقا لملازم ثان اقل رتبة منه .. لكن الرائد اصر على عدم النظر في طلبنا .. واوعز لنا بتنفيذ القرار .. كان عند الباب يقف رئيس عرفاء .. همس لنا اثناء خروجنا قائلا : ” هذا ما يقدر ايديرلكم شي .. وحتى جبان .. لكن انتظروا عند سارية العلم في الساحة .. عندما تأتي سيارة لاندروفر سكاندا سيريا مسيجة بشباك حديدي على الزجاج .. اقتربوا منها .. واعرضوا قضيتكم .

      ظللنا ننتظر .. ولم يتأخر كثيرا .. تقدمنا نحوه .. ضابط برتبة كبيرة .. يقود السيارة به سائق .. كان المقدم موسى احمد .. وزير الداخلية .. بادرنا بالسؤال .. اجبناه اننا نريد النقل الى اجدابيا .. وعندما وجه لي السؤال .. من لديكم من اقارب هناك .. قلت ابناء عمومتي .. نادى على رئيس العرفاء .. قال له : قل للرائد يصدر قرارات بنقلهم الى حيث يريدون .

     في اجدابيا عملت حارسا .. مبنى المصرف التجاري .. وذات يوم سألني زميل .. لما لا تزور ابناء عمومتك باجدابيا .. قلت له : لا اعرف اماكن بيوتهم .. وفي اليوم التالي .. حضر الحاج زيدان بن كيلاني .. الى حيث انا اؤدي واجبي .. سألني عن اهلي وأعمامي .. وطلب مني المغادرة معه .. اعتذرت .. ارسل لمدير المركز يطلبه .. حضر الضابط .. وعانقه .. عمي زيدان اطلب .. وعندما طلب منه ان يخلى سبيلي .. في الحال .. حضر بديل الحراسة .. وذهبت الى حي ابناء عمومتي .. وصار لي مستقرا في اجدابيا .

   مضت 6 اشهر .. تقدمت بطلب نقل الى البريقه .. تمت الموافقة على الفور .. وهناك بقيت اتلذذ الطعام الشهي على حساب الشركة النفطية .. ولا خدمة لا قدمه .. مدة 4 شهور .. وفي الاثناء تعرفت على شخص قدم للتو .. طويل القامة .. من تبو القطرون .. تعارفنا .. وجمعنا حنين فزان .. سكن بالغرفة المجاورة لي .. ومكثنا سويا .. كنا طوال الوقت متلازمين .. قدم من طبرق بعدما كان مناوبا في حراسة الملك .. حراس الملك التبو .. ومن بين ما يسلي به نفسه في العادة .. ” خط الرمل ” .. التنبؤ بالمستقبل .. قلت له ذات يوم .. تقدمت بطلب نقل الى فزان منذ فترة .. هل لك ان تكشف لي مصيره .. قال : لم يبقى لك سوى يومين بهذا المكان وهذه البلاد .. وفي اليوم الثاني كنت قد غادرت .. وصلت برقية تفيد الموافقة على نقلي لفزان .. عودة اخرى لأرض الجذور .. عند مدرية امن سبها .. نسبت للعمل بفرق الدفاع المدني .. حضيت بدورات في ايطاليا لمدة عام .. وفي النمسا ثلاث شهور .. وفي تونس ثلاث شهور .. اتقن اعمال اطفاء الحرائق .. وسبل محاصرة النيران .. اقود الشاحنة احيانا بنفسي .. وفي احيان تجدني اقبض على فوهة انبوب الرش .. عندما كنت مجرد منتسب .. وعندما اصبحت مديرا .. وضرب الدهر ضرباته .. واشتعل الرأس شيبا .. ركنت الى التقاعد .. اواسي نفسي بلقاء متقاعدين مثلي .. وتستمر الحياة .

المصدر .. عين على فزان 

ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش ..

 Kolumnisten Al-Aswani

هل تعرف مصطفى البشتيلي..؟                                           

هذا الرجل نادرا ما يذكره أحد بالرغم من دوره العظيم في تاريخ مصر. أصله من قرية بشتيل بمحافظة الجيزة، عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798 كان مصطفى البشتيلي تاجرا ثريا  يمتلك وكالة (محلا كبيرا) لبيع الزيوت في بولاق أبوالعلا ويعيش حياة مرفهة مع أسرته، لم يكن ينقصه شيء، لكنه قرر أن يقاوم الاحتلال الفرنسي فشرع يخزن البارود في براميل الزيت استعدادا ليوم الثورة ثم وشى به بعض جيرانه للسلطة الفرنسية التي أمرت بتفتيش الوكالة ولما وجد الفرنسيون البارود عنده قبضوا عليه وألقوا به في السجن بضعة أشهر ثم أطلقوا سراحه، كان من الممكن لمصطفى البشتيلي عندئذ أن يبتعد عن المشاكل ويعكف على تجارته المربحة، لكنه كان مصرًّا على مقاومة الفرنسيين.

في مارس عام 1800 عندما اندلعت ثورة القاهرة الثانية ضد الجيش الفرنسي تحول مصطفى البشتيلي إلى زعيم حقيقي يمد الثوار بالاسلحة وينفق من ماله لتلبية احتياجاتهم ويقودهم بنفسه في غاراتهم المستمرة على معسكرات الفرنسيين . كان نابليون بونابرت قد عاد إلى فرنسا وترك قيادة الحملة للجنرال كليبر الذي فوجئ بضراوة الثورة فعرض على المصريين الثائرين الصلح ولما رفضوا شن الجيش الفرنسي هجوما كاسحا على القاهرة استباح خلاله قتل المصريين وسبي نسائهم ونهب أموالهم ومتاعهم وقد انهمرت القنابل الفرنسية بغزارة فأحرقت حي بولاق بالكامل وأحياء أخرى كثيرة في القاهرة.

 وفي النهاية تمكن الفرنسيون من اخماد الثورة المصرية وفر مصطفى البشتيلي هربا من الفرنسيين لكنهم نجحوا في القبض عليه. هنا حدثت واقعة مأساوية وفريدة من نوعها. لم يرد الجنرال كليبر أن يصدر قرارا باعدام مصطفى البشتيلي حتى لا يتحول إلى بطل في نظر الشعب فطلب من جموع المصريين في بولاق أن يعاقبوا البشتيلي بأنفسهم لأنه حرضهم على الفتنة التي أدت إلى احراق بيوتهم وقتل أقاربهم وسبي نسائهم.

 لقد حمل الجنرال كليبر البشتيلي المسؤولية عن كل الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي لاخماد الثورة. الغريب أن المصريين اقتنعوا بهذا المنطق الشاذ وقاموا بتجريس مصطفى البشتيلي. التجريس عقوبة قديمة يتم فيها اجلاس الشخص المعاقب على الحمار بالمقلوب ثم يطوف بالشوارع فيبصق الناس على وجهه ويصفعونه ويشتمونه. قام المصريون بتجريس زعيمهم مصطفى البشتيلي  وفي النهاية انهالوا عليه ضربا بالنبابيت حتى قتلوه. يحاول بعض المؤرخين التخفيف من هذه الواقعة المشينة فيقولون إن المصريين جرسوا البشتيلي وقتلوه خوفا من بطش الجنرال كليبر. هذا تبرير غير منطقي وعذر أقبح من ذنب. اذ كيف يخاف المصريون على حياتهم فيقتلون زعيمهم بأيديهم؟ واذا خاف بعضهم فارتكبوا هذه الجريمة الشنيعة فلماذا لم ينقذ بقية المصريين البشتيلي العظيم ووقفوا يتفرجون عليه وهو يتعرض للتجريس والقتل؟

 

كيف نسي المصريون فضل هذا الزعيم  الذى ضحى بكل شيء من أجل استقلال بلاده ..؟ كيف طاوعتهم أنفسهم على قتله وهو الذى كان يدافع عن حريتهم وكرامتهم..؟ ماذا دار بذهن مصطفى البشتيلي وهو راكب على الحمار بالمقلوب والمصريون يبصقون عليه ويشتمونه ويضربونه بالنبابيت..؟ هل ندم على اشتراكه في المقاومة وهو يرى المصريين الذى دافع عن حريتهم يهينونه ويضربونه..؟ ان مقتل مصطفى البشتيلي المأساوى يعلمنا أن المصريين، منذ قرون، يحملون رؤيتين متناقضتين للحياة.

لقد كان مصطفى البشتيلي مثل مصريين كثيرين رجلا ثوريا يهتم بأحوال بلاده بنفس قدر اهتمامه بأسرته وهو لا يطيق الحياة اذا كانت بلاده محتلة أو ذليلة، انه يفضل الموت على الحياة بلا كرامة ولاحرية. بالمقابل فان الذين جرسوا البشتيلي وقتلوه، مثل مصريين كثيرين أيضا،  ينتمون إلى نوع المواطن المستقر الذي يفضل الاستقرار على أي شيء في الحياة، ان كل ما يهمه أكل عيشه حتى لو ضاعت كرامته وحريته. الأهم عند المواطن المستقر أن يكسب ويأكل ويشرب ويمارس الجنس بكفاءة مع زوجته ويربي أولاده ويعلمهم ويزوجهم. ان انتماءه منحصر في أسرته وهو لايهتم اطلاقا بما يحدث خارجها. المواطن المستقر يعتبر السلطة قوة قاهرة يجب أن يخضع لها تماما لأن مقاومتها ستكلفه ثمنا لايريد ولايستطيع أن يدفعه انه يطيع الحاكم المستبد ولسان حاله يقول: “ارفسنا بقدمك ودعنا نعيش”. المواطن المستقر يعتبر الثورة ضد الظلم حماقة ويكره المناضلين من أجل الحرية ويعتبرهم مثيرين للفتن ويحملهم مسؤولية وقف حاله وقطع رزقه.

كل تقدم أحرزته مصر نحو الاستقلال والحرية يرجع الفضل فيه للمصريين الثوريين مثل البشتيلي وكل اخفاق حدث للثورات المصرية كان سببه الأول خنوع المواطن المستقر وأنانيته وضيق أفقه.  ان مشهد تجريس الزعيم مصطفى البشتيلي وقتله بأيدي المصريين الذين دافع عن حريتهم لازال قادرا على الهامنا لنفهم المشهد في مصر اليوم. ألا يشبه شباب الثورة مصطفى البشتيلي..؟ لقد ثاروا في يناير 2011 دفاعا عن حرية وكرامة المصريين فكان جزاؤهم القتل وفقء الأعين بالخرطوش وكثيرون منهم قابعون في السجون يتعرضون لتعذيب بشع وبرغم ذلك لازالوا ثابتين على مبادئهم، وبالمقابل هناك مصريين ينتمون لطائفة المواطن المستقر مثل قتلة البشتيلي. هؤلاء لا تعنيهم الثورة ولا يريدونها أساسا وهم يفضلون لقمة العيش على الحرية والكرامة ويعيشون متوائمين مع الظلم والفساد ولايدركون أن من يتنازل عن حريته من أجل لقمة العيش سيخسر لقمة العيش والحرية معا.لن تتقدم مصر الا اذا طالب المواطن المستقر بحريته وتخلص من خوفه واذعانه للاستبداد.

علاء الأسواني:..

في مقاله* لـ DW عربية يشرح علاء الأسواني المشهد السياسي في مصر في ضوء واقعة تاريخية غريبة.

سجال في سقيفة الأطلال

عبد الرحمن شلقم
 
خطابان للرئيس التونسي الراحل الحبيب أبو رقيبة لا يمكن طيّهما من سجل الذاكرة السياسية العربية. الأول كان في مدينة أريحا بالضفة الغربية، عندما زارها سنة 1965. وقال في خطابه: «على العرب أن يفعّلوا قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة بتاريخ 27 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947». والخطاب الثاني الذي ألقاه في مسرح البالمريوم بالعاصمة التونسية في حضرة القائد الليبي الراحل العقيد معمر القذافي سنة 1972. وقال رداً على طرح القذافي لمشروع الوحدة بين البلدين: علينا أن يوحد كل واحد منا بلاده أولا.
بعد الخطاب الأول قامت القيامة الإعلامية العربية ضد أبو رقيبة، وصفته بالعمالة والتنازل عن فلسطين وخيانة الأمة العربية. أما خطاب البالمريوم في حضرة القذافي فقد قفز عليه الاثنان ووقعا اتفاقية جربة للوحدة الاندماجية بين ليبيا وتونس. كان الرئيس بورقيبة في خطابه الأول بأريحا يعبر عن عقيدة المدرسة التي أسسها هو وكان أول طلابها وأساتذتها. منهجها ومحور فكرها «خذ وطالب».
أما العنوان والقاعدة التي عبر عنها في خطابه الثاني «كن واقعياً واطلب المستحيل».
هل غطى تراب الزمن أرجام المسارات السياسية التي وضعها بورقيبة واهتدى بها؟ وهل قدمت مدارس الزمان ومعارك الأوطان رؤية سياسية عربية تقارع ما أنزلته النوازل فوق الكاهل العربي؟
بلا شك كان تطور المتغيرات الدولية كبيراً وشاملاً في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. لقد انهار الاتحاد السوفياتي وكتلته الشرقية، وتلاشى حلف وارسو الجسم العسكري الشيوعي المقابل للناتو. ورحل عصر الآيدولوجيا. قام الاتحاد الأوروبي، العملاق السياسي والاقتصادي على الضفة الأخرى من القارة المقابلة لنا، ضم كل دول دولها وهي الشريك الأول لنا في كل شيء، الماضي بما له وما عليه، الحاضر الاقتصادي الذي يمتص ما تجود به أرضنا علينا ويصدرون لنا ما تبدعه عقولهم وتصنعه سواعدهم. انهارت الأنظمة الشمولية الفاشية العسكرية في أميركا اللاتينية، وبرزت نمور اقتصادية شكلت نهضة نوعية في جنوب الكرة الأرضية. سرت حركة تنوير وطنية جديدة وديمقراطية عتيدة، وتراجعت موجة المد اليساري الثوري.
بروز الصين قوة اقتصادية ضاربة، تغزو ببضاعتها الرخيصة الدنيا. وتحركت في الدنيا بقوة ناعمة، شجعت مواطنيها على الرحيل إلى قارات العالم للاستثمار، قدمت مساعدات هائلة للدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا دون أهداف سياسية، بعيدا عن الوهم الآيديولوجي الماوي، مسحت فلسفة الرئيس دنغ سياو بينغ فلسفة ماو تسي تونغ، جملة واحدة قالها سياو بينغ: «لا يهم لون القط، المهم أن يأكل الفأر».
ترافق ذلك مع بروز ما عرف بالنمور الآسيوية التي احتلت مكانا مهماً في الاقتصاد العالمي.
تطورات شاملة، وتكتلات سياسية واقتصادية شكلت بديلاً ضخماً لخرائط ما بعد الحرب العالمية الثانية وزوال فحيح الحرب العالمية الباردة. خلقت عالماً جديداً تعملق بقوة الثورة التقنية الهائلة، وتطوير وسائل الإنتاج بصورة إعجازية مذهلة.
عصفت السنون على الدنيا في كل شيء. السياسة، الاقتصاد، الثقافة، التعليم، التقنية ووسائل المواصلات والاتصالات. غمرت العالم فلسفات وأفكار ومناهج غيرت نسق التفكير الإنساني. تشكلت تحالفات اقتصادية. وضعت القوة العسكرية أوزارها إلى حد كبير في التدافع الإنساني نحو تحقيق الأهداف والطموحات الوطنية.
ماذا فعلنا نحن؟
لم نقرأ حجم ما حدث في الدنيا، ولم نقيّم أثر ذلك وتأثيره علينا. لم نستورد ما يضيف لنا من هذا التكوين الجديد للدنيا أو نبدع نسقاً فكرياً جديداً يؤهلنا لعبور بوابة الكون الجديد. لم نحذف شيئاً مما تراكم في الرؤوس منذ قرون، ولم نغرس فيها نباتاً جديداً أبدعت فسائله مسيرة الزمان.
أعتقد أن قضية «الهوية العربية»، هي سقيفة الأطلال التي نطوف فيها حول ظلال تداعت جدرانها منذ قرون خلت، ظلال التصقت بالذاكرة وأصبحت موجِها فاعلاً للعقل. اقفرت المنازل لكن العقول لم تزل أواهل منها.
لك يا منازلُ قي القلوب منازلُ
أقفرت أنت وهن منك أواهلُ
كأن المتنبي ينقل على الهواء كيمياء عقولنا اليوم. هل نحن «شعوب عربية؟» أم «أمة عربية؟». وطن عربي؟ عالم عربي؟ أم مجرد «ناطقين باللغة العربية» مثل شعوب أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية باستثناء البرازيل؟
البشر كائن ينمو مثل كل الكائنات الحية الأخرى، تراكم التجارب والخبرات والتعليم والتعلم يخلّق كيانات ومكونات تختلف عما سبقها وإن بقيت في نفس المكان. ذلك هو سر استمرار الحياة وتقدمها. لو قلت لمواطن أميركي سنة 1970 إن الولايات المتحدة الأميركية سيترأسها رجل أسود من أصل أفريقي والده مسلم. سينظر إليك مشفقاً ساخراً، يقول لك: هل جننت؟! وإذا قلت لآخر هناك احتمال أن تترشح امرأة لرئاسة أميركا قريباً وتكون لها الفرصة الكبيرة للفوز، فقد يصفعك غاضباً. نفس الشيء سيحدث إذا قلت حينئذ لمواطن بريطاني إن رجلاً مسلماً سيكون عمدة لندن عاصمة محراب عقيدة المحافظة.
العلاقة بين العرب ظلت معلقة فوق حبال التفكير الرغبوي الحالم، لم تخط خرائطها بمقاييس رسم متجددة وواقعية. رفعت شعارات الوحدة، وانتهت بالغزو والحروب. الجامعة العربية من أقدم أجسام التجمعات الإقليمية، لكنها لم تزل كما ولدت منذ عقود، لأن العقل الذي صنع ذلك الجسم بقي كما هو ولم يتطور.
لو نبدأ اليوم بسياسات «حسن الجوار». وبعد أن تترسخ ننتقل إلى تطوير التبادل التجاري. ستأتي بعد ذلك حالة جديدة من التفكير الثنائي، تلد حقائق تفعل فعلها على الأرض.
عقلية «الأطلال) هي التي جعلت المسافة بين غزة والضفة الغربية أبعد من المسافة بينهما وبين تل أبيب.
السبت  15 يوليو 2017 مـ
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

جميلات في سريرالعسكر والمخابرات وفضائح الروحانيات بين فيلا المشير وخيمة العقيد

 

غرقوا في الفاحشة والرذيلة، استباحوا أعراض الأطفال والنساء، ووسخوا قفازاتهم المصنوعة من فراء الذئاب، بالقيح والدماء، زوروا التاريخ، واغتصبوا الجغرافيا، وحولوا الأمة إلى زريبة، والخارطة إلى ركوبة، من أجل ماذا؟ من أجل التيجان والصولجان؟ أم لأنهم من شلة أهل الصنعة في نادي (المسطرة والفرجار)، وعبدة للشيطان لوسفير «ملاك العصيان، المطرود من الجنة»؟
لو أنك رأيتهم في غرفهم الحمراء، وثكناتهم العسكرية العزلاء، وقصورهم المدنسة بالمنكر والفحشاء، لوليت منهم قرفا، خاصة حين تعلم أن كل أسرار الجيش المصري قبيل حرب فلسطين، كانت تصل إلى عصابات الاحتلال، من سرير الملك فاروق مباشرة، عبر الممثلة اليهودية «كاميليا»، التي اقتصر عمرها الفني على أربع سنوات فقط (1946 – 1950) قبل أن تنتهي حياتها بتذكرة موت، تخلى عنها أنيس منصور في آخر لحظة، لتتلقفها هي، حيث كان الأجل بانتظارها، على متن الطائرة التي وقعت، فأخذت معها عشيقة «فاروق» وغريمه السينمائي «رشدي أباظة»، وعميلة الموساد «ليليان كوهين»، التي كانت تقايض القبلة بالمعلومة، كما يرد في برنامج «جميلات في سرير المخابرات»، فما بالك بما هو أعظم من القبلات!

السيمفونية العاشرة: وردة العقيد السوداء

«الوردة السوداء»، كما أطلق عليها العقيد معمرالقذافي، لدوافع غريبة وميول غامضة جذبته لكونداليزا رايس، حفزته على تأليف سيمونية خاصة بالمرأة التي دمرت الشرق بأكمله، وقدمت فخامته أضحية القذافيين الصغار من ورثته الذي انقلبوا عليه!
وثائق ويكيليكس، لم ترحم القذافي، الذي تضج حياته بالمغامرات المستهجنة والسلوكيات الشاذة، حين سربت معلومات سرية عن ممرضاته الأوكرانيات الأربع، خاصة بالذكر، الشقراء جالينا كولوتنياستكا، والوظيفة الحصرية التي خصها بها القذافي ألا وهي تعديل المزاج، خلال صولاته السياسية، أو حين تجتاحه رغبة وطنية عارمة للابتهاج!
غرابة الأطوار والعلاقات الجنسية المشبوهة لم تقتصر عليه بالطبع، ولكن ما ميزه عن غيره، هو اختياراته، التي جعلت من نسائه حارسات لحتفه وليس لحياته! فتأسيسه لجيش من النواعم أطلق عليهن «حارسات الأمازون»، لم يكن فقط خوفا من غدر أو انقلاب الحراس الذكور عليه، بل لأن ارتباط العنف بالحب عامل نفسي يعزز عنده طاقة الانتشاء بممارسة النقيضين في لعبة واحدة، ولو أنك عدت لإفادات معتقلات سياسيات في سجون القذافي، أجرت الجزيرة الوثائقية حوارات مفتوحة معهن في برنامج «نساء في قبضة العقيد»، لعرفت تماما ما عنيته بازدواجية الممارسة!
لم يحب أحد في هذه الخليقة «كونداليزا» كما أحبها القذافي، و«أوبرا وينفري»، ولذلك بادلته الحب على طريقته الفيتشية، كما يليق تماما بلعبته، فكان أن اختار بنفسه آخر سيمفونيات القرن: الخوزقة، وهي فن تعذيبي برع فيه العثمانيون، واقتبسه المازوشيون ليحولوه إلى ملهاة جنسية… أقول قولي هذا وأنا كما أخبرتكم من قبل – رجل حيي وخجول، يمنعني الخفر من الاسترسال برذائل الفحول، فمن أحب الاستزادة، فليعد إلى برامج موقع اليوتيوب عن «أسرار في حياة القذافي»!

ممارسات السمو الروحاني في فيلا المشير

صفوت الشريف هو الذي ضم سعاد حسني إلى جلسات سمو روحاني، تلقى علمها على يد صلاح نصر، الذي درسها في الهند وطورها في ألمانيا، ليتخذ منها وسيلة للإيقاع بالمجندات في فيلا «حكيم عامر»، التي مات بها، ليهددهن بأفلام فاضحة وممارسات شاذة قمن بها بلا إدراك، تجاوبا مع اللعبة القذرة التي ظل «صفوت» يلعبها حتى في عهد «الفرعون الطيار – مبارك»، حيث تحول من عميل استخباراتي لصلاح نصر «إلى قواد»، كما عبرت خوشيد في حوار متلفز مع معتز، كاشفة عن بيعه لمجنداته في أوروبا بالعملة الصعبة، بعد إسقاطهن والسيطرة على وعيهن، وقد تحدثت «خورشيد» عن علاقتها المقربة من سعاد حسني، وتحذيرها من مغبة نشر مذكراتها، فالمخابرات لا تسمح للعميلات السريات بكشف الأسرار، ولا تتهاون معهن كما فعلت معها، لأن من يتورطن بممارسات معينة، يعرفن أكثر من سواهن، ولذلك لا يملكن أجلهن! أما فيلا المشير عبد الحكيم عامر، فقد كانت خردة شذوذ وتعذيب ومزاج، وفي أحد جوانبها غرفة تعرف بغرفة «الغلاية»، التي يُقتل الضحايا فيها في حوض ماء مغلي، وتكدس جثثهم لترويع غيرهم بها، وهو ما لم يكن ناصر على علم تام به، خاصة وأن نصر وعامر، كانا يتفقان على تصفيته، وإلهائه كما كشفت له خورشيد نفسها، ليتخذ إجراءاته في قضية المخابرات التي انتهت بمحكمة التطهير عام 1968، بعد أن فاجأها اعترافه لها، أنه ائتمنهما على أمن الثورة، كما ائتمن أم كلثوم، التي تنازلت عن أغنية وداعه في عهد السادات، التزاما بمبدأ: «الحي أبقى من الميت»!
«الكرنك»، الفيلم الذي أدخل سعاد حسني في حالة نفسية حادة أقرب إلى الانهيار، لم يعكس أداء فنيا ماهرا، بقدر ما شكل عملية تفريغ عصبي لشحنات مكبوتة، وكظيمة في الذات، وهو ما يعيدك إلى تسريبات القذافيين الصغار، لأشرطة فاضحة لأبناء القذافي مع فنانات عربيات في غرف النوم، ومن تابع مسلسل «الحرباية» في الموسم الرمضاني المنصرم، يتذكر بكاءات سعاد حسني، ويوقن أن التكتيك الاستخباراتي لعلية القوم، يبدأ مباشرة بعد قيلولة سمو روحاني، بين القميص المشقوق في الكرنك، وعباءة عسلية في بولاق!

اختراق سريري بين الساتان والحديد

القذافي الذي دعا إلى خيمته ما يقارب المئة فتاة إيطالية، من سلالة الحرير والساتان، من أجل ترغيبهن بالإسلام، هو ذاته الذي زج بالمعتقلات السياسيات خلف القضبان بعد أحداث جامعة طرابلس عام 1976، وأحداث باب العزيزية في الثمانينيات، وأحداث الإخوانيات بداية التسعينيات، ومن يعود إلى «الجزيرة» الوثائقية، سيطلع على بوح مبرح، لمن خرجن من السجون، ليدخلن السجن الأكبر: «الشبهة»، تقول إحداهن: (كان زوجي يخاف الاقتراب مني، تجنبا لشبهة معاشرة مع معتقلة سياسية سابقة، وكان أولادي يتحدثون إلي بصوت مخنوق وأسئلة مذعورة: كيف هو شكل السجان يا أمي؟ هل يشبه العقيد؟ هل له قلب ودموع مثلنا؟)!
قضت كاميليا – صاحبة أعلى أجر سينمائي، يا للعار – في حادث طائرة مروع، مخلفة وراءها فردة حذاء ساتان أخضر، ومقالة لأنيس منصور: «تموت هي وأحيا أنا»، وطربوشا ملكيا أرملا، وأمة مخترقة سريريا، وسيمفونية غير مكتملة، وضعت وردة العقيد السوداء لمساتها الأخيرة عليها، وعمارة مخابرات مصرية في قلب لندن، وشلة بائعي ذمم، يبكون على كلب الصحراء في سرت، ويتحسرون على بطولاته الإسراطينية، قال شو: «الله يرحم أيامه، قال»، ليتبدى لك حجم الشذوذ الفكري والنفسي والجنسي، الذي أطاح بالأمة، منذ تولاها «الحشاشون الجدد» من سرايا عابدين على «أم بي سي»، وحتى ليلة القبض على لميس الحديدي، بوظيفة «بارت تايم»، في مولد «الجزيرة»!

لينا أبو بكر

Jul 13, 2017

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن