جميلات في سريرالعسكر والمخابرات وفضائح الروحانيات بين فيلا المشير وخيمة العقيد

 

غرقوا في الفاحشة والرذيلة، استباحوا أعراض الأطفال والنساء، ووسخوا قفازاتهم المصنوعة من فراء الذئاب، بالقيح والدماء، زوروا التاريخ، واغتصبوا الجغرافيا، وحولوا الأمة إلى زريبة، والخارطة إلى ركوبة، من أجل ماذا؟ من أجل التيجان والصولجان؟ أم لأنهم من شلة أهل الصنعة في نادي (المسطرة والفرجار)، وعبدة للشيطان لوسفير «ملاك العصيان، المطرود من الجنة»؟
لو أنك رأيتهم في غرفهم الحمراء، وثكناتهم العسكرية العزلاء، وقصورهم المدنسة بالمنكر والفحشاء، لوليت منهم قرفا، خاصة حين تعلم أن كل أسرار الجيش المصري قبيل حرب فلسطين، كانت تصل إلى عصابات الاحتلال، من سرير الملك فاروق مباشرة، عبر الممثلة اليهودية «كاميليا»، التي اقتصر عمرها الفني على أربع سنوات فقط (1946 – 1950) قبل أن تنتهي حياتها بتذكرة موت، تخلى عنها أنيس منصور في آخر لحظة، لتتلقفها هي، حيث كان الأجل بانتظارها، على متن الطائرة التي وقعت، فأخذت معها عشيقة «فاروق» وغريمه السينمائي «رشدي أباظة»، وعميلة الموساد «ليليان كوهين»، التي كانت تقايض القبلة بالمعلومة، كما يرد في برنامج «جميلات في سرير المخابرات»، فما بالك بما هو أعظم من القبلات!

السيمفونية العاشرة: وردة العقيد السوداء

«الوردة السوداء»، كما أطلق عليها العقيد معمرالقذافي، لدوافع غريبة وميول غامضة جذبته لكونداليزا رايس، حفزته على تأليف سيمونية خاصة بالمرأة التي دمرت الشرق بأكمله، وقدمت فخامته أضحية القذافيين الصغار من ورثته الذي انقلبوا عليه!
وثائق ويكيليكس، لم ترحم القذافي، الذي تضج حياته بالمغامرات المستهجنة والسلوكيات الشاذة، حين سربت معلومات سرية عن ممرضاته الأوكرانيات الأربع، خاصة بالذكر، الشقراء جالينا كولوتنياستكا، والوظيفة الحصرية التي خصها بها القذافي ألا وهي تعديل المزاج، خلال صولاته السياسية، أو حين تجتاحه رغبة وطنية عارمة للابتهاج!
غرابة الأطوار والعلاقات الجنسية المشبوهة لم تقتصر عليه بالطبع، ولكن ما ميزه عن غيره، هو اختياراته، التي جعلت من نسائه حارسات لحتفه وليس لحياته! فتأسيسه لجيش من النواعم أطلق عليهن «حارسات الأمازون»، لم يكن فقط خوفا من غدر أو انقلاب الحراس الذكور عليه، بل لأن ارتباط العنف بالحب عامل نفسي يعزز عنده طاقة الانتشاء بممارسة النقيضين في لعبة واحدة، ولو أنك عدت لإفادات معتقلات سياسيات في سجون القذافي، أجرت الجزيرة الوثائقية حوارات مفتوحة معهن في برنامج «نساء في قبضة العقيد»، لعرفت تماما ما عنيته بازدواجية الممارسة!
لم يحب أحد في هذه الخليقة «كونداليزا» كما أحبها القذافي، و«أوبرا وينفري»، ولذلك بادلته الحب على طريقته الفيتشية، كما يليق تماما بلعبته، فكان أن اختار بنفسه آخر سيمفونيات القرن: الخوزقة، وهي فن تعذيبي برع فيه العثمانيون، واقتبسه المازوشيون ليحولوه إلى ملهاة جنسية… أقول قولي هذا وأنا كما أخبرتكم من قبل – رجل حيي وخجول، يمنعني الخفر من الاسترسال برذائل الفحول، فمن أحب الاستزادة، فليعد إلى برامج موقع اليوتيوب عن «أسرار في حياة القذافي»!

ممارسات السمو الروحاني في فيلا المشير

صفوت الشريف هو الذي ضم سعاد حسني إلى جلسات سمو روحاني، تلقى علمها على يد صلاح نصر، الذي درسها في الهند وطورها في ألمانيا، ليتخذ منها وسيلة للإيقاع بالمجندات في فيلا «حكيم عامر»، التي مات بها، ليهددهن بأفلام فاضحة وممارسات شاذة قمن بها بلا إدراك، تجاوبا مع اللعبة القذرة التي ظل «صفوت» يلعبها حتى في عهد «الفرعون الطيار – مبارك»، حيث تحول من عميل استخباراتي لصلاح نصر «إلى قواد»، كما عبرت خوشيد في حوار متلفز مع معتز، كاشفة عن بيعه لمجنداته في أوروبا بالعملة الصعبة، بعد إسقاطهن والسيطرة على وعيهن، وقد تحدثت «خورشيد» عن علاقتها المقربة من سعاد حسني، وتحذيرها من مغبة نشر مذكراتها، فالمخابرات لا تسمح للعميلات السريات بكشف الأسرار، ولا تتهاون معهن كما فعلت معها، لأن من يتورطن بممارسات معينة، يعرفن أكثر من سواهن، ولذلك لا يملكن أجلهن! أما فيلا المشير عبد الحكيم عامر، فقد كانت خردة شذوذ وتعذيب ومزاج، وفي أحد جوانبها غرفة تعرف بغرفة «الغلاية»، التي يُقتل الضحايا فيها في حوض ماء مغلي، وتكدس جثثهم لترويع غيرهم بها، وهو ما لم يكن ناصر على علم تام به، خاصة وأن نصر وعامر، كانا يتفقان على تصفيته، وإلهائه كما كشفت له خورشيد نفسها، ليتخذ إجراءاته في قضية المخابرات التي انتهت بمحكمة التطهير عام 1968، بعد أن فاجأها اعترافه لها، أنه ائتمنهما على أمن الثورة، كما ائتمن أم كلثوم، التي تنازلت عن أغنية وداعه في عهد السادات، التزاما بمبدأ: «الحي أبقى من الميت»!
«الكرنك»، الفيلم الذي أدخل سعاد حسني في حالة نفسية حادة أقرب إلى الانهيار، لم يعكس أداء فنيا ماهرا، بقدر ما شكل عملية تفريغ عصبي لشحنات مكبوتة، وكظيمة في الذات، وهو ما يعيدك إلى تسريبات القذافيين الصغار، لأشرطة فاضحة لأبناء القذافي مع فنانات عربيات في غرف النوم، ومن تابع مسلسل «الحرباية» في الموسم الرمضاني المنصرم، يتذكر بكاءات سعاد حسني، ويوقن أن التكتيك الاستخباراتي لعلية القوم، يبدأ مباشرة بعد قيلولة سمو روحاني، بين القميص المشقوق في الكرنك، وعباءة عسلية في بولاق!

اختراق سريري بين الساتان والحديد

القذافي الذي دعا إلى خيمته ما يقارب المئة فتاة إيطالية، من سلالة الحرير والساتان، من أجل ترغيبهن بالإسلام، هو ذاته الذي زج بالمعتقلات السياسيات خلف القضبان بعد أحداث جامعة طرابلس عام 1976، وأحداث باب العزيزية في الثمانينيات، وأحداث الإخوانيات بداية التسعينيات، ومن يعود إلى «الجزيرة» الوثائقية، سيطلع على بوح مبرح، لمن خرجن من السجون، ليدخلن السجن الأكبر: «الشبهة»، تقول إحداهن: (كان زوجي يخاف الاقتراب مني، تجنبا لشبهة معاشرة مع معتقلة سياسية سابقة، وكان أولادي يتحدثون إلي بصوت مخنوق وأسئلة مذعورة: كيف هو شكل السجان يا أمي؟ هل يشبه العقيد؟ هل له قلب ودموع مثلنا؟)!
قضت كاميليا – صاحبة أعلى أجر سينمائي، يا للعار – في حادث طائرة مروع، مخلفة وراءها فردة حذاء ساتان أخضر، ومقالة لأنيس منصور: «تموت هي وأحيا أنا»، وطربوشا ملكيا أرملا، وأمة مخترقة سريريا، وسيمفونية غير مكتملة، وضعت وردة العقيد السوداء لمساتها الأخيرة عليها، وعمارة مخابرات مصرية في قلب لندن، وشلة بائعي ذمم، يبكون على كلب الصحراء في سرت، ويتحسرون على بطولاته الإسراطينية، قال شو: «الله يرحم أيامه، قال»، ليتبدى لك حجم الشذوذ الفكري والنفسي والجنسي، الذي أطاح بالأمة، منذ تولاها «الحشاشون الجدد» من سرايا عابدين على «أم بي سي»، وحتى ليلة القبض على لميس الحديدي، بوظيفة «بارت تايم»، في مولد «الجزيرة»!

لينا أبو بكر

Jul 13, 2017

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

Advertisements

مواقف وأحداث.. من بوشاقور الى علي زيدان

 
5 س ·

مواقف وأحداث.

كل العقلاء المنصفون المتابعون للشأن الليبي اليوم يتفقون على أنّ “علي زيدان” رئيس الوزراء السابق يعتبر من أكبر النّكبات التي نُكب بها الوطن عموما وفبراير خصوصا، ولستُ في هذا المقال بصدد تعداد تلك النّكبات وعرضها، فهي ظاهرة يكاد يراها حتى الأعمى. وإنما أريد أن أتناول في هذا المقال السبب الرئيس في وصول تلك النكبة إلى كرسي رئيس الوزراء. وقد بات اليوم ظاهرا للعيان أيضا أن “تحالف القوى الوطنية” هو عبارة عن مشروع انقلابي تم الاعداد له قبل ما يُعرف بـ “اعلان التحرير” المزعوم، تقود هذا المشروع “أبو ظبي” تخطيطا ودعما وتوجيها عبر أذرع محلية باتت معروفة اليوم لدى القاصي والداني، وقد كنتُ حذّرت من هذا المشروع في مجلس يضم في جنباته الشيخ نادر العمراني رحمه وغيره من الفضلاء قبل أن يظهر للعيان، بل التصدي لهذا المشروع أخذ كل وقتي واهتمامي، عبر مشاريع كثيرة كانت سببا في تأخير ظهور الثورة المضادة على ما نراه اليوم، ولعل أحد هذه المشاريع هو موضوع مقالي هذا.

بعد ظهور نتائج انتخابات المؤتمر الوطني، وكان لـ “التحالف” نصف المقاعد تقريبا (1). صار عين “التحالف” على الحكومة، حتى يكتمل لهم السيطرة التامة على السلطتين التشريعية والتنفيذية. في هذه الأثناء كان “حزب العدالة والبناء” قد جهّز لرئاسة الوزراء الدكتور عوض البرعصي. وهو قيادي في الجماعة والحزب في آن واحد، كحال الكثير من القياديين في الحزب!، وقد كان من وجهة نظري أن هذا الخيار لم يكن موفقا لأسباب التالية:

السبب الأول: أن عوض البرعصي من جماعة الإخوان، وغالب الليبيين بما فيهم أعضاء المؤتمر الوطني عندهم تحسس شديد جدا من قضية الإخوان نتيجة الدعاية الممنهجة التي اتبعها القذافي ضد الاسلاميين عموما والاخوان خصوصا. فالذين نطمع في أصواتهم ـ أعضاء المؤتمر ـ غالبهم سيرفضون التصويت لـ “إخواني”.

السبب الثاني: وحتى لو سلمنا بفوز عوض البرعصي برئاسة الوزراء فسيكون من اليسير جدا عرقلته باعتباره “إخوانيا” سواء عبر الإعلام أو عبر الشارع، وقد وقع هذا مع “معيتيق” وهو ليس بإخواني!.

السبب الثالث: أنّ المنافس “رئيس تحالف الانقلاب” أصوات التحالف مضمونة له في المؤتمر الوطني، فلا مجال للمغامرة بالدفع بشخصية “اخوانية” لمنافسته، لاسيما والبرعصي محل جدل عند النصف الأخر، أعني غير التحالف.

السبب الرابع: أن رئيس المؤتمر الوطني “محمد المقريف” في ذلك الوقت كان من شرق ليبيا، ونحن شعب جهوي قبلي بامتياز، فرئيس الحكومة لابد أن يكون من الغرب أو الجنوب، وهذا كلام قد سمعته بأذني من العديد من أعضاء المؤتمر الوطني وليس من عندي كما يتوهم بعض من رمانا جزافا في تلك الفترة بأننا جهويين، نحن نتعاطى مع واقع موجود أمامنا ولم نكن نحن الذين نصنع ذلك الواقع، وهناك فرق بينهما كبير وواضح لمن كان له أدنى درجات التفكير.

هذه الأسباب التي جعلتني ارفض تقدم “عوض البرعصي” لمنافسة “محمود جبريل”، وهي أسباب أتحدى كل من رمانا بكل سوء ونقيصة في تلك الفترة، سواء من بعض قادة العدالة والبناء أو من الحواشي التي حولهم! أن يردّوا عليها ردّا علميا منطقيا.

قابلت العديد من قادة حزب العدالة بشأن اقناعهم بتغير رأيهم في هذا الموضوع، لكن ما فيش فائدة. هنا رأيتُ أن أبحث عن بديل يمكن أن يكون منافسا جيدا لـ “رئيس تحالف الانقلاب” ويمكن أيضا أن يجتمع عليه النصف الأخر من أعضاء المؤتمر الوطني، فكان بعد بحث وسؤال وتواصل شخصية “مصطفى أبو شاقور”. اتصلتُ به وحددت معه موعدا، وقد كنت حريصا على أن لا أكون بمفردي في هذا اللقاء، فاصطحبت معي ثلاثة من الأصدقاء، وهم عقلاء أمناء لازالوا على قيد الحياة شهود على ما أكتب، قابلنا السيد أبو شاقور وقد استمر اللقاء قرابة الساعتين كان غالب اللقاء منصب على التحقق من أنه ليس منتمي لأي جماعة أو حزب وأنه ليس له من غاية إلا خدمة الوطن والمواطن بطريقة مهنية بحتة بعيدا عن أي اجندات خاصة، ونحو ذلك، وخرجنا منه بالاتفاق التالي:

ـ سنقوم بدعمه وترشحه لرئاسة الوزراء.
ـ أن تكون حكومته بعد فوزه بعيدة كل البعد عن الأحزاب والجماعات السياسية إنما يتم اختيار شخصيات “تكنوقراط” مستقلين.
ـ أن نكون شركاء في اختيار حكومته لضمان تحقق الشرط السابق. (علّق السيد أبو شاقور على هذا البند تحديدا بقوله “هذا طبيعي جدا لا يحتاج إلى تذكير!).

وقبل انصرافنا من هذا الاجتماع، قلتُ له أن ينتظر مني اتصالا خلال يومين على اقصى تقدير، وطلبتُ منه أن يُعد برنامجه لعرضه عمّا قريب، اتصلتُ في خلال هذين اليومين بالعديد من النّخب من مختلف المناطق والتي ليس لها أي انتماء حزبي، اجتمع ما يقارب العشرين من بينهم العديد من أعضاء المؤتمر الوطني، وقد كنتُ ذكرت لهم أنني اجتمعت بـ “أبو شاقور” وخرجت بقناعة أنه خيار مناسب لهذه المرحلة، اتصلت بـ “أبو شاقور” وجاء من بعد صلاة العشاء واستمر الاجتماع إلى قبيل الفجر، وقد خرج الجميع وهو مقتنع بـ “أبوشاقور”، وبدأ الجميع في الاتصال لحشد أصوات أعضاء المؤتمر الوطني لـ “أبوشاقور”. عدتُ للعدالة والبناء بعد أن صار هناك منافسا لمرشحهم يملك عددا لا بأس به من الأصوات، واتفقنا على أننا سندفع بـ “عوض البرعصي” و “مصطفى أبو شاقور” في مواجهة “رئيس تحالف الانقلاب” فأيهما كان أكثر حظا في الأصوات، جعلنا باقي الأصوات الأخرى له، وفعلا في الجولة الأولى كانت الأصوات على النحو التالي، محمود جبريل أولا، مصطفى أبو شاقور ثانيا، عوض البرعصي ثالثا. قلنا للعدالة والبناء الان علينا ان ندعم “أبو شاقور” فغضبوا عضبا شديدا وامتنعوا، بل خرجوا من القاعة بادئ الأمر، ثم بعد ضغوط واتصالات من العديد من الأطراف وافقوا، وفاز “أبو شاقور” أخيرا برئاسة الوزراء بعد نصب وجهد كبير.

ليس الغرض من كتابة هذا المقال السرد التاريخي والبكاء على الأطلال، إنما أردت أن أقول التالي:

1ـ أول قرار اتخذه رئيس الوزراء الجديد هو قطع أي اتصال بي، وعدم الرد على اي اتصال من طرفي! وقد يتفاجأ القارئ الكريم من هذا السلوك أليس كذلك؟ عليم الله غالب وجل من تعاملت معهم في مشاريع كبيرة ويمكن أن يكون لها غالب الأثر الإيجابي على الوطن والمواطن، أقول جلهم أو أغلبهم أول قرار يتخذونه هو قطع الطريق عني وإدارة ظهورهم نحوي، أعضاء في المؤتمر الوطني برلمانيين وزراء قادة ثوار شيوخ قبائل مثقفين وجهلة، أئمة مساجد وخطباء وحفظة قرآن، وسفلة وسوقة ومجرمين، يستوي الجميع في هذه الخصلة، وأنا والله مصدوم جدا من هذا الخُلق الغريب!.

2ـ بعد الحاح واتصال مكثف استطعت أن أقابل “رئيس الوزراء الجديد” في مكتبه ـ وكان ذلك بعد اسبوع من فوزه تقريبا! ـ وكان معي صديق مرافق لي من منطقة زاوية الدهماني ولايزال حيّا شاهدا على هذا اللقاء، فأول ما دخلت مكتبه وقبل أن أجلس قال “أبوشاقور” مخاطبا صاحبي “أنا لولا هذا الرجل ـ يشير إليّ ـ ما جلستُ في هذا الكرسي”. أراد أبو شاقور أن يمازحني حتى يصرفني عن لومه بعدم وفاءه بعهده الذي قطعه على نفسه، تبسمت تبسم المُغضب، وجلسنا لبعض الوقت، فلم أجد “أبو شاقور” الذي قابلناه أول مرة، خرجت من عنده، وما هو إلا أيام حتى أعلن عن حكومته التي لا علم لنا بها إلا بعد إعلانها، وكانت كما لا يخفى على الجميع حكومة الأقارب والأصدقاء ورفقاء الهجرة!.

3ـ تحالف “التحالف مع العدالة والبناء” وتم اسقاط “أبو شاقور” وتولى رئاسة الوزراء “علي زيدان” مُرشح الانقلابيين والمدعوم من “أبوظبي”، وسقط الوطن في قاع لايزال يهوي فيه إلى ساعة كتابة هذه الأسطر.

4ـ مصطفى أبو شاقور والعدالة والبناء هم من كانوا وراء هذه النكبة، وهم الذين تسببوا في كل ما جرى بعد علي زيدان من مآسي وأحداث مؤلمة، من تغول الانقلابيين ونحو ذلك، ومع ذلك لايزال “ابو شاقور والعدالة والبناء” يقدمون أنفسهم على أنهم الخيار الوطني وعلى أنهم يسعون لمصلحة الوطن، فشاركوا في “اتفاق الصخيرات” الذي يكتوي منه الوطن غصص وويلات.

5ـ يتهمنا البعض بأننا لسنا أصحاب مشاريع ولا رؤى ولا بدائل، ويعلم الله أننا قدمنا مشاريع كبيرة، ربما يأتي الحديث عنها لاحقا، ولكن بعض من يدّعي الوطنية، وبعض من يدّعي المرجعية الاسلامية يقومون بمحاربتها، لأن هذه البدائل لا تتوافق مع رؤيتهم ورؤية أحزابهم، وحسبك تجربة أبو شاقور دليلا.

6ـ إحدى المواقف الطريفة، أو المضحكة المبكية، أن عضو قيادي كبير في العدالة والبناء اتصل بي الليلة التي تسبق التصويت على رئيس الوزراء، ودار بيني وبينه حديث طويل، ثم أردت أن أوكد عليه قضية أن نقف جميعا ضد “تحالف الانقلاب” فأكد موافقته، وأنه ليس لهم من غرض ولا مطمع في الوزارات، ثم لما تقدم أبو شاقور على البرعصي، اتصلت به ظنا مني أن بيننا عهود ومواثيق، فرد علي مغضبا جدا، وقال نحن ليس مرشحنا أبو شاقور، فقلت له، أما قلتَ لي البارحة أنك ليس لكم أي مطمع في الوزارات، فوالله رد عليّ بالحرف الواحد وبصوت مرتفع جدا يكاد يميز من الغيض “تي كيف ما نبوش وزارات!! امالا علاش مأسسين حزب؟!” وأظنه الان يبتسم وهو يقرأ كلماتي هذه، وهو لايزال صديق بيني وبينه احترام ومودة، لكن في تلك اللحظة أخذته الحمى الحزبية وتحرّكت فيه النزعة السلطوية! وحبّ السلطة فطرة مغروزة في بني آدم!.

أخيرا، ليس غرضنا في هذا المقال التّعرض لشخص “أبوشاقور” أو غيره، فليس بيني وبينه خلاف شخصي، إنما هو شخصية عامة يتعاطى الشأن العام، وكما لا يخفى الشأن العام الليبي اليوم في أسوأ أحواله، ويكتوي المواطن البسيط من تأزم هذا الشأن، في أمنه وقوت يومه وصحته ونحو ذلك، فمن حق المواطن الليبي أن نضعه في الصورة، وأن نبين له بعض أسباب الأزمات، بكل مصداقية وموضوعية، ونعوذ بالله من أن نقول على مسلم ما ليس فيه، والله إننا لا نجيز أن نقول الكذب حتى على أمثال “ليون” و “كوبلر” فكيف بمسلم له ما لنا وعليه ما علينا، ولكن الأمانة التاريخية تستدعي وضع النقاط على الحروف، وإلى اللقاء مع موقف أخر وشخصية أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ والنصف الآخر كنا سببا في وجود كثير منه بفضل الله، وهذه قصة أخرى تحتاج إلى توثيق أيضا لعلنا نأتي عليها في مقال أخر، وهي قصة لا تقل مرارة عن قصة ابوشاقور وموقفه.

مجرد ذكريات: حزب التحرير والإضراب

أحمد الفيتوري

1 –

وضعُنا ساءَ كسُجناء رأي. جُوعنا وصابَ البردُ أجسادنا، فالملابس الخاصة بالسجن العسكري قطعة واحدة صيفية لا غيار لها. مطلع ثمانينات القرن الماضي الهزائم التي لحقت بالقذافي في تشاد انعكست علينا: المهزوم طبق نظريته عن الحمار “المربوط” الذي لابد من ضربه ليخاف الحمار “المطلوق”. عندها شرعنا في إضراب ووضعنا سقفاً عاليا لمطالبنا منها ضرورة زيارة الطبيب، توفير الخبز، قبلها طالبنا بالإفراج، السماح بالزيارة، الحصول على الكتب وجهاز راديو. حصل توافق بين الجماعات، الأفراد السجناء، لكن حزب التحرير الإسلامي أفتى أميره بأن الإضراب “حرام زقوم”، كنا نبغي الإجماع حتى يقوى الإضراب، لهذا أفتينا لأمير الجماعة بأن لا يُضرب، لكن فقط يمتنع عن استلام الطعام حين يجلبه السجانون في كل الوجبات، ووفرنا لهم كل ما لدينا من بقايا ما أمكن تخزينه كي يأكلوا، هكذا تحقق الإضراب.

نتمشى عادة في ممر القسم الرابع بالسجن حين يُخرجوننا من الزنازين وفيها حين لا يخرجوننا، في الممشى جاء بجانبي أحدهم من “حزب التحرير الإسلامي” يُحدثني موكداً أن الإضراب حرام بل كُفر لأنه شروعٌ في الانتحار، لم يكف عن تكرار هذه الجملة وإن بصيغٍ مختلفة، قلت مقاطعا: إني مضرب عن الطعام من يومين وأنت مُضرب ومخادع أيضا، إن كنت تأكل فإنك تمارس الخداع، الله أعلم ما تُظهر وما تُسر، وضع سبابته في وجهي صارخا: أنت تؤمن بالله؟. قال سؤاله بلهجة استنكارية تكفيرية. لم يكن مُثقفا ولا مُتفكرا في الدين وإن يرى نفسه فقيها فإن اعتقاديته الجازمة جعلته يدرك أني جاحدٌ لمعتقده، وهو متماهٍ ومعتقده وعليه فإني أجحد وجوده فأراد أن يبادر بتكفيري. لقد كان يتلقى فاعليته بل وجوده من أميرهم، ومن هم على خلاف ذلك: لا يؤمنون بما يؤمن به بالتالي هم عقبة في طريق تحقيق وجوده أو على الأقل في الهيمنة والسيطرة لأجل تحقيق هذا الوجود، الذي السلطة هدف لتحقيقه، الذي هو هدف غاية يبرر كل وسيلة وخير وسيلة الإقصاء بالتكفير، إن الدين وسيلة مقدسة تبرر بتر كل ما عداها، لسان حال محدثي يومها في السجن وفي حالة إضراب.

2-

كان القذافي حينها يرفع شعار: “صراع وجود لا صراع حدود” يعني الصراع مع “دولة الصهاينة” التي تبرر وتمنح غطاء: أن الصراع صراع ديني، القذافي الذي تمظهر كعسكري قومي يبرر صراعه مع عدوه في الجوهر بأنه صراع ديني.

عندما أفتي حزب التحرير الإسلامي بتكفيره لم يعللوا ذلك بأنهم دعوه بدخول حزبهم وأنه رفض، لم يكشفوا عن أنهم وهو في صراع على السلطة، وحينها كل منهما يسم الصراع بالمقدس وبذا فهما في الجوهر واحد. حين كان أعضاء هذا الحزب المتطرف في قفص المحكمة وجهوا إلى القذافي دعوتهم للانضواء في حزبهم، قبل ذلك كان هو يعتبر “من تحزب خان”، عليه أصدر الحكم بالمؤبد على كل أفراد الحزب وبدورهم كفروه، قد يكون سرد حادثة جانبية يوضح حالة الكوميديا السوداء التي فيها البلاد والعباد: كان هناك عضو في حزب التحرير لم يُقبض عليه لأسباب الفوضى المحض المصابة بها البلاد عهد القذافي وبالتالي جهاز أمنه، ذلك العضو حُكم عليه غيابيا بالمؤبد رغم ذلك بقي طليقا لسنوات حتى أنه – كما يبدو نسي كل ما يتعلق بالحزب والقضية والحكم- دخل في التصعيد الشعبي حسبما نظرية القذافي السياسية لغرض أن يُمسي أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته، عندها فقط تنبه خصم له للقضية والحكم فوشى به فقُبض عليه وجُلب إلى السجن، أي أنهم غصبا أعادوه مرةً ثانية لعضوية الحزب، ومن المفارقات الأخرى لهذا العضو المغصوب أنه أعلن تحريم مشاهدة التلفزيون، لكن بين الحين والآخر يدعي أنه وجد نفسه في زنزانة أخرى بها جهاز تلفزيون فشاهدهُ في حكم المُضطر، ويشاهد عادة المسلسلات والأغاني النسائية خاصة المطربة سميرة توفيق.

3-

السجن “المفرخة”، والسجان القذافي وأطروحاته هما المغذي لهذه “المفرخة”، أما حزب التحرير والقذافي فهما وجهان لعملة واحدة، لهذا اعتبرهم “زنادقة” كما اعتبروه “كافرا”، وكما دعوه إلى الاستتابة والانضواء في الحزب، دعاهم إلى المراجعة والانضواء في لجانه الثورية التي البعض منها فعلا انضووا في الحزب الذي البعض منه بات عضوا في لجانه الثورية، كالذي طمع أن يكون أمين المؤتمر الشعبي لمنطقته.

أحمد الفيتوري | الأربعاء 5 يوليو 2017, 

من سبها الى تل ابيب


من ثقافة معاداة السامية لتصبح يهوديا

رحلة ليبي .. ابن فزان .. نحو اكتشاف الذات

     يبدو أن ظهر اليوم حارا مثل الأمس ، لكن في هذا الشهر وقبل 50 عاما ، كنت في الخامسة عشر من العمر ، وأعيش في مدينة سبها ، وهي مدينة صغيرة في صحراء جنوب ليبيا . أخبرني ابن عم لي ، من كبار السن ، عن تقارير راديو صوت العرب من القاهرة التي تتحدث عن الوضع المرير الذي يواجهه الجيش المصري .. وقال ” علينا ان نفعل شيئا ” .

       لم أكن أعرف تماما شيء عن ما سيعرف لاحقا باسم ” حرب الأيام الستة ” ، ولكني علمت أن ما يحدث كان سيئا للغاية بالنسبة لنا كعرب ومسلمين . كان كل من حولي مراهقين وقد استوعبوا المزاج المتوتر ، وباتوا يتطلعون إلى تنفيس غضبهم على اليهود .

       انضممت مثلهم الى حشد شعبي خرج في تظاهرة توجهت نحو مبنى قريب منا على الطراز الغربي ملحق ببار للمشروبات الروحية ،. كان الوقت مبكرا من بعد ظهر ذلك اليوم ، والمكان لم يفتح ابوابه بعد . فيما قام عدد قليل من الأولاد الأكبر سنا بكسر الباب ، واقتحم الحشد ردهات المبنى ، وقاموا بتهشيم زجاجات الخمر وإلقائها على قارعة الطريق .. وسط هتافات .. ” الموت لليهود! ” ” ليرمى اليهود في البحر! “

        الحقيقة هي أنني لم أكن في الواقع قد سبق لي لقاء اي يهودي . لقد نشأت في قرية بدوية صغيرة تتكون من 20 عائلة ، بوادي الشاطي فزان تسمى ” حطية برقن ” .. وهي عبارة عن مجموعة من أكواخ الطين ذات أسطح من زرائب النخيل لم تكن تبدو مختلفة عن واقعها قبل 2000 سنة . وكانت الرعاية الصحية بدائية لدرجة أنه عندما كنت صبيا ، فقدت اسرتي ثلاثة أطفال من اشقائي بسبب المرض .

     كان الإسلام السني النهج الوحيد للحياة التي عرفتها . وكانت مدرستي هي المسجد ، حيث علمنا إمامنا القراءة والكتابة عن طريق حفر آيات من القرآن الكريم على ظهر اللوح . بعد ذلك ، كان تعليمنا أكثر علمانية ، اذهب الى المسجد وبالكاد كنت متدين . ولم تكن امامي ابدا أي بدائل أو طرق للتساؤل عن الحياة التي اعتدناها .

     كتبنا المدرسية لم تذكر إسرائيل ، واستخدام الناس لكلمة يهودي كان بمثابة الاهانة .. فقد ناصب اليهود النبي محمد ، لذلك هم مدانين في اعتبارنا . وكان اليهود الوحيدون الذين رأيتهم فقط عبر الأفلام المصرية ، التي قدمتهم لنا في صور لشخصيات وحشية .

     لقد عرفت العرب الفلسطينيين . وفي مدرستي الابتدائية كان من بين معلمينا استاذ فلسطيني . ولكونه فلسطيني حضى بترحيب حار بسخاء من الناس .

     بعد اتمام المرحلة الثانوية ، التحقت بجامعة طرابلس ، لم تكن البيئة الفكرية هناك نشطة سياسيا ، ولا ملتزمة دينيا . خلال السنة الأولى من حياتي هناك ، وصلني خبر مأساوي يفيد بوفاة والدتي . افرغت حزني في التركيز على دراستي ، وكسب مكان في برنامج الهندسة الكيميائية على أمل ان اجد مكانا بمجال صناعة النفط المزدهرة في البلاد ، وبالفعل تمكنت من الفوز بمنحة دراسية للدراسة في الخارج في واحدة من البرامج الأعلى مرتبة في مجال عملي ، في جامعة ويسكونسن ، ماديسون . تركت ورائي والدي وشقيقي الأصغر ، وحزمت حقائبي في اول رحلة لي خارج ليبيا.

 حصوله على الجائزة الأكاديمية الوطنية الشرفية الأولى من رئيس الوزراء الليبي عبد السلام جلود في عام 1974.

     في ماديسون ، اكتشفت الحرم الجامعي الذي يعج بالطلاب من مختلف انحاء العالم – الإيرانيين ، النيجيريين ، الأوروبيين ، الآسيويين – . وفي خضم التفاعل الفكري النشط منتصف السبعينات ، أعربت كل مجموعة بحرية وصراحة عن هويتها السياسية والثقافية .

     فعلت ذلك مثلهم أيضا : وعلى جدارية مكتب يشاركني اياه اثنان من طلبة الدراسات العليا ، علقت ملصق كبير لزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ، يرتدي كوفيه مناضل يمتشق بندقية شبه آلية.

     كان ذلك عام 1974 ، اي بعد عامين فقط من مقتل الرياضيين والمدربين الإسرائيليين في دورة الألعاب الأوليمبية في ميونيخ ، وفي نفس العام الذي وقعت فيه المجزرة الإرهابية في بلدة معالوت الإسرائيلية . نصف أعضاء هيئة التدريس في القسم وربما ربع طلابها كانوا يهود ، ومع ذلك لم ينتقد اي منهم اختياري للديكور ، او ان يعتبر احدهم انه يسيء له . ومما لا شك فيه أن العديد من الزملاء كانوا يتفاعلون بتوجيه مني .

       فيما بعد ، ولأول مرة ، بدأت التعرف على الشعب اليهودي من خلال اللقاءات مع اعضاء الاتحاد الطلابي وزملاء الفصول الدراسية . وكان اثنان من أساتذة القسم يهود . قضيت وقتا معهم في حوارات حول الفلسفة اليهودية ، والدين اليهودي ، والسياسة والحياة . لقد صدمت كيف كانوا حقا اناس رائعين . لقد تحدوا كل تلك الصورة النمطية التي كنت قد تشربتها في بواكير النشأة بليبيا .

       كان التباين ملفت للنظر لدرجة أنني لم اعيد النظر فقط في الافكار المسبقة التي احملها عن اليهود ، ولكنني بدأت أيضا في اعادة النظر تدريجيا بكل جانب من جوانب حياتي . ليتبين لي عمق النظرة السوداوية التي احملها منذ نشأتي عن اخرون لم يسبق لي ان جالستهم في الواقع .

   وكلما كان لدي المزيد من التجارب مع اليهود ، كلما شعرت بها أكثر . حتى أنني بدأت التفكير في أنني أريد أن اتزوج من يهودية ، رغم أنني في ذلك الوقت لم يكن لدي انسانة بعينها في الاعتبار . وما علق في نفسي ، لعل ذلك من شأنه أن يساعدني على تطهير نفسي من عقلية الكراهية التي تربيت عليها .

     بعد ثلاث سنوات في ماديسون ، انتقلت إلى أوسك . وبعد بضعة أشهر من وصولي إلى لوس أنجلوس ، واثناء ممارستي لعبة التنس في فندق أمباسادور ، جرى تبادل حديث بيني وامرأة شابة جذابة تدعى باربرا ، حدثها عن بلدي ، واقترحت أن نتواصل . وقالت : ” أريد فقط أن اعرف ، أنا يهودية “.

     تبادلنا أرقام الهاتف ، وبعد أسبوع ، اتصلت بها . استغرق الأمر بضعة أسابيع قبل أن نتواصل مرة أخرى ، لقاء للعب التنس وتناول العشاء بمطعم مكسيكي . لم يمض وقت طويل بعد ذلك ، وكنت قد خرجت من المدينة لأخذ قسط من الراحة ومن ارق الدروس .. عدت لأعثر على ملاحظة من باربرا تقول لي : أنها تفتقدني في غيابي .

     قبل فترة طويلة ، دعتني للقاء والديها . كان والد باربرا يعيش في إسرائيل ، ويعمل كضابط في حرب الاستقلال . وكان أحد اشقائها إسرائيليا يعمل ضمن قوات الدفاع الإسرائيلية .

     أنا متأكد من أنهم عندما علموا بمواعدتها لشخص ليبي اسمه عبد الحفيظ ( الاسم الذي كنت قد نشأت معه ولا زلت استخدمه ) ، اعتقدوا جازمين بأن باربرا قد فقدت عقلها.

     ومع ذلك ، صرنا اكثر قربا . وبعد بضعة أشهر ، انتقلنا معا إلى شقة والديها المملوكة في كورياتون . في البداية ، سادت اجواء تستدعي الموائمة ، ولكن سرعان ما أصبحت حياتنا متداخلة . ساعدتني باربرا بمحبة في انجاز اطروحتي للدكتوراه .. وكانت خير معين غمرتني برعاية لم اعهدها في طفولتي . ورحبت بوجودي وسط حياة عائلتها على الرغم من خلفياتنا المتناقضة ، وقبل والداها علاقتنا بمودة . عائلة باربرا لم تكن ملتزمة دينيا ، وبشكل خاص تكتفي بالاحتفاء بعيد الفصح . 

 

 مع زوجته بربارا يحتفلان بحصوله على الدكتوراه  في الهندسة الكيميائية من جامعة كاليفورنيا في عام 1982.

     في عام 1980 ، تزوجنا في منزل فيرفاكس . في تلك المرحلة ، لم أكن أعتبر نفسي مسلما ، بل باحثا روحيا . وسويا مع باربرا اقمنا حفل زفافنا في اجواء تعج بعناصر مخلوطة من اليهودية ، وبعض اللمسات الشخصية الخاصة بنا.

   استقرت حياتنا معا ، وكانت مشاركاتنا بالاحتفالات اليهودية محدودة : عشاء السبت ، وتبادل هدية حانوكا مع والديها .. فيما واصلنا بحثنا الروحي ، والانضمام في بعض الأحيان لزميل في كنيسة سادليباك ريك وارن في بحيرة فوريست.

     كنا حريصين على تكوين اسرة ، ونحن نناضل مع العقم لسنوات عديدة . وقمنا بتبني طفل في وقت ما ، وفي عام 1991، ولدت ابنتنا ، جيسيكا ، وبعد عامين ، ولد ابننا جيسون .

     لم يمض وقت طويل بعد ذلك ، توفي والدي . لم نتحدث إلا قليلا منذ زيارتي الأخيرة لليبيا في عام 1979 . ولم أشاركه سوى القليل عن حياتي الجديدة ، اذ من المستحيل بالنسبة له أن يفهم التعددية والانفتاح ، وان يجد فيه ما يعتز به.

 

 والده السعيدي الخضيري امام منزله في قرية حطية برقن بوادي الشاطئ فزان 1979 

   بالتأكيد كان لا يمكن أن يتصور الخطوة التالية في رحلتي الروحية. عندما بلغ ابننا جيسون عمر 12 . واختار تعلم اللغة العبرية وبدء بعض الدراسات الدينية الأولية.

   بدأ أيضا دراسة اليهودية والتوراة مع حاخام تشباد في شول ، ليس بعيدا عن والدي باربارا. تعلم ببطء الصلاة اليهودية والعادات ، وكلما استوعب اكثر ، كلما شعرت بأنني اقرب لليهودية.

   في اليوم الذي أصبح مؤهلا ، وقفت يغمرني الفخر بابني ، ولا أستطيع أن أفهم بالكاد فيض العواطف ، ولا أستطع شرح ذلك تماما .. نشوى ذلك اليوم ، بعث في نفسي البدء في التفكير فيما بعد الوفاة على طريقة بلدي . لقد ألمني أن أدرك أنه بما أنني لم أكن يهودا ، لن ادفن في ذات المقبرة اليهودية بجانب زوجتي الحبيبة.

مع زوجته باربرا، يحتفلان بحصوله على الجنسية الامريكية  عام 1985.

 

     لم يمض وقت طويل ، قلت لزوجتي أنني أرغب في التحول إلى اليهودية . أحد الحاخامات الذي عرفناه ارشدنا إلى برنامج تقدمه الجامعة اليهودية الأمريكية ، التحقنا به – بربارا وانا.

     شعرنا خلال 18 شهرا في صف الدراسة اشبه بشهر العسل الثاني : ففي اثناء درستنا للتاريخ اليهودي ، والتوراة والطقوس اليهودية ، شعرت بأنني أقرب الى باربرا من أي وقت مضى ، وقد وقعت في حب الديانة اليهودية.

     عندما التقيت مع الحاخام الراعي ، بيري نيتر بمعبد بيث آم ، سأل سؤال واحد فقط : ” لماذا تريد أن تكون يهودا ؟ ” داهمتني عبره مشبعة بالعاطفة ، لم أستطع أن أتكلم . بكيت ببساطة .

“حسنا ” ، ابتسم وقال ” أنت تعبر “.

   حدث شيء آخر : كنت كلما تعلمت المزيد عن اليهودية ، رأيت أوجه الشبه مع عوائد اهلي وطفولتي في ليبيا . تذكرت كيف في قرية طفولتي ، الأسر تهوى كتابة آيات من القرآن الكريم على أبوابها تحفها اغصان وسعف النخيل . كما ان الكلمات التي تعلمتها من الكتاب المقدس بالعبرية تهمس بأذني صدى مصطلحات عامية فريدة من نوعها في بلدتي .

     في سياق التحقق ، علمت أن اليهود عاشوا لآلاف السنين في ليبيا ، بما في ذلك في منطقتي فزان الأم .. على الرغم من أن معظمهم تركوا ليبيا عام 1948 ، وما بقي منهم فروا بعد حرب الأيام الستة . داهمني شعور قوي يستشرف حقيقة أنني لم أكتشف الكثير من الإيمان الجديد ، بقدر ما كشفت عن جزء مخفي في داخلي لزمن طويل ، وربما بعض من أسلافي كانوا يهود.

     في الصباح عندما ذهبت إلى بيت الدين – المحكمة الحاخامية – لإنهاء تحولي ، شعرت بالفرح جنبا إلى جنب مع الصفاء الذي كان قد فاجئني بعد عقود .. شعرت أنني أعود إلى حيث كنت انتمي .

       انضمت عائلتنا الى معبد بيت آم ، شعرت بالطمأنينة على نحو متزايد في المنزل ، وحضور بانتظام يوم السبت لمشاركة العشاء الأسبوعي .. وفي دراستي للتوراة .. وجدت صدى معين لي في حكمة الحاخام أكيفا : ” كل شيء متوقع ، ولكن يجب إعطاء حرية الاختيار “

   هذا المبدأ الأساسي – هو الذي يمكننا من أن نحتضن الله ، ولكن علينا ان نقرر مصيرنا ، وثمة الكثير المغني مما أعتز به عن أمريكا واليهودية . لقد نشأت مثل الكثير من الناس في المجتمعات المغلقة ، ومعرفة نهج واحد من الحياة ، وسط منظومة وحيدة المعتقد ، وتشربت أن احتقر أي شيء خارج هذا المجال .

       أفضل التوجيه للتغلب على هذا النوع من الصراع الداخلي والخارجي ، الى آخر نصيحة من بيركي أفوت : ” من الحكمة .. على الشخص ان يتعلم من جميع الناس “.

     جاب دور التعلم الخاص بي دورة كاملة في نوفمبر 2012 ، عندما سافرنا – باربرا وأنا – إلى إسرائيل . هبطت الطائرة في وقت متأخر من بعد الظهر ، نزلنا فندقنا في تل أبيب ، أرادت باربرا أن تستريح ، لكنني شعرت بالحيوية ، لذلك أخذت نزهة . تجولت عبر شوارع تل أبيب ، ويافا ، حتى منتصف الليل ، نالني العجب بالتنوع .. رأيت الناس صغارا وكبارا ، من خلفيات عرقية كثيرة . لقد دهشت من المشاهد والروائح .. وطبيعة التعايش والحياة المدينة .. وبتمعن الوجوه التي مررت بها في الشارع ، لم أكن أستطيع إلا أن أفكر في شبابي ، وفي الكراهية لإسرائيل واليهود التي أكلت لبي . وطوال سفري عبر البلاد – القدس ، صفد ، الجولان ، رحوفوت – دخلت إسرائيل مجرى الدم . وشعرت بأنني في منزلي .

      لقد عززت الرحلة من اتصالي بإسرائيل واليهود . ففي كنيس صباح يوم السبت ، بدأت اهم إلى جزء من الخدمة التي لم أكن أفكر بها مسبقا : الصلاة لدولة إسرائيل.

     الآن أقول ذلك كل أسبوع بنية صافية : ” يبارك الله الأرض بالسلام ، ويغدق على سكانها الفرح الدائم “.

       في بعض الأحيان ، وأنا أقول تلك الكلمات ، وأتذكر بلدي عندما كنت في عمر 15 عاما ، في ذلك الطقس الحار بعد الظهيرة .. شهر يونيو في شوارع سبها. أقول صلاة إضافية امتنانا الى الله الذي حملني في هذه الرحلة الرائعة .

إ . د . السعيدي الخضيري .. مستثمر عقاري ومطور يعيش في غرب لوس انجليس مع زوجته وابنته وابنه. يكتب مذكرات عن رحلته من طفولته الليبية إلى حياته كيهودي أمريكي نشط وملتزم .

 

 رئيس اتحاد يهود ليبيا، ووزير الإعلام الليبي ووزير الإعلام الإسرائيلي

       سيرة حياة الدكتور  الخضيري .. تستدعي التأمل ، وتحيل في الان عينه الى التساؤل عن ابعاد وحقيقة ما اوردته صحيفة ” ساسه بوست ” .. تحت عنوان : ” يهود ليبيا .. مبرر إسرائيل للتطبيع مع ليبيا ” .. وعن تصريح رئيس اتحاد يهود ليبيا في إسرائيل ، ريفائيل لوزون : ” جميع الفصائل في ليبيا تريد بناء علاقات مع إسرائيل ، على الرغم من أنّ الدولة تعاني الانقسام في الوقت الراهن ” .. وتصريح وزير الإعلام الإسرائيلي ” أيوب قرا ” : ” حان الوقت ليكون ليهود ليبيا الحق في المشاركة في بناء بلدهم ليبيا ، والحضور في المشهد السياسي .. وهناك اتصالات مستمرة لقيادات يهودية وإسرائيلية مع جهات ليبية مسؤولة من أجل إيجاد سبل ترقية العلاقات .. ، وهناك رغبة لتوطيد العلاقات والتعامل بين الجانبين “. . هل حان الوقت .. وصار التطبيع مع اسرائيل اقصر الطرق لنيل الشرعية .؟

ترجمة .. عين على فزان .. عابد

حوار مع «رفائيل لوزون».. كسر حاجز الخوف لندن،

بين التأييد والترحيب والرفض والقبول بتحفظ تراوحت ردود الفعل والتعليقات حول اللقاء الذي جمع بعض الشخصيات الليبية مع مجموعة من يهود ليبيا المهجرين عن ليبيا منذ عقود. في المنافي المختلفة ورغم تعاقب السنين لم يغادر حلم العودة إلى ليبيا مخيلتهم. أجيال متعاقبة تعيش هذا الحلم مؤملة تحققه يوما ما. وفي منفاهم ماتزال ذكرياتهم في مختلف المدن الليبية التي ولدوا وعاشوا فيها سنوات الطفولة والصبا متوهجة معززة بمحافظتهم علي نمط وأسلوب الحياة الليبي في كافة تفاصيله اليومية. لقاء جزيرة رودس أواخر يونيو الماضي نظمه وأشرف عليه رفائيل لوزون رئيس اتحاد يهود ليبيا في المهجر. التقيت به لأطرح عليه بعض الأسئلة حول هذا الملتقي الذي أثار الكثير من الجدل في الأوساط الليبية. عجبت كثيرا من اتقانه اللهجة الليبية (البنغازية) حيث ولد وعاش بعضا من طفولته. وكذلك معرفته الدقيقة بأحيائها وشوارعها ومعالمها. وكان من المدهش أن يقول لي رفائيل بكل فخر أنه حتى هذه الساعة لا يطرب إلا بسماع المطرب على الشعالية ومحمد صدقي وشادي الجبل وغيرهم من المطربين الليبيين. رغم فرحه بتحقق اللقاء الذي كسر حاجز الخوف على حد تعبيره إلا أنه حزين لعدم تفهم قطاعات واسعة من الليبيين لقضية عودتهم إلى بلادهم التي لا يعرف الكثير من اليهود الليبيين غيرها.
س1: ما هو تقييمكم لنتائج اللقاء في جزيرة رودس مؤخرا؟ هل أضاف شيئا لخدمة قضيتكم الأساسية؟
ج1: اللقاء في رودس هو الخطوة الكبيرة التي كنا ننتظرها مند زمن بعيد وقد كسر الجليد وحاجز الخوف وتم اللقاء بشكل علني وحوار حضاري انساني جمع بين الليبيين من مختلف الأديان والأعراق تحت مظلة ليبيا.
س2: حضور مسؤولين إسرائيليين من الحكومة والكنيست ما فائدته في هذا الملتقى؟
ج2: حضور المسؤولين من الحكومة الإسرائيلية له عدة مكاسب بعضها خاص بالأحزاب السياسية داخل إسرائيل وكلها تسعى لكسب أصوات الناخبين من أصول ليبية واقناع المواطنين بأنهم يحققون انجازات على مستوى إقليمي، وأيضا الاستماع واللقاء المباشر مع الأطراف العربية هو مكسب مهم لهم للحديث بشكل مباشر.
س3: بما أن المبادئ لا تتجزأ فكيف يساند المسؤولون الإسرائيليون حق عودة اليهود الليبيين إلى ليبيا وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين المهجرين من فلسطين؟
ج3: السياسة ﻻ مبادئ لها وتحركها المصالح والسؤال يجب ان يوجه للمسؤولين الإسرائيليين وهم من يجيب عنه.
س4: نفى خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ ارسال أي مندوب عنه للملتقى وأنكر بعثه برسالة لكم. كيف تعلق على ذلك وأنت من اعتبر رسالته للملتقى تاريخية؟
ج4: يجب على السيد خليفة الغويل أن ينشر بيان موقع ومختوم بالنفي أو الثبات لأن هذا اللغط جعله موضع شك وأنه يلعب لعبة رجل هنا ورجل هناك إرضاء جميع الأطراف، ونحن ننتظر رده بشكل رسمي بدون لف أو دوران سياسي.
س5: ليبيا الآن كما تعرف تعاني من صراعات متعددة فضلا عن تدخل خارجي يعمق من أزماتها فهل ترى أن هذا وقت مناسب لإثارة قضية عودة اليهود الليبيين إلى ليبيا؟
ج5: وهل اللقاء في رودس بين أبناء ليبيا يؤزم المشكلة الليبية أم أن شحن السلاح والتعصب والتطرف هو سبب الأزمة؟؟!!، لدينا إمكانيات وعلاقات دولية واقليمية يمكن أن تساهم في تسريع حل الأزمة التي يعاني منها المواطن ﻻ المسؤولين فلماذا ﻻ يستغلون هذه الإمكانيات، وهل تدخل تركيا ومصر والإمارات وايطاليا مقبول وحديثنا نحن أبناء ليبيا ممنوع؟؟!!
س6: هل تعتقد أن فكرة عودتكم صارت مقبولة أكثر من وقت سابق لدى الليبيين؟
ج6: الشباب الليبي اليوم أكثر وعيا وانفتاحا من السابق، وقرار العودة هو قرار شخصي يتخذه كل مواطن ﻻ يحرم منه، السؤال المهم هل قام أي يهودي ليبي بالتسبب في ضرر للشعب الليبي؟؟ ام العكس انهم ضحايا ومتضررين ومع ذلك ﻻ يتكلمون سوى بالخير ولا يتمنون سوى الخير للشعب الليبي كله.
س7: أخيرا. ماهي الرسالة التي تود توجيهها للقراء بشكل خاص ولعامة الليبيين؟
ج7: أيها الشعب الليبي يا أهلي في ليبيا ان الوقت يمر ومركب ليبيا يغرق كل يوم فاجتمعوا على كلمة سواء وابتعدوا عن التعصب فان بناء دولة حديثة ﻻ يتم سوى بالانفتاح الثقافي والاقتصادي والسياسي الذي سيضمن الاستقرار والنمو والازدهار.
كلمة أخيرة: إن أغلب التعليقات التي أشاهدها من الشعب الليبي هو خلط القضية الليبية بالقضية الفلسطينية وهذا موضوع إقليمي ودولي كبير ولي فيه ملاحظات:
لماذا ﻻ يشترط الليبيين على الصين حقوق المسلمين والأقليات هناك وإلا قطعت العلاقة معها.
لماذا ﻻ يشترطون على تركيا ارجاع لواء الاسكندرونة (حسب الطلب السوري) وإلا قطعت العلاقة مع تركيا.
لماذا ﻻ يطالبون ايران بإرجاع الجزر الإماراتية المحتلة وإلا قطعت العلاقة مع إيران.
لماذا ﻻ يطالبون اسبانيا بإرجاع سبتة ومليلة (حسب الطلب المغربي) وإلا قطعت العلاقات مع اسبانيا.
وهناك مئات الأمثلة التي أستطيع ذكرها ويضيق الوقت، أن خلط الأوراق لن يخدم القضية الليبية وهي قضيتنا الوحيدة هنا.
عبد الله الكبير

إما أن نتمرد أو ننقرض…

Kolumnisten Al-Aswani

حضرت يوما مشاجرة بين زوجين وبينما أحاول تهدئة الأمور صاح الزوج:

– أنا غلطان اني تزوجتها. الناس حذروني وقالولي إنها ترد كلمة بكلمة.

كان الزوج يقصد أن الزوجة ترد على كلامه وهو يعتبر ذلك عيبا حوهريا في شخصيتها كان يجب أن يمنعه من الزواج بها. الزوجة الجيدة في ثقافتنا تسكت ولا تجادل زوجها مهما قال. الدين يأمر الزوجة بالطاعة المطلقة لزوجها ويتوعدها بلعنة الملائكة إذا رفضت طلبه في الفراش. في العالم العربي آلاف الزوجات اللاتي يجبرن أنفسهن على الخضوع للزوج حتى لا يلحق بهن لقب “مطلقة”. الطاعة ليست مفروضة فقط على المرأة العربية وإنما على الرجل أيضا فقد ورثت الأسرة العربية تقاليد القبيلة في وجوب طاعة الكبير والخضوع لأوامره ويقال في المثل المصري “من ليس عنده كبير يشتري له كبير”، بمعنى أن الحياة لا تستقيم إلا بوجود كبير نطيعه وننحنى أمامه. هذه العقلية المذعنة التابعة يفترض أن يخلصنا منها التعليم ويساعدنا على التفكير الحر النقدي، لكن التعليم عندنا لايحرر العقل، وإنما يزيد من خضوعه.

قمت مؤخرا بالتدريس في جامعة بارد في الولايات المتحدة حيث يجب على الأستاذ أن يمنح الطالب الدرجة بناء على فهمه للدرس وقوة حجته حتى لو عارض رأي أستاذه. في الجامعات المصرية، مهما يكن التخصص، يجب على الطالب أن يحفظ كلام الأستاذ ويردده باعتباره الحقيقة، والويل للطالب إذا اختلف مع رأي أستاذه.. هذه العقلية التابعة المذعنة لا تحرمنا من الإبداع فقط، وإنما تجعلنا قابلين للاستبداد. نحن العرب لا نرفض الاستبداد من حيث المبدأ ولكن نرفضه فقط اذا ساءت نتائجه.

الحاكم المستبد في العالم العربي كثيرا ما ينظر اليه باعتباره زعيما عظيما ، مهما سجن وعذب وقتل معارضيه . القوميون العرب لازالوا معجبين بعبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي والاسلاميون العرب يهللون ويكبرون وهم يرون أردوغان في تركيا يعصف بالحريات ويعتقل الصحفيين ويفصل مئات القضاة وآلاف الموظفين لأنهم غير موالين له. الإسلاميون يعتبرون أردوغان باعث الخلافة الاسلامية العثمانية مع أنهم لو أنفقوا يوما واحدا في قراءة التاريخ لعرفوا أن الخلافة الإسلامية أساسا محض وهم وأن الحكم العثماني أسس دولة استعمارية احتلت شعوبنا وأذلتها أكثر من الاحتلال الغربي. نحن العرب للأسف قابلون للاستبداد ليس بسبب عيب خلقي في الجينات ولكن نتيجة طبيعية لثقافة الطاعة الخانعة التي تربينا عليها جميعا بلا استثناء. بعد ثورة يناير اشتركت في مناظرة تليفزيونية ضد أحمد شفيق رئيس وزراء مبارك وواجهته بمسئوليته عن جرائم نظام مبارك. هذا النوع من المناظرات مألوف جدا في الدول الديمقراطية. أما في مصر فقد اختلفت ردود الفعل فبينما أيدني أنصار الثورة وجدت مواطنين عاديين منزعجين جدا من أن يتحدث أحد مع السيد رئيس الوزراء وكأنه يكلم شخصا عاديا. ثقافة الطاعة تجعل المواطن العربي ينحني أمام صاحب المنصب. أتباع الإسلام السياسي حالتهم أعقد لأنهم يضيفون إلى ثقافة الطاعة المشاعر الدينية التي تحجب عنهم الرؤية وتمنعهم من أي تفكير نقدي لأنهم يعتبرون الانتصار لشيخهم انتصار للدين نفسه. هناك فيديو شهير ينحني فيه مجموعة من قادة الإخوان المسلمين ويتزاحمون من أجل أن ينال أحدهم شرف تلبيس الحذاء للسيد مرشد الإخوان. لا يمكن بالطبع مع تصرفات من هذا النوع أن نتوقع أي تفكير مستقل أو رؤية نقدية. لقد دفعنا في مصر ثمنا باهظا لثقافة الطاعة الإسلامية في استفتاء 19 مارس/ آذار فقد تحالف الإخوان مع العسكريين ضد الثورة وقام الإسلاميون بتعليمات من مشايخهم بالتصويت ضد كتابة دستور جديد وأطلقوا على الاستفتاء “غزوة الصناديق” وقال شيخ شهير لمريديه:

– اسمعوا كلام المشايخ من غير تفكير لأنهم ينفذون أوامر ربنا عز وجل! 

ثقافة الطاعة السبب في حالة الخنوع والسكون التى يتقبل بها المصريون الاعتداء على حقوقهم من نظام السيسي. كم شعب غربي كان سيتقبل أن بنتهك رئيس الجمهورية القانون والدستور ليتنازل عن جزيرتين من أرض بلاده لبلد آخر كما فعل السيسي بتيران وصنافير..؟

كم شعب غربي كان سيتقبل موجة الغلاء العاتية الظالمة بغير أن يسأل رئيسه عن ثروته الشخصية وإقرار ذمته المالية الذي لم يقدمه السيسي حتى الآن..؟

لقد كانت الثورة المصرية صرخة تمرد من أجيال جديدة رفضت ثقافة الاذعان وتمردت على فكرة الكبير والصغير ، قدمت الثورة ثقافة مدنية حرة تفصل الدين عن السياسة ولا ترى في الرئيس ولي الأمر ولارمز الوطن ولا كبير العائلة ولا والد الشعب، وإنما هو موظف عام عند الشعب يجب أن يحاسب كأي موظف.

في مصر الآن معركتان: صراع السلطة بين العسكريين والإخوان وهو لا يشمل أي اختلاف في الرؤى والأفكار لأن الفاشية الدينية والعسكرية وجهان لعملة واحدة وفي أي لحظة إذا منح العسكريون الإخوان مقاعد في السلطة سيعود التحالف بينهما من جديد كأفضل ما يكون.

أما الصراع الحقيقي فيدور بين الثورة والحكم العسكري لأنهما يختلفان في رؤيتهما لكل شيء تقريبا. الحكم العسكري يعيش على ثقافة الطاعة والثورة تحمل فكرة التمرد الذي يؤدي إلى تكسير أصنام الخنوع التي كانت السبب الرئيسي في تخلفنا حتى صرنا في الحضيض. بسبب ثقافة الطاعة أصبحنا نحن العرب علميا وفكريا عالة على العالم. لن نتقدم أبدا إلا بالديمقراطية التي لن نحققها إلا إذا تمردنا على ثقافة الطاعة وتعلمنا كيف نفكر بحرية. إما أن نتمرد أو ننقرض..

 

الديمقراطية هي الحل

ميديل إيست آي: صديق محمد بن زايد دبَّر مؤامرة ليبية لقتل ولي العهد السعودي

MOHAMMED BIN ZAYED
 

لم يمر أسبوع على اتهام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، قطرَ بمحاولة اغتيال الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز حينما كان ولياً للعهد، على يد مجموعة ليبية، حتى جاء تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” عن نجل العقيد الراحل معمر القذافي ليفجِّر مفاجأة بأن المتهم الرئيس في القضية تربطه علاقات وثيقة بمحمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، والحاكم الفعلي للإمارات.

ولتفاصيل الواقعة ذكر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، الثلاثاء 27 يونيو/حزيران 2017، أن السعدي القذافي نجل العقيد الليبي الراحل، قال قبل عدة سنوات إن الجاسوس الليبي الضالع في المؤامرة الفاشلة لقتل الملك السعودي الراحل عبدالله، كانت له صلات وثيقة بحاكم الإمارات العربية المتحدة.

وكان قبل أيام قد ذكر وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، قام في عام 2003 بالتخطيط، بالتعاون مع الرئيس الليبي السابق، لقتل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان ولياً للعهد في ذلك الحين، إلا أن مزاعم الجبير قد تبدَّدت بعد ما نشره الموقع البريطاني عن نجل القذافي.

وقال الجبير في مقابلة مع قناة العربية “فيما يتعلق بالإرهاب في السعودية، والذي تدعمه قطر، في إحدى القضايا وجدنا دوراً قطرياً في مؤامرة القذافي لاغتيال الملك السابق في مكة”.

وأضاف السعدي القذافي، قد أشرف على تلك الخطة كلٌّ من محمد إسماعيل، العقيد في الاستخبارات العسكرية الليبية، والجاسوس الليبي موسى كوسا، وعبد الرحمن العمودي، وهو زعيم أميركي مسلم يقضي حالياً حكماً بالسجن لمدة 23 عاماً في الولايات المتحدة، بعد اعترافه بدوره في محاولة الاغتيال.

وكان المتآمرون يخططون لاغتيال الحاكم السعودي بإطلاق صاروخ على موكبه. وكان دور إسماعيل محورياً في المؤامرة، سواء في تجنيد القتلة المحتملين أو تسهيل دفع المال للمنشقين السعوديين في لندن للمشاركة في المؤامرة.

وأضاف الموقع البريطاني أن السعدي القذافي قال في مقابلة سابقة في عام 2014، إن إسماعيل كان صديقاً مقرباً لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، وكان معه رقم خط هاتفه المباشر، كما مُنح الجنسية الإماراتية بعد سقوط حكومة القذافي في عام 2011.

مزاعم سعود القحطاني

كما زعم المستشار الملكي سعود القحطاني على تويتر، أن أمير قطر السابق شارك شخصياً في تلك المؤامرة الفاشلة. وقال إن الشيخ حمد سافر إلى طرابلس وقال للقذافي إنه مستعد “للوفاء بجميع طلباته” للتواصل مع المنشقين السعوديين المعنيين.

وقال القحطاني، إن القذافي وضع هذه الخطة بعد أن أهانه عبدالله في مؤتمر جامعة الدول العربية.

وقال القحطاني: “كان القذافي غاضباً للغاية، وأقام اتصالات مع المنشقين السعوديين، وتحديداً أولئك الذين يعيشون في لندن، الذين لم يتعاونوا معه بسبب موافقتهم على العمل لصالح أمير قطر حمد بن خليفة”.

وأضاف أن القذافي “طلب من الأمير مساعدته على الانتقام من عبد الله، وأشار حمد إلى استعداده لذلك فاتفقوا على عقد اجتماع. ثم أصدر حمد بن خليفة أوامره إلى المنشقين في لندن بتنفيذ كل الأوامر التي تصل إليهم من العقيد الليبي محمد إسماعيل”.

لكن المقابلة التي أجريت مع السعدي القذافي، التي بثتها وسائل الإعلام الليبية على الإنترنت، في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بعد اعتقاله في النيجر وتسليمه إلى ليبيا، تبرز صلة إسماعيل بالإمارات العربية المتحدة، التي تعادي قطر بشراسة.

في الفيديو، يقول السعدي “… ومحمد إسماعيل، مُنح الجنسية الإماراتية، ويعيش في أبو ظبي. وقد أخذه محمد بن زايد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة”.

ويضيف “محمد بن زايد لديه هاتف محمول مخصص فقط للتواصل مع رؤساء الدول، محمد إسماعيل لديه رقم هذا الهاتف. حتى أنا لا أعرف الرقم، لكن محمد إسماعيل يعرفه”.

لم تتمكن Middle East Eye من التحقق من الظروف التي تم تسجيل الفيديو فيها.

قتل الأمير الساخر

وكانت السلطات السعودية قد أدانت إسماعيل لدوره في تنظيم هذه المؤامرة، بعد اعتقاله في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، بعد ساعات من مغادرته المملكة مع انهيار الخطة. وقال مسؤولون سعوديون إنه اعترف بدوره، كما تم استجوابه من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة المخابرات المركزية الأميركية.

وقال التقرير إن مؤامرة عام 2003 دبرها القذافي، بعد أن سخر منه عبد الله في قمة جامعة الدول العربية، حيث قال عبد الله في جلسة علنية: “القذافي، الكذب وراءك والقبر أمامك”.

وذكرت تقارير حديثة أن المؤامرة شملت دفع مبلغ مليون دولار للمسلحين السعوديين الذين كانوا سيستخدمون قنابل يدوية أو صواريخ محمولة على الكتف في الهجوم على عبدالله أثناء سير موكبه في مكة.

وذكرت صحيفة واشنطن بوست، أن المؤامرة أُحبطت على عدة مراحل، بما في ذلك تحويل الأموال إلى البنك الخطأ في المدينة المنورة، والنقود التي كانت محشوة في عدة أكياس وتركت خارج غرفة في فندق هيلتون في مكة المكرمة لكي تلتقطها خدمة بريد سعودية.

ونقل عن إسماعيل قوله إن مهمته كانت دفع المال للمسلحين. واعتبرت تصريحاته، التي قورنت بتصريحات العمودي، ذات مصداقية كافية للولايات المتحدة، للبدء في إجراء تحقيق.

كما قام المسؤولون البريطانيون بالتحقيق في القضية والدور المزعوم لمنشقين سعوديين مقرهما لندن.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، أن محققي مكتب التحقيقات الفدرالي سألوا إسماعيل ما إذا كان قد تعرَّض للتعذيب أو سوء المعاملة أثناء احتجازه في السعودية.

وأجاب إسماعيل بأنه كان يعامل معاملة جيدة، وأنه يريد التقدم بطلب اللجوء السياسي، لأنه اعتقد أنه سيقتل إذا عاد إلى ليبيا.

ومع ذلك، عفا الملك عبد الله عن إسماعيل حين وصل إلى الحكم في عام 2005، كخطوة على طريق إعادة العلاقات مع ليبيا.

ثم عاد إلى ليبيا ليلتحق بخدمة أسرة القذافي مرة أخرى.

لم تتمكن Middle East Eye من التأكد من مكان وجود إسماعيل الحالي، على الرغم من ورود معلومات تشير إلى أنه كان على اتصال مع سيف الإسلام، ابن القذافي الآخر، في عام 2012.

عودة عشيرة القذافي

ويذكر السعدي أيضاً في الفيديو أن الإمارات العربية المتحدة كانت تخطط لإعادة أحد أفراد عائلة القذافي للحكم في ليبيا.

وأضاف أن “محمد بن زايد يريد أن يعود سيف الإسلام القذافي إلى الحياة السياسية في ليبيا، لكن حين تهدأ الأوضاع فيها”.

وكان سيف الإسلام قد أُطلق سراحه مؤخراً من السجن، حيث استمر إسماعيل في التواصل معه من خلال فريقه القانوني، وانتقل إلى شرقي ليبيا، التي يسيطر عليها الجنرال خليفة حفتر حليف الإمارات في ليبيا.

وتأتي مزاعم الجبير والقحطاني في الوقت الذي تقود فيه السعودية حصاراً على قطر بسبب ارتباطها بـ”الإرهاب” ودعمها لإيران، الأمر الذي تنفيه قطر تماماً.

لكن المملكة العربية السعودية، التي تدعمها الإمارات والبحرين، قد فشلت خلال أسبوعين من النزاع في تقديم أي دليل ضد قطر، بما في ذلك ادعاءات محاولة الاغتيال، التي وصفتها وزارة الخارجية الأميركية بأنها “غامضة”.

في الأسبوع الماضي، حددت المملكة 13 شرطاً لإنهاء الحصار، بما في ذلك القيود الخطيرة على السياسة الخارجية وإغلاق قناة الجزيرة ، ولكن الدوحة رفضت تلك الشروط.